التعليقات على كتاب الأدب المفرد 101

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 101، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم الهجران بغير عذر شرعي

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هجران المسلم لأخيه المسلم فوق ثلاث ليال بغير عذر شرعي. وأمر ببدء السلام لقطع الهجران.

النهي عن الحسد والتنافس في أمور الدنيا

نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الحسد والتنافس في أمور الدنيا، حيث يؤدي الحسد إلى البغضاء والعدوان. والتنافس قد يكون في أمور الدنيا أو الدين ويؤدي إلى العجب والغرور.

التنافس في أمور الآخرة والأخوة الإيمانية

ينبغي للمسلم أن ينافس غيره في أمور الآخرة مثل المحافظة على الصلاة وحفظ القرآن والصدقة. وأن تكون بين المسلمين أخوة إسلامية قائمة على المحبة والتوادد.

استثناء الهجر لعذر شرعي

الهجر مباح إذا كان لعذر شرعي، والمحرم هو الهجر لغير عذر. وهذا يعني أن هناك أسبابا مقبولة للهجر مثل ارتكاب المعصية.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد في باب هجرة المسلم، قال: حدثنا عبدالله بن صالح قال: حدثني الليث قال: حدثني يونس عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي أن أبا أيوب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين، وفيهما مر الكلام عليه أنه لا يجوز لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، لا يكلمه ولا يرد عليه السلام. لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يعني أكثر من ثلاثة أيام، يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا، يعني يُعرض هذا، كل واحد منهما هاجر للآخر، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، أي خير هذين الرجلين الذي يبدأ بالسلام لأنه إذا ابتدأ السلام فإنه يقطع الهجرة، إذا ابتدأ السلام فإنه يقطع هذا الهجر، فجعل الخير في من ابتدأ ذلك. وهذا كما مر إذا كانت هذه الهجرة وهذا الهجر في أمور الدنيا، إذا كان في أمور الدنيا فإنه لا يجوز أن يهجر أخاه فوق ثلاث، إنما له ثلاثة أيام فقط، إذا حصل بين الرجل وبين أخيه شيء ووقع في نفسه شيء منه وغضب عليه فهجره، فإنه لا يزيد على ثلاثة أيام، لا يزيد على ثلاثة أيام، بعد ثلاثة أيام فإنه يجب عليه أن يكلمه، وإذا سلم عليه أن يرد عليه السلام، وإلا كان آثما. وأما إذا كان في أمور الدين فإنه يجوز الزيادة على ثلاثة أيام كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع كعب بن مالك وصاحبيه، وكما ثبت عن كثير من السلف رضوان الله تعالى عليهم في هجرهم لمن وقعوا في مخالفات شرعية. ولهذا الإمام النووي رحمه الله بوّب على هذا الحديث في صحيحه أو في كتاب مسلم، فقال: «باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي»، تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي، يعني أن هذا التحريم إذا كان الهجر بلا عذر، وأما إذا كان لعذر فإنه يجوز، يجوز الزيادة على ذلك كما دلت على ذلك الأدلة الأخرى، أما بلا عذر فلا يجوز، لا يجوز أن يهجر أخاه المسلم بلا عذر، يلقاه فلا يسلم عليه أو يسلم عليه فلا يرد عليه السلام، هذا لا يجوز، وإن فعل ذلك هو آثم إن لم يكن هناك عذر، إنما مجرد أهواء أو اتباع لشهوات أو شبهات فيهجر أخاه المسلم بلا حجة ولا بينة، فهذا آثم. قال: حدثنا موسى قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تباغضوا ولا تنافسوا وكونوا عباد الله إخوانا». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين دون لفظة «ولا تنافسوا»، فقد انفرد بها مسلم، وفيه نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن التباغض، لا تباغضوا، أي لا يبغض بعضكم بعضا، لأن هذا مما ينافي الأخوة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، وغالبا لا يقع البغض إلا بعد الحسد، إذا حسد أخاه على شيء فإنه يبغضه، هذا في الغالب. ولهذا جاء في الحديث الذي مر معنا: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا»، نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن التباغض وعن التحاسد، لأن الحاسد إذا حسد غيره فإنه يبغضه لما أكرمه الله سبحانه وتعالى بشيء لم يؤتاه هو، فيقع في قلبه البغضاء، يقع في قلبه البغضاء لهذا المحسود، ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك عن الحسد، فهو يورث شرور عظيمة، ومنها البغض، ومنها البغض، فينبغي للمسلم أن يحذر، وهكذا أيضا طالب العلم ينبغي أن يحذر منها الحسد، فربما يدخل عليه الشيطان ويقذف في قلبه الحسد إذا رأى من طلبة العلم من هو أفضل منه ومن هو متفوق في الحفظ وفي الفهم وفي الذكاء وفي النشاط، فربما يقع في قلبه الحسد فيحسد هذا الذي يرى أحسن منه فيبغضه، ثم يقع في البغي والعدوان. ولهذا كما قال بعض السلف: يروى عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: ما من آدمي إلا ويقع في قلبه الحسد، ولكن إذا لم يوصله إلى البغي والاعتداء فإنه لا يضره، أو معنى كلامه: ربما يقع في قلبك شيء تحسد فلانا من الناس على ما أعطاه الله سبحانه وتعالى، ولكن إذا أزلت هذا الحسد ولم تتعدَّ وتقع في العدوان وفي البغي إما بالكلام عليه أو بالطعن فيه أو بالسعي لإزالة هذه النعمة عنه، فهذا هو الذي يكون سببا في وقوعك في هذا الذنب العظيم، ويورث لك أو عليك الشرور العظيمة، لكن إذا وقع في قلبك ثم كتمته، وكذلك حرصت على مجاهدة نفسك في إزالة ما وقع في قلبك، فإن ذلك لا يؤثر عليك، فلهذا ينبغي للمسلم أن يحذر من ذلك، وعلى طالب علم كذلك أن يحذر أن يحذر من الحسد. قال: «ولا تنافسوا»، نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن التنافس، قيل: التنافس هو محبة التفرد بالشيء، ينافس غيره بأن ينفرد بهذا الشيء حتى لا ينافسه غيره، سواء كان في أمور الدنيا أو في أمور الدين، في أمور الدنيا أو في أمور الدين، وكل شخص أو كل جنس كما يقال يحسد وينافس غيره، فأرباب الدنيا كالتجار مثلا، تجد التاجر ينافس التاجر ويحب أن يكون هو أرفع منه، وأن تكون التجارة بيده، وأن يكون هو المتصرف فيها، وهكذا أيضا في بقية أعمال الدنيا، وهكذا كذلك في أمور الدين، ربما يقع كذلك فيها التنافس، وهذا من تلبيس الشيطان، ربما يدخل على الرجل وعلى العالم الغرور ويقذف في قلبه العجب وأنه هو الأعلم وهو الأرفع وهو الذي ينبغي أن تدور عليه الفتوى وأن يكون إليه المرجع، وهكذا حتى ينافس غيره ويريد أن يتفرد بهذا الأمر، يقول: ماذا أن يتفرد بهذا الأمر، فتجده يصارع ويقارع كل من وقف في وجهه، وكذلك ارتفع في منزلته، فهذا نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، «ولا تنافسوا»، وقيل: التنافس المراد به النهي عن التنافس في أمور الدنيا، التنافس في أمور الدنيا، يعني لا تنافس غيرك في أمر الدنيا، إذا رأيت من أدخل مالا أكثر فتريد أن تنافسه تدخل أموالا أكثر منه، أو بنى دارا فتبني دارا أحسن منه، تنافسه في أمور الدنيا، فهذا نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، ولا تنافسه، بل ينبغي التنافس في أمور الآخرة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، إذا أراد إنسان ينافس غيره فإنه ينافس في أمور الآخرة، هي التي ينبغي التنافس فيها والمسارعة في فعل الخيرات لأجلها، وأما الدنيا فهي دار زوال، وكما قال بعض السلف: من نافسك في الدنيا فارمها في وجهه، يعني لا تنافسه ولا تبالي به، لكن إذا جاءك من ينافسك في الآخرة فنافسه، ينافسك مثلا في المحافظة على الصلاة فإنك تنافسه، لأن هذا من أمر الآخرة، ينافسك في حفظ القرآن فإنك تنافسه إذا حفظ ورقة أنت تحفظ ورقة وأكثر، وهكذا تتنافس أنت وإياه في الحفظ، أو حفظا في اليوم خمسة أحاديث أنت تحفظ سبعة أحاديث تنافسه، أو في الصدقة كما كان يفعل الصحابة رضوان الله تعالى عنهم، لما حث النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على الصدقة فخرج عمر رضي الله تعالى عنه بنصف ماله، قال: اليوم أسبق أبا بكر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاه المال، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما تركت لأهلك؟ قال: النصف، ثم جاء أبو بكر وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم مالا، فقال: ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله، يعني أنه تصدق بكل ماله، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لا أنافسك بعدها أبدا، هكذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتنافسون في أمر الآخرة، أما في أمور الدنيا فإنهم لم يكونوا يبالون بها. فعليك أيها المسلم أن تتنافس وأن تنافس غيرك في أمر الآخرة، في حضور مجالس العلم والاهتمام بها والتبكير إليها، وهكذا في سائر الطاعات. قال: «وكونوا عباد الله إخوانا»، أي لتكن بينكم الأخوة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، وما يكون كذلك بينكم من محبة، وكذلك توادد وعدم بغضاء وشحناء وحسد، فهذه الأمور كلها تنافي الأخوة، كلها تنافي الأخوة، فلهذا نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وحدثنا إسحاق بن سليمان قال: حدثني ابن وهب قال: أخبرني عمرو عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما تواد اثنان في الله جل وعز أو في الإسلام فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما». قال كذا، يعني قال الشيخ الباني معلقا كذا، ومر عليه الشارح الجيلاني، وفي الجامع الصغير برواية المصنف: «إلا بذنب»، ولعله الصواب، ثم تأكدت من ذلك حينما رأيته في المسند هكذا على الصواب من حديث عمرو إلى آخره، يعني أن الصواب: «إلا بذنب يحدثه أحدهما»، والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة، وفيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا حصلت المودة والأخوة بين الرجلين فلا يجوز أن يهجر أحدهما الآخر إلا لعذر، إلا لعذر، ومن ذلك فعل المعصية والذنب، «إلا بذنب يحدثه أحدهما»، فإذا وجد العذر فإنه حينئذ يجوز لهم التفرق، وأما بغير عذر فلا، بغير عذر فلا يجوز أن يهجر أخاه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال»، هذا إذا كان لغير عذر، وأما بعذر فإنه يجوز، كان يرتكب ذنبا ومعصية ثم ينصحه بترك هذا الذنب وهذه المعصية فيصر ويأبى ويعاند إلا أن يفعلها، فحينئذ يتركه ويهجره، وليس عليه في ذلك شيء، ولا يكون ذلك داخل في الأحاديث التي فيها التحذير من هجر المسلم أخاه، لأن هذا الهجر لعذر، هذا الهجر لعذر، وإنما المحرم هو أن يكون الهجر لغير عذر.