وقفات مع آيات الصيام  6

وقفات مع آيات الصيام 6

الدرس في وقفات مع آيات الصيام 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

إكمال العدة والتكبير بعد العبادات

يشرح المقطع معنى آية ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، مبينًا أن الله أمر الصائمين بقضاء الأيام المفطرة لإكمال عدة الشهر، وأمرهم بذكره وتكبيره بعد انتهاء العبادات كالحج والصلاة والصيام، مستدلاً بالأدلة من القرآن والسنة على مشروعية الأذكار بعد الفرائض.

استدلال الإمام الشافعي على مشروعية التكبير في ليلة العيد

يستدل الإمام الشافعي بالآية على مشروعية التكبير منذ غروب شمس آخر يوم من رمضان، ويذكر خلاف العلماء في مدته، مبيناً أن التكبير والشكر يأتيان امتناناً بهداية الله للصيام ونزول القرآن، وتحقيقاً للتقوى التي هي ثمرة العبادات.

شكر نعمة إتمام رمضان وزكاة الفطر

إتمام شهر رمضان نعمة عظيمة تستوجب شكر الله باللسان والقلب والجوارح، وقد شرع الله زكاة الفطر كشكر عملي على هذه النعمة، ويُستحب إخراجها قبل صلاة العيد. والرجوع للمعاصي بعد رمضان ينافي أمر الله بالشكر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال الله عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فمعنى قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾، أي: إنما آمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم. فكما مر معنا أن المريض والمسافر إذا أفطر يصوم بعدد الأيام التي أفطرها، وذلك من أجل أن يكملوا العدة. وقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، أي: ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم. فالله سبحانه وتعالى في عبادات عدة يأمر عز وجل عباده بعد الانتهاء منها بذكره، كما في أمر الحج، قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. ليدل كذلك على أن عبادة الله عز وجل ليست محصورة في الانتهاء من العبادة فحسب، بل وحتى بعد الانتهاء من العبادة لا يغفل المسلم عن ذكر الله عز وجل. وهكذا في أمر الصلاة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ولذلك جاء في السنة أن بعد الانتهاء من الصلوات المكتوبة لا ينصرف المسلم مباشرة، بل يذكر الله. فلذلك جاءت الأذكار بعد الصلاة: يستغفر الله ثلاثًا: «أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد». ويُسبح ثلاثًا وثلاثين، ويحمد ثلاثًا وثلاثين، ويكبر ثلاثًا وثلاثين، ويقول تمام المائة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». ذكر لله سبحانه وتعالى. فانظر في الصيام، في الحج، في الصلاة، هذه الأركان العظيمة أمر الله عز وجل عباده بعد الانتهاء منها بذكره، كما في هذه الآية: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. ولذلك استدل الإمام الشافعي بهذه الآية على مشروعية التكبير في ليلة عيد الفطر بعد غروب آخر يوم، من غروب شمس آخر يوم من أيام رمضان. فإذا انتهت عدة رمضان يشرع التكبير لظاهر هذه الآية: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. فالإمام الشافعي يرى التكبير منذ غروب شمس آخر يوم من رمضان. والنبي صلى الله عليه وسلم في عيد الفطر لما خرج إلى المصلى كبر، فلما جاء المصلى قطع تكبيره، قطع تكبيره. والمسألة خلافية بين أهل العلم، وهي من خلاف الأفهام. ففهم بعض العلماء من هذه الآية أن التكبير يبدأ بانقضاء آخر يوم من أيام رمضان، أي في ليلة العيد، يبدأ من ليلة العيد وينتهي بمجيء الإمام إلى المصلى لصلاة العيد. وقوله: ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، يعني: على ما من به عليكم من هذه العبادات العظيمة الجليلة التي فيها هدايتكم. فالصيام من أعظم حكمه ومقاصده التقوى، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ولا شك أن هذا من الهداية، هدى الله عز وجل أمة الإسلام إلى التوحيد، إلى العبادة، من الصلوات، ومن الزكوات، ومن أداء صيام شهر رمضان، وإلى غير ذلك من الأعمال العظيمة التي فيها هداية للخلق. ومن ذلك نزول القرآن في شهر رمضان. فالمسلم يحمد الله سبحانه وتعالى على ما منّ به عليه من الهداية، من الهداية إلى هذا الدين العظيم، وإلى سنة خير المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لذلك قال بعد ذلك: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فأمر كذلك بشكره عز وجل بعد الانقضاء من هذه العبادة، عبادة الصيام، كما أمر سبحانه وتعالى، أو كما حث النبي عليه الصلاة والسلام على شكر الله عز وجل بعد الانتهاء من الصلاة، كما علم معاذ بن جبل رضي الله عنه، فقال له: «لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وحسن عبادتك». فهذه العبادات الجليلة العظيمة تحتاج منك إلى شكر، إذ أن الله عز وجل وفقك لأدائها ووفقك لإدراكها. نعم من الله عز وجل عليك بإتمام ذلكم الشهر، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾، يعني: قد أكملت العدة. فهذا الأمر نعمة من الله عز وجل، إذ أن غيرك ربما وافته المنية قبل دخول هذا الشهر، أو قبل انقضاء هذا الشهر. فمن الله عز وجل عليك بأن وفقك لإتمام هذا الشهر وتلك العبادة، عبادة الصيام. فلا شك أن هذه نعمة عظيمة تستوجب منك الشكر، فهي داخلة في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. فهذه النعمة تحتاج منك إلى شكر. لذلك قال العلماء: مما يشكر العبد به ربه في تمام هذا الشهر أن الله عز وجل أوجب عليه زكاة، أوجب عليه زكاة، ليكون الشكر باللسان وبالقلب وكذلك بالجوارح، وذلك بالصدقة، وذلك بالصدقة. فأوجب الله عز وجل زكاة الفطر في تمام هذا الشهر، وذلك من شكر الله عز وجل على هذه النعمة، على هذه النعمة. ولذلك الأفضل في زكاة الفطر أن تخرج قبل صلاة العيد، أن تخرج قبل صلاة العيد. لماذا؟ لأن في ذلك إتمام لهذا الشهر، فتؤديها بعد أن شكرت الله عز وجل بلسانك وكذلك بقلبك، ثم تدلل على ذلك بجوارحك ومما أعطاك الله عز وجل من نعمة المال بأن تخرج هذه الزكاة، أن تخرج هذه الزكاة. فهذا من معنى قول الله عز وجل: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ينبغي للمسلم أن يشكر نعمة الله عز وجل عليه في تمام ذلكم الشهر. ومن الخطأ العظيم أن يقابل المسلم تمام هذا الشهر بالرجوع على ما كان عليه قبل رمضان من المعاصي ومن الذنوب ومن المخالفات، سواء كان بالسماع للغناء، أو كذلك بترك الصلوات، أو كذلك بحلق اللحية، أو إلى غير ذلك. فهذا ينافي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر