الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 69، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح حديث النبي حول أكثر ما يدخل الناس النار وهو الفم والفرج، وأهمية حفظهما لدخول الجنة. يبين الحديث أن الفم والفرج مصدر لكثير من الذنوب والمعاصي.
النص يشدد على أهمية تقوى الله وحسن الخلق كسبيل لدخول الجنة، ويشرح معنى تقوى الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي، ويبين أن حسن الخلق يحمل على فعل الخير وترك الشر.
شرح حديث للنبي يبين فيه أن الله لم يضع الحرج إلا على من ظلم غيره، وأجاز التداوي لأن الله وضع لكل داء شفاء، وأكد أن خير ما يعطى الإنسان هو الخلق الحسن.
ينبغي للإنسان الحرص على الأخلاق الحسنة، فإذا كانت موجودة لديه حمد الله عليها، وإذا لم تكن كذلك سعى لاكتسابها.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني موسى بن علي عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال: أربع خصال، إذا أعطيتهن فليضرك ما عزل عنك من الدنيا: حسن خليقة، وعفاف طعمة، وصدق حديث، وحفظ أمانة. والحديث قد مر ذكره أنه حديث صحيح، وهو موقوف على عبد الله بن عمر، روياه كذلك مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ومر الكلام عليه. قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا داود بن يزيد قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تدرون ما أكثر ما يدخل النار؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «الأجوفان: الفرج والفم». «وأكثر ما يدخل الجنة: تقوى الله وحسن الخلق». والحديث صحيح، فقد صححه شيخ الألباني رحمه الله، وهكذا شيخنا مقبل رحمه الله. وفي هذا الحديث سؤال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «تدرون ما أكثر ما يدخل النار؟» وهذا أسلوب من أساليب العلم أن يطرح العالم أو المعلم على تلاميذه السؤال، وهذا يجعلهم على انتباه، وكذلك أيضا تشوق لمعرفة الجواب، فيكون أوقع في نفوسهم، وكذلك أيضا يعظم الانتفاع به. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام في كثير من الأحيان يسأل أصحابه: «أتدرون من المفلس؟» «أتدرون ما كذا؟» يسأل حتى ينتبه فينتفع بالجواب. فقال: «تدرون ما أكثر ما يدخل النار؟» قال: الله ورسوله أعلم، فقال: «الأجوفان». وفي قولهم: «الله ورسوله أعلم»، إرجاع العلم إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا سئل الإنسان عن شيء لا يعلمه فإنه يقول: الله أعلم، ويرجع العلم إلى الله سبحانه وتعالى. وأما قولهم: «الله ورسوله أعلم»، فهذا -قال أهل العلم- يقال في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، وأما بعد موته فيقال: الله أعلم. فقال عليه الصلاة والسلام: «الأجوفان: الفم والفرج»، أي أخبر عليه الصلاة والسلام أن أكثر ما يدخل الناس النار الفرج والفم، قال: «الفرج والفم»، وذلك لأن أكثر الشرور وأكثر المعاصي هي من الفرج والفم. فبالفرج يقع الزنا واللواط وغير ذلك من الفواحش، وبالفم كذلك تقع كثير من المعاصي: أكل الحرام يكون عن طريق الفم، أكل الربا والرشوة، وهكذا أيضا ما أدخل من المال عن طريق الغش والخداع والكذب وغير ذلك من الأموال المكتسبة بالحرام. وهكذا كذلك في الفم اللسان، ويقع في اللسان كثير من المعاصي: الكذب يكون باللسان، الغيبة تكون باللسان، النميمة تكون باللسان، وهكذا شهادة الزور باللسان، اللعن والسب والشتم باللسان، القول على الله بغير علم باللسان، وهكذا دعاء غير الله وغير ذلك من الشرك بالله سبحانه وتعالى مما يكون بالقول يكون باللسان. وهكذا كثير من المعاصي والذنوب مصدرها اللسان، فلهذا كان أكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ضمن لمن حفظ لسانه وفرجه أن يدخل الجنة، كما جاء في حديث سهل بن سعد في الصحيحين، وبمعناه في السنن من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «من يضمن لي ما بين رجليه وما بين لحييه أضمن له الجنة»، يعني: الفم والفرج، فمن حفظهما فإنه يكون بذلك قد اتخذ الأسباب التي توصله إلى دخول الجنة، كما أنه إذا أطلق فقد سلك الأسباب التي توصله إلى النار. فقال عليه الصلاة والسلام: «الأجوفان: الفرج والفم». ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على سلامة هذين العضوين: الفم والفرج، فلا يتصرف فيهما أو لا يستخدمهما إلا في الحلال، لا يستخدمهما إلا في الحلال. فالفرج يحفظه إلا فيما أحل الله سبحانه وتعالى له من الزواج، والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون. وهكذا يحفظ لسانه فلا يتكلم إلا بما أحل الله سبحانه وتعالى، وبما يرضي الله زل وعلا، ولا يدخل في فمه إلا ما أحله الله له، ويحرص على الابتعاد عن الحرام، فأيما جسم نبت من حرام فالنار أولى به، كما قال عليه الصلاة والسلام. قال: «وأكثر ما يدخل الجنة: تقوى الله وحسن الخلق». وهذا هو الشاهد أن أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق. تقوى الله وهي كلمة جامعة تشمل فعل الأوامر واجتناب النواهي، فالمتقي هو من فعل ما أمره الله سبحانه وتعالى به وما أمره به رسوله صلى الله عليه وسلم، وترك ما نهى الله عز وجل عنه ورسوله، فهذا هو المتقي لله سبحانه وتعالى، ومن فعل ذلك فقد حقق أسباب دخول الجنة وسلك الطريق التي توصله إلى الجنة. وكذلك أيضا حسن الخلق، فإنه سبب لدخول الجنة، كما مر في الحديث الكثيرة، ومن هذا الحديث أن حسن الخلق سبب لدخول الجنة، لأنه يحملك على فعل الخير وترك الشر، وفعل الطاعات وترك المعاصي. والدين كما مر معنا هو الخلق، فالذي يتمسك بالإسلام الحق فإنه يتحلى بالأخلاق الفاضلة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه بعث ليتم مكارم الأخلاق، فالدين كله خلق. فلهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على الأخلاق الحسنة فيتحلى بها، ويجتنب الأخلاق السيئة. قال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا أبو عامر قال: حدثنا عبد الجليل بن عطية عن شهر عن أم الدرداء -وهو الشهر بن حوشب وضعيف- قالت: قام أبو الدرداء ليلة يصلي فجعل يبكي ويقول: «اللهم أحسنت خلقي فأحسن خلقي» حتى أصبح، فقلت: يا أبا الدرداء، ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق. فقال: يا أم الدرداء، إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن خلقه الجنة، ويسيء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار. والعبد المسلم يغفر له وهو نائم. قلت: يا أبا الدرداء، كيف يغفر له وهو نائم؟ قال: يقوم أخوه من الليل فيجتهد فيدعو الله عز وجل فيستجيب له ويدعو لأخيه فيستجيب له. وهذا الأثر ضعيف، لشهر بن حوشب الضعيف، لكن الدعاء بقوله: «اللهم أحسن خلقي فحسن خلقي» ثبت مرفوعا عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما عند الإمام أحمد من حديث عائشة، ومن حديث عبد الله بن مسعود، وذكره شيخ الألباني رحمه الله في «الإرواء»، فهذا دعاء ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: «اللهم أحسنت خلقي فحسن خلقي». وما ورد أنه يقوله عند النظر في المرآة فهو ضعيف، لأنه جاء في بعض ألفاظ الحديث أنه كان إذا نظر في المرآة قال: «اللهم كما أحسنت خلقي فحسن خلقي»، فهذا لا يصح، أي لا يصح الإتيان به عند النظر في المرآة، لكن أصل الدعاء مطلقا صحيح، أصل الدعاء مطلقا من غير تقييد بالنظر بالمرآة صحيح أنك تدعو الله عز وجل بهذا الدعاء كما دعا عليه الصلاة والسلام: «اللهم أحسنت خلقي فحسن خلقي». ففيه الدعاء بحسن الخلق، وهذا -كما مر- أن من حسن الخلق ما هو جبل عليه الإنسان، ومنه ما هو مكتسب، يكتسبه الإنسان ويتحلى به ويتكلفه حتى يصير من خلقه، وتستعين بذلك بأن تدعو الله عز وجل أن يحسن خلقك كما حسن خلقك. قال: حدثنا أبو النعمان قال: حدثنا أبو عوانة عن زياد بن علاقة عن وسامة بن شريك قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءت الأعراب -ناس كثير- منها هنا وها هنا، فسكت، فسكت الناس لا يتكلمون غيرهم -يعني لا يتكلم غير الأعراب وهم سكان البادية- فقالوا: يا رسول الله، أعلينا حرج في كذا وكذا -في أشياء من أمور الناس- يعني ذكروها للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «لا بأس بها». فقال: «يا عباد الله، وضع الله الحرج إلا امرأ اقترض امرأ ظلما فذاك الذي حرج وهلك». قالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ قال: «نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد». قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: «الهرم». قالوا: يا رسول الله، ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: «خلق حسن». الحديث صحيح، وقصاه الشيخ الألباني رحمه الله في «غاية المرام»، أيضا ذكره شيخنا مقبل رحمه الله في «الصحيح المسند». وفيه أن هؤلاء الأعراب أتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسألوه عن أشياء مما يتكلمون به، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا بأس بها». وهذا يدل على أن الأصل في الأشياء الحل، الأصل في الأشياء الحل إلا ما دل الدليل على تحريمه والمنع منه. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لهم: «لا بأس بها»، أي لا بأس بفعل هذه الأشياء أو الكلام بهذا الكلام. ثم ذكر لهم أن الله جل وعلا وضع الحرج أي وضع الحرج على الناس، ولم يرد ربنا جل وعلا أن يشق على الخلق، وكذلك أيضا أن يوقعهم في العسر، بل يسر لهم أمورهم، وكذلك أيضا أحوالهم. فالحرج فيما نهى الله جل وعلا عنه أو نهى عنه رسوله عليه الصلاة والسلام، فلهذا قال: «إلا امرأ اقترض امرأ ظلما فذاك الذي حرج وهلك». والمعنى إلا من اقترض أي تكلم في عرض أخيه بغير حق فاغتابه، فهذا الذي عليه الحرج، فهذا الذي عليه الحرج، وهو كذلك أيضا يخشى عليه الهلاك لأنه فعل شيئا حرمه الله سبحانه وتعالى وحرمه رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا دل على أنهم سألوا عن بعض الكلام الذي يتكلم به الناس، سألوا عن بعض الكلام الذي يتكلم به الناس، فقال: «لا بأس بها»، ثم ذكر لهم الذي عليه الحرج والهلاك هو الغيبة، وهو ذكرك أخاك بما يكره. ثم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن التداوي، فقالوا: أنتداوى؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء»، وبمعنى هذا الحديث ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها وعن غيرها في إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن ما من داء إلا وله دواء، فإذا أصاب الدواء برئ بإذن الله. وقال: «إلا داء واحد ليس له شفاء وهو الموت»، وهو المراد به في هذا الحديث في قوله: «الهرم»، والمراد به قرب الموت، فالإنسان إذا هرم وكبر لا يمكن أن يرجع إلى الصحة التي كان عليها، بل يكون قد قرب من الموت. ولهذا قال بعض العلم: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الهرم لأنه قريب من الموت، لأنه قريب من الموت. وفي هذا الحديث أيضا جواز التداوي، وأن ذلك لا ينافي التوكل، أن التداوي لا ينافي التوكل، بل هو من الأخذ بالأسباب، هو من الأخذ بالأسباب أن تستخدم الدواء والعلاج الذي تنتفع به مما هو حلال، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله سبحانه وتعالى. وهل يجب أن يتداوى؟ جمهور السلف -كما قال شيخ الإسلام رحمه الله- على أنه لا يجب، على أنه لا يجب، لكن يجوز وهو مباح، إلا إذا كان تركه للدواء سيؤدي إلى هلاكه وموته، فهنا يجب، لقول الله جل وعلا: «ولا تقتلوا أنفسكم»، وقوله جل وعلا: «ولا ترقوا بأيديكم إلى التهلكة»، فيجب عليه حينئذ أن يتداوى. وأما إذا كان لا يصل به إلى حد الموت والهلاك فلا يجب، لكن يجوز ويباح له. وأخذ من هذا الحديث قوله: «يا رسول الله، ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: خلق حسن». خير ما أعطي الإنسان خلق حسن، فهذا أعظم وأفضل ما يعطاه الإنسان هو الخلق الحسن. فلهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على الخلق الحسن، إن كان منه -أي إذا كان الخلق الحسن من خلقه- فليحمد الله على ذلك، وإن كان ليس من خلقه فليحرص على التخلق به واكتساب الأخلاق الحسنة.