الدرس في كتاب الإيمان 111، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الحديث عن فضل العلم وأهله من خلال الإمام الأعمش، ويبرز أهمية العلم في رفع شأن صاحبه. يُذكر بعض المواقف التي تدل على شدة الأعمش في طلب الحديث وروايته.
يصف أحداث يوم القيامة، حيث يعرض على الإنسان أعماله ويعترف بذنوبه، ثم يعفو الله عنه. يمر الناس على الصراط وتأخذ الكلاليب من شاء الله، ثم ينجو المؤمنون.
يُبين تفاصيل يوم القيامة، حيث يعطى المؤمنون نورًا للمرور على الصراط، وتحدث الشفاعة لإخراج أصحاب الكبائر من النار. يُظهر تفاوت درجات المؤمنين في الجنة بحسب أعمالهم.
يرد على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون مرتكب الكبيرة ويقولون بخلوده في النار، ويبين بطلان قولهم بالاستدلال. يُؤكد الرد بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم، الحجاج أبو الحسين، أني سابور القشيري رحمه الله، في صحيحه، بكتاب الإيمان، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش. ما اسم الأعمش؟ اسمه سليمان بن مهران، نعم، سليمان بن مهران الأسدي، أبو محمد الكوفي، إمام من أئمة أهل الكوفة، وكان رحمه الله قارئا، بل هو من المقرئين بكتاب الله، وما كان أحد بالكوفة أقرأ منه لكتاب الله. وكان شعبة إذا ذكر الأعمش، قال: المصحف، يلقبه بالمصحف، قيل لحفظه، وقيل لصدقه. وكان جرير إذا حدث عنه، قال: هذا الديباج الخسرواني، فيشبهه بهذا النوع من الديباج الثمين. وهكذا أيضا كان رحمه الله، مع ما فيه من العمش في عينيه، إلا أن الله عز وجل رفعه بالعلم. وكان يقول: لو كنت بقالا لقذرت للناس، يعني ما حج عندي، لكن من سبب العلم رفعه الله جل وعلا، فكان الناس يلتفون حوله ويأتون إليه، حتى السلاطين كانوا عنده أذلاء. قال عيسى بن يونس: لم نر مثل الأعمش، ولا رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عنده، يعني كانوا يتوددون له ويذلون أنفسهم له، حتى يستمعوا له، يسمعون منه الحديث، ويأخذون منه العلم. وهذه رفع عظيمة يرفع الله عز وجل بها صاحب العلم. عيسى بن يونس، ورحم الله من قال: العلم يرفع بيوتا لا سقوف لها، والجهل يهدم بيت العز والشرف. والله عز وجل يقول: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾. وهذا مع فقري وحاجته، قال: ما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش، مع فقره وحاجته. وكان رحمه الله عنده شيء من الشدة في التحديث، كان عسر التحديث، وله مع طلاب الحديث مواقف. من يذكر منها شيئا؟ نعم، كان عنده كلب عند بيته حتى يطرد أصحاب الحديث، لا يؤذوه، فجاءوا مرة طلاب الحديث، وجدوا الكلب غير موجود، فدخلوا عليه، ووجدوه يبكي، قالوا: ما شأنك؟ قال: مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يعني الكلب الذي كان يطردهم ويمنعهم من الدخول عليه. نعم، أيضا، أحد طلاب الأعمش أراد أن يمر النهر، حمله الجندي على ظهره، فلما توسط النهر، قال الأعمش: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا منقلبون﴾، فلما سمع هذا الجندي الذي حمله، رمى به في النهر، وقال: ﴿وقل ربي أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين﴾، فرمى به في الماء. نعم، أيضا، ذهب عند الحلاق ليحلق رأسه، والحلاق من طلاب الحديث، فحلق نصف رأس الأعمش، فلما انتهى من النصف، قال: حدثني، وإلا لم أكمل النصف الآخر، فقام وخرج وترك إكمال الحلاقة حتى لا يحدثه. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، عن المعرور بن السويد، وهو كوفي، قال: عن أبي ذر، وهو جندب بن جنادة رضي الله عنه، أبو ذر الغفاري، من السابقين في الإسلام. لما أتى النبي عليه الصلاة والسلام، وفي مكة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مختبئا، يعني في دعوته سرية، فجلس أبو ذر رضي الله عنه أياما، وهو يشرب من ماء زمزم، ليس له طعام غيره. فلما لقي النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك، سأله: ما كانت طعامك؟ قال: لم يكن لي طعام إلا ماء زمزم، قال: فشربت منه حتى ظهرت تواعك بطنه، تقصفت من السمن. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿إنها طعام طعم﴾. فلما أسلم، ذهب فأعلن إسلامه عند أهل مكة، فجاء المشركون فضربوه حتى نزل منه الدم، فجاء أبو بكر رضي الله عنه فخلصه منهم، وقال: إن قوافلكم تمر من غفار، وأبو ذر غفاري، فتركوه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها، رجل يؤتى به يوم القيامة، فيقال: أعرض عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال: عملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه. فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: ربي قد عملت أشياء لا أراها هنا، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه. قال: وحدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبو معاوية. قال النبي عليه الصلاة والسلام: إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها، رجل يؤتى به يوم القيامة، فيقال: اعجلوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، يعني لا تعرضوا عليه كبار الذنوب، وإنما الصغار فقط. وهذا يدعو على أن هذا الرجل الذي هو من آخر أهل الجنة دخولا، وآخر أهل النار خروجا، معنى أنه قد دخل النار، واستحق دخول النار بذنوبه، بذنوبه وسيئاته التي عملها، ثم يخرج منها بشفاعة الأنبياء والصالحين، وشفاعة أرحم الراحمين. كما مر معنا في الأحاديث السابقة في ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر. فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيذكر بها: عملت يوم كذا، كذا، وكذا، وعملت يوم كذا، كذا، وكذا، عملت كذا في اليوم الفلاني، في الوقت الفلاني، يذكر بهذه الذنوب التي عملها في الدنيا. وهذا في أن أعمال العبد مرصودة ومسجلة عليه، لا تخفى على الله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿أحصاه الله ونسوه والله بكل شيء عليم﴾. وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾. فيقول: نعم، ما يستطيع أن ينكر، ولو أنكر لنطقت الجوارح، كما أخبر ربنا جل وعلا: ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾. فلهذا لا يستطيع أن ينكر، فيعترف بأن حصل ذلك منه، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه. فيقال له: إن لك بكل سيئة حسنة، يعني أن الله عز وجل عفا عنه وتجاوز. فيقول: ربي قد عملت أشياء لا أراها هنا، يعني يقصد كبار الذنوب، لأنها لم تعرض عليه، وإنما عرضت عليه الصغار. قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه. والعبد يوم القيامة إذا أوخذ بكل أعماله، صغيرها وكبيرها، وحوسب على ذلك، فإنه يعذب، كما قال عليه الصلاة والسلام: من نوقش الحساب عذب. قالت عائشة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام: أليس الله يقول: سوف يحاسب حسابا يسيرا؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: ذاك العرض، يعني قوله جل وعلا: فسوف يحاسب حسابا يسيرا، هذا العرض، أي تعرض عليه أعماله، يعني سريعا، من غير مؤاخذة على كل أعماله، دقيقها وجليلها، وخفيها وظاهرها. فهذا المؤمن تعرض عليه أعماله عرضا، فيكون من الناجين. وأما من نوقش الحساب، فهذا الذي يستحق العذاب. الشاهد من هذا الحديث، قوله عليه الصلاة والسلام: إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها، أن هذا الرجل الذي عرضت عليه أعماله، ممن دخل النار، ثم أخرج منها، ثم كان مصيره إلى الجنة. قال: وحدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبو معاوية، وكيع. ووكيع بن الجراح، ابن مليح الرؤاسي، وكان رحمه الله في زمنه إماما في الحفظ، وفي العبادة، حتى قال فيه الإمام أحمد رحمه الله: ما رأيت أحدا أوعى للعلم من وكيع، ولا أحفظ منه. وكان يقول: كان وكيع مطبوع الحفظ، كان وكيع مطبوع الحفظ. وسئل رحمه الله عن دواء الحفظ، فقال: ما رأيت شيئا، أو قال: ترك المعاصي، ما جربت مثله في الحفظ. يعني أن أعظم الأدوية التي تقوي الحفظ، تقوى الله جل وعلا، وترك المعاصي والذنوب. ترك المعاصي والذنوب، من أعظم الأسباب التي تعين طالب العلم على تحصيل العلم، وعلى قوة الحفظ. فيحرص طالب العلم على الابتعاد عن الذنوب والمعاصي، قدر المستطاع. وليس معنى هذا أنه قد يزل، هو بشر قد يزل ويخطئ، لكن سرعان ما يرجع إلى الله جل وعلا بالتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنب، ولا يصر على المعصية. فالمؤمن إذا وقع في المعصية، فإنه سرعان ما يقلع عنها، كما قال الله عز وجل في وصفهم: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾. قال: وحدثنا أبو بكر، من أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع. وحدثنا أبو كريب، ومحمد، من العلاء، قال: حدثنا أبو معاوية، كلاهما عن الأعمش، بهذا الإسناد. قال: حدثني عبيد الله بن سعيد، وإسحاق بن منصور، كلاهما عن روح، قال: عبيد الله: حدثنا روح بن عبادة القيسي، قال: حدثنا ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز، قال: أخبرني أبو الزبير، وهو المكي، أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود. فقال: نجيء نحن يوم القيامة، عن كذا وكذا، انظر أي ذلك فوق الناس. قال: فتدعى الأمم بأوثانها، وما كانت تعبد، الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم ربنا. قال: فينطلق بهم، ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم، منافق أو مؤمن، نورا، ثم يتبعونه. وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون. فتنجو أول زمرة، وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفا، لا يحاسبون. ثم الذين يلونهم، كأضواء نجم في السماء، ثم كذلك. ثم تحل الشفاعة، ويشفعون، حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة. فيجعلون بفناء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء، حتى ينبت نبات الشيء في السيل، ويذهب حراقه. ثم يسأل، حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها. هذا الحديث أن جابرا رضي الله عنه سئل عن الورود، يعني الورود على النار، في قوله جل وعلا: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾. ففسر هذا الورود بأن المراد به المرور على الصراط. فذكر شيئا مما يدل على ذلك، مما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: نجيء نحن يوم القيامة، عن كذا وكذا، يعني في يوم القيامة، حين يبعث الله جل وعلا الخلق جميعا، ليحاسبهم على أعمالهم، فيجمع الأولين والآخرين. ثم تدعى الأمم بأوثانها، يأمر الله عز وجل، كما مر معنا في الأحاديث السابقة، أن تتبع كل أمة ما كانت تعبد. فيتيهم الله جل وعلا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر إليك. ثم يعطى لكل إنسان منهم، منافق أو مؤمن، نورا، لأن المرور على الصراط يكون في مكان مظلم، الصراط مظلم، لا نور فيه. وإن المرور عليه على قدر النور الذي يجعله الله سبحانه وتعالى للعبد، بقدر أعماله في الدنيا. قال: وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله. ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون. أي الأنوار التي مع المنافقين تنطفئ، لماذا؟ لأن إيمانهم الذي كان معهم في الدنيا، إيمانا كاذبا، ما نفعهم. فتذهب هذه الأنوار، لأنها لم تكن أنوارا حقيقية، ولا إيمانا صادقا. كان إيمانهم إيمانا كاذبا، فلم ينفعهم ذلك. فتنطفئ أنوار المنافقين، فيبقون في الظلمة، فيكون مصيرهم الوقوع في النار. كما أخبر الله جل وعلا: ﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب﴾ الآيات. فيبقى أهل الإيمان معهم أنوارهم، وتختلف هذه الأنوار بقدر أعمالهم، كما جاء في بعض الأحاديث: منهم من نوره كالشمس، ومنهم من نوره كالقمر، ومنهم من نوره كالنخلة، ومنهم من هو دون ذلك، حتى يكون آخرهم من نوره في إبهامه، يضيء تارة وينطفئ في أخرى. فإذا أضاء تحرك ومشى، وإذا انطفأ وقف، حتى ينجو. فأخبر أن أول زمرة تدخل الجنة، وجوههم كالقمر ليلة البدر، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك. قال: سبعون ألفا لا يحاسبون، يعني ممن يدخل الجنة، سبعون ألفا من هذه الأمة، يدخلون الجنة بلا حساب، كما جاء بحديث ابن عباس، حين أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك. فخيل من هؤلاء، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون. وجاء في مسند الإمام أحمد: أن مع كل ألف، سبعون ألفا، مع كل ألف من هؤلاء، سبعون ألفا يدخلون الجنة بلا حساب. قال: لا يحاسبون، يعني ما يحاسبهم الله، يدخلون الجنة مباشرة. منهم عكاشة بن محصن رضي الله عنه، قال: يا رسول الله، ادع الله يجعلني منهم، فقال: أنت منهم. ونسأل الله جل وعلا أن يجعلنا منهم. قال: ثم الذين يلونهم، كأضواء نجم في السماء، يعني في الأضواء والحسن والبهاء والجمال، الذين هم بعدهم في الدرجة. قال: ثم كذلك، يعني يدخل الناس كلهم على قدر عملهم، وقدر منازلهم. ثم تحل الشفاعة، يعني هناك أناس يسقطون في النار، بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، ذكروا إخوانهم الذين كانوا معهم في الدنيا، من أهل الإيمان، لكن بسبب ذنوبهم ومعاصيهم دخلوا النار، فيشفعون لهم عند الله جل وعلا. فتحل الشفاعة، فيخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، يعني ما فيه وزن شعيرة من إيمان. فيشفعون لأمثال هؤلاء، فيخرجون، ثم يلقون بفناء الجنة، الفناء هي الساحة التي تكون أمام البيت، تسمى فناء. فيجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء، في بعض الروايات: يلقون في نهر يقال له: نهر الحياة. ثم يلقون في النهر، فينبتون كما تنبت الحبة في السيل. ويذهب حراقهم، يعني يذهب منهم الحريق، لأنهم يخرجون وقد احترقوا. ثم يدخلون الجنة. قال: ثم يسأل، حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها، يعني يسأل هذا الذي كان في النار، ثم أدخل الجنة، قال له: سل، فيسأل ويسأل ويسأل، وعشرة أمثالها يعطى مثل الدنيا وعشرة أمثالها. وهذا أقلهم منزلة، وأدنى أهل الجنة منزلة، وآخر أهل الجنة دخولا للجنة، يعطى مثل الدنيا وعشرة أمثالها. فكيف من هو أعلى من ذلك؟ كيف من هو من السابقين والمحافظين على طاعة الله، والمواظبين على عمار الله جل وعلا؟ فلشك أن منزلته أعظم، وثوابه أكبر. قال: وحدثنا أبو بكر، من أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان، من عيين، عن عمر بن دينار، أنه سمع جابرا يقول: سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم بأذنه، يقول: إن الله يخرج ناسا من النار، فيدخلهم الجنة. قال: وحدثنا أبو الربيع، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: قلت لعمرو بن دينار: أسمعت جابرا، عن عبد الله، يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله يخرج قوما من النار بالشفاعة؟ قال: قال: نعم. قال: وحدثنا حجاج، عن شعبة، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا قيس، عن سليم العنبري، قال: حدثني يزيد الفقير، قال: حدثنا جابر، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قوما يخرجون من النار، يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم، حتى يدخلون الجنة. هذه الروايات تدل على ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر، وأن أهل الكبائر من هذه الأمة، الذين عندهم ذنوب ومعاصي، وكبائر من كبائر الذنوب، إذا دخلوا النار، فإنهم يخرجون منها بشفاعة الشافعين، ولا يخلدون فيها. وهذا دليل على أن صاحب الكبيرة ليس بكافر، وإنما هو مؤمن ناقص الإيمان. وفي هذا رد على الخوارج والمعتزلة، الذين يكفرون صاحب الكبيرة، ويقولون بأنه مخلد في النار. وقولهم باطل. صلى الله عليه وسلم، على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.