كتاب الإيمان 112

كتاب الإيمان 112

الدرس في كتاب الإيمان 112، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

ترجمة الفضل بن دكين وثناء العلماء عليه

يتحدث هذا الفصل عن ترجمة الفضل بن دكين وأهمية ثناء العلماء عليه وموقفه من فتنة خلق القرآن. يبرز المقطع مكانة الفضل بن دكين كأحد رواة الحديث.

تأثير الأحاديث النبوية على تغيير الآراء حول الخوارج

يتناول هذا الفصل كيف أثر حديث جابر بن عبد الله على يزيد الفقير وجماعته، حيث تراجعوا عن تأييد فكر الخوارج بعد سماع الحديث النبوي. يظهر الأثر الإيجابي للعلم والحديث النبوي في تصحيح الانحرافات الفكرية.

خطورة فكر الخوارج وفضل العلم في الهداية

يتناول هذا الفصل خطورة فكر الخوارج وتكفيرهم واستحلالهم لدماء وأموال الناس، كما يبرز أهمية العلم في دفع الشبهات والهداية إلى الصراط المستقيم. يشير إلى دور العلماء في نشر العلم والتحذير من البدع.

عقوبة صاحب الكبيرة ومصيره الآخر

يناقش هذا الفصل موضوع عقوبة صاحب الكبيرة ومصيره، حيث قد يعفو الله عنه أو يؤاخذه، لكن في النهاية قد يخرج من النار ويذهب إلى الجنة بفضل عفو الله ومغفرته. يوضح أن العقوبة قد تكون مؤقتة لبعض أصحاب الكبائر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، الحجاج أبو الحسين سابور القشيري، رحمه الله: في صحيحي، في كتاب الإيمان، وحدثنا حجاج بن الشاعر، وهو حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفي، المعروف بابن الشاعر، والشاعر هو أبوه يوسف، كان شاعرًا، فكان يقال له ابن الشاعر. وقد صحب يوسف والد حجاج أبا نواس، واسمه يشابه اسم من؟ حجاج بن يوسف الثقفي الأمير الظالم، تشابه اسمه مع اسمه، واسم أبيه مع اسم أبيه، وكذلك لقب القبيلة، فهذا حجاج بن يوسف الثقفي، وذاك حجاج بن يوسف الثقفي، لكن هذا حجاج بن يوسف بن حجاج، وذاك حجاج بن يوسف بن أبي عقيل. قال رحمه الله: حدثنا الفضل بن دكين، وهو أبو نعيم، أبو نعيم الفضل بن دكين، ودكين اسمه عمر بن حمد، اسمه عمر بن حمد، هو والد الفضل، ودكين لقبه. هو أبو نعيم، روى عنه البخاري رحمه الله، فأكثر، أي من الرواية عنه مباشرة. وأما مسلم وغيره، فقد رووا عنه بواسطة. وأبو نعيم رحمه الله كان إمامًا، كان إمامًا في الحفظ والحديث. قال فيه أبو حاتم رحمه الله: كان ثقة حافظًا متقنًا، كان حافظًا متقنًا، وشارك الثوري في كثير من شيوخه. قال رحمه الله: شاركت الثوري في ثلاثة عشر ومئة شيخ، شارك الثوري في ثلاثة عشر ومئة شيخ، شيخ يعني في مئة وثلاثة عشر شيخًا، شارك ثوري في الأخذ عنهم. وذكر الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله في ترجمته بالتهذيب أنه كان ممن ثبت في فتنة خلق القرآن، ممن ثبت في فتنة خلق القرآن، حتى إنه كان مما يعني يثنى عليه في ذلك، مما يثنى عليه في ذلك. وذكر أنه لما أدخل للامتحان على الوالي، وكان عنده أحمد بن الحسن وغيره، فقيل له: إن فلانًا سئل عن القرآن فقال: مخلوق، فما تقول أنت؟ أي له يقول لأبي نعيم، فقال: لقد أدركت في الكوفة سبعين من أهل العلم، كلهم يقول: القرآن كلام الله، كلهم يقول: القرآن كلام الله. ثم قال: ولئن تقطع رقبتي لهي أهون علي من أزراري هذه، لئن تقطع رقبتي لهي أهون علي من أزراري هذه، يعني أزرار ثوب، ثم قطع هذه الأزرار أو الزر. فقام إليه أحمد بن الحسن فقبل رأسه، وقال: جزاك الله من شيخ. فثبت رحمه الله. معنا بعض الأئمة أجاب الولاة في مسألة خلق القرآن، ورأوا أنهم قد بلغوا إلى يعني درجة الإكراه، فقالوا بذلك. وثبت جماعة من الأئمة، منهم من قتل، ومنهم من يعني ابتلي وحبس وعذب، ومنهم الإمام أحمد رحمه الله، إمام أهل السنة. فكان أبو نعيم رحمه الله ممن ثبت في هذه الفتنة، الإمام الممدوح رحمه الله، مع أنه إمام من أئمة أهل الحديث، إلا أنه أجاب في فتنة خلق القرآن، حتى عيب عليه ذلك، وقيل فيه أبيات: يمن المدين الذي شرعت له دنيا فجاد بدينه لينالها، ماذا اعتراك إلى اعتقاد مقالة قد كنت تزعم كافرًا من قالها، أمرًا بدالك أمرًا بدالك فعله أو كلمة نحوها فقلته، أم زهرة الدنيا أردت نوالها؟ ولقد علمتك مرة متشددًا صعب المقادة كالتي تدعى لها، فلا تقل: أكرهت، فذا باطل، أو إلى آخر الأبيات الممن قيلت فيه أبيات يذم فيها رحمه الله على إجابته في هذه الفتنة. وكما سمعنا كان أبو نعيم ممن ثبت، فمدح في ذلك. وعيب عليه أمر آخر، وهو أخذ الأجرة على التحديث، عيب عليه أخذ الأجرة على التحديث. ولكنه ذكر رحمه الله عن نفسه أنه كان يعني أخذها لحاجته، حتى ذكر عنه أنه قال: يعيبون علي أخذ الأجرة، وأنا يعني عندي في البيت ثلاثة عشر نفسًا، وليس عندي رغيف. فأيضًا مما ذكر مما يدل على حفظه وإتقانه، ذكر الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله أن أحمد بن منصور الرمادي ذكر أنه رحل مع أحمد، أي إمام أحمد، ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق الصنعاني إلى اليمن. قال: كنت أخدمهما، فلما قدمنا إلى الكوفة، قال يحيى لأحمد: نريد أن نختبر أبا نعيم، فقال له أحمد: إن الرجل ثقة وحافظ، قال: لابد، لابد أن نختبره. فجمع ورقة أتى بورقة وكتب فيها ثلاثين حديثًا من حديث أبي نعيم، وجعل على رأس كل عشرة حديثًا ليس من حديثه، يعني زاد ثلاثة أحاديث في هذه الثلاثين ليست من حديث أبي نعيم. فمر على أبي نعيم، فخرج إليهم، فجعل يحيى يقرأ عليه الأحاديث، فقرأ العشرة الأولى وهو لا ينكر منها شيء، حتى قرأ الحادي عشر الذي ليس من حديثه، قال: اضرب به، ليس من حديثي. ثم قرأ العشرة الثانية، أكملها ولم ينكر منها شيء، ثم قرأ الحادي عشر، فقال: اضرب به، ليس من حديثي. ثم قرأ العشرة الثالثة، فلم ينكر منها شيء، فقرأ الحادي عشر، فحمرت عيناه وتغير لونه، وقال: اضرب به، ليس من حديثي. ثم قال: ما أرى إما هذا أشار إلى الإمام أحمد فأورع من أن يفعل ذلك، وإما هذا وأشار إلى أحمد بن منصور الرمادي، قال: وهو دون ذلك أن يفعل ذلك، وما أراه إلا من فعلك أنت، يعني يحيى بن معين. ثم رفسه برجله حتى رمى به، ثم قام ودخل منزله. فقال إمام أحمد: ألم أنهك، ألم أقل لك إنه حاضر ورجل ثقة؟ فقال يحيى بن معين: والله لرفسته هذه أحب إلي من سفري، والله لرفسته هذا أحب إلي من سفري، يعني لما تبين له ثقته واتقانه كان هذا أحب إلي، ولو أنه وجد هذه الرفسة هذه كانت يعني بسبب هذا الفعل الذي فعله حتى يتأكد من حفظه واتقانه. فكان أبو نعيم كما سمعنا حافظًا متقنًا. قال: حدثنا أبو عاصم، يعني محمد بن أبي أيوب، قال: حدثني يزيد الفقير، وهو يزيد بن صهيب الكوفي، أبو عثمان، قيل له الفقير لأنه أصيب في فقار ظهره، فكان يؤلم منه حتى ينحني له، فسمي أو لقب بيزيد الفقير، ليس الفقير يعني فقر ذات اليد وقلة ذات اليد، ولكن بسبب فقار ظهره. قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج، شغفني يعني اعتقد رأيًا من رأي الخوارج، حتى بلغ هذا الاعتقاد إلى شغاف قلبي، والمعنى أنه كان معتقدًا به اعتقادًا جازمًا ومتعلقًا به تعلقًا قويا. وقولهم من رأي الخوارج: في تكفير صاحب الكبيرة، وأن صاحب الكبيرة مخلد في نار جهنم، هذه عقيدة الخوارج في صاحب الكبيرة، أنه مخلد في نار جهنم. ووافقهم في ذلك المعتزلة، وفقهم في ذلك المعتزلة أي في خلود صاحب الكبيرة في النار. وخالف الخوارج في أمرين، فما هما؟ ها في الدنيا، أيش نعم في الدنيا. قال الخوارج، قال المعتزلة: لا نقول هو كافر ولا مؤمن، بل هو في منزلة بين المنزلتين، بين الإيمان والكفر، فلا نقول له كافر ولا نقول له مؤمن، بخلاف الخوارج، فإنهم يحكمون عليه بالكفر في الدنيا، يقولون بأنه كافر. والأمر الثاني: ما هو الأمر الثاني؟ في استحلال الدم والمال، فالخوارج استحلوا الدم والمال لصاحب الكبيرة، وأما المعتزلة فإنهم توقفوا لأنهم لم يحكموا بكفره، بل قالوا: في منزلة بين المنزلتين، فلذلك لم يستحلوا دمه وماله، بخلاف الخوارج، إنهم استحلوا دم صاحب الكبيرة وماله. وهذه من أصول المعتزلة: تكفير صاحب الكبيرة أو القول بخلوده في النار، القول بخلوده في النار من أصول المعتزلة الخمسة، وهو الذي يسمى عندهم بإنفاذ الوعيد، وهو خلود صاحب الكبيرة. قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج. قال: فخرجنا في عصابة ذوي عدد، عصابة يعني جماعة، نريد أن نحج ثم نخرج على الناس، خرجنا في عصابة ذوي عدد، يعني عصابة جماعة منا عدد، نريد أن نحج ثم نخرج على الناس، يعني بهذا الفكر بفكر الخوارج والدعوة إليه. قال: فمرنا على المدينة، أي مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإذا جابر، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم جالسًا إلى سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإذا هو قد ذكر الجهنميين، الجهنميين هم أصحاب الكبائر الذين يدخلون النار ثم يخرجون بشفاعة أرحم الراحمين جل وعلا، فيقال لهم الجهنميين. قال: فقلت له: قال: يا صاحب رسول الله، ما هذا الذي تحدثون؟ والله يقول: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ ﴿وَكُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾، يعني أراد الاستدلال بهاتين الآيتين على خلود صاحب الكبيرة في النار. فالله عز وجل يقول: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، ففهموا من هذه الآية أن معنى هذا الخزي أنه لا يخرج من النار، وهذا معنى ليس بصحيح، نعم، من دخل النار لا شك أن له خزيًا في ذلك، لكن لا يلزم من ذلك الخلود فيها، فيحصل له من الخزي ما كتبه الله جل وعلا. وفي الفترة التي يكون فيها في النار بالنسبة لصاحب الكبيرة، ثم بعد ذلك يخرج كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام في إثبات الشفاعة لأصحاب الكبائر. ولا تعارض حينئذ بين هذه الآية وبين خروجهم بالشفاعة. وقوله: ﴿وَكُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾، هذا في حق الكافر، الكافر والمشرك، فهو مخلد في نار جهنم أبد الآبدين، إذا أراد أن يخرج منها أعيد فيها، ولا يمكن أن يخرج منها، بخلاف صاحب الكبيرة، فقد دلت الأدلة كما سمعنا على خروجه من النار. قال: فما هذا الذي تقولون؟ يقول لجابر رضي الله عنه، وكأنه يقول: هذه الآيات تدل على أن صاحب الكبيرة لا يخرج، وكيف أنت تحدث بهذا الذي تحدث به؟ وهو في الظاهر يعارض هذه الآيات. فقال: أتقرأ القرآن؟ قال: قلت: نعم. قال: فهل سمعت بمقام محمد عليه السلام، يعني الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم. قال: فإنه مقام محمد صلى الله عليه وسلم المحمود الذي يخرج الله به من يخرج، يعني من النار، يعني يقول له: أما تقرأ القرآن؟ فقال: نعم. قال: قرأت عن المقام المحمود؟ قال: نعم. قال: هذا هو المقام المحمود، هي شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لمن يشفع من أهل الكبائر. قال: ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه. قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك، يعني كما ذكره جابر. قال: غير أنه قد زعم أن قومًا يخرجون من النار بعد أن يكون فيها. قال: قال: يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم. قال الإمام النووي رحمه الله: السماسم جمع سمسم. ثم قال: وهو هذا السمسم المعروف، قال: نقلًا عن ابن الأثير. قال: ومعنى أن السماسم، قال: السماسم جمع سمسم، عيدانه تراها إذا قلعت وتركت في الشمس ليأخذ حبها، دقاقًا سودًا كأنها محترقة. فشبه بها هؤلاء، يعني شبه خروج أصحاب الكبائر من النار بعيدان السمسم التي إذا وضعت في الشمس صارت سوداء من شدة حرارة الشمس كأنها محترقة. وهكذا هؤلاء يخرجون من النار وقد احترقوا، كما في الروايات الأخرى: يخرجون وقد امتحشوا، في بعض الروايات: احترقوا. قال: فيدخلون نهرًا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنهم القراطيس، القراطيس جمع قرطاس، والقرطاس ما يكتب به، الصحيفة التي يكتب فيها. والمراد بذلك تشبيهم بشدة بياضهم ببياض الأوراق. قال: فرجعنا فقلنا: ويحكم، أترون الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فرجعنا، فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد، أو كما قال أبو نعيم. هذا الحديث كما سمعنا فيه رواية حديث جابر من طريق يزيد الفقير. وكما ذكر عن نفسه أنه كان قد شغفه رأي من رأي الخوارج. وفي هذا الحديث من الفوائد: خطورة هذه الأفكار المنحرفة والمخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، سواء كان من فكر الخوارج أو كذلك أيضًا فكر الرفض أو كذلك أيضًا فكر القدرية المعتزلة أو غيرهم من هذه الأفكار المنحرفة. ومن هذا الفكر فكر الخوارج، فهو فكر يعني في غاية من الشر والسوء. وكما قال بعض السلف: ابتل الله جل وعلا يعني هذه الأمة بطائفتين، وهم الخوارج والرافضة، أشر الطوائف شرًا وأذية لأهل الإسلام، وذلك لما في عقيدتهما من استباحة الدماء، وكذلك أيضًا إباحة الأموال. فهذا الفكر كان يزيد الفقير يقول: قد شغفني رأي من رأي الخوارج. ومن فكر الخوارج كما سمعنا: تكفير صاحب الكبيرة، وإذا اعتقدوا ذلك وحكموا عليه بالكفر استحلوا دمه وماله. ثم لا تتلبس ذلك عن الشر الذي يقع بسبب ذلك من سفك الدماء وقتل المسلمين. وكما وصفهم النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة: أنهم يقتلون أهل الإيمان ويتركون أهل الأوثان، يقتلون المؤمنين والمصلين ويتركون أهل الأوثان من الكفرة والملحدين، هكذا وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم. فلهذا كان شرهم عظيمًا على أهل الإسلام. فخرج ومن معه يريدون أن يحج ثم يخرج على الناس، يعني بهذا الفكر المنحرف يدعون الناس إلى فكر الخوارج وإلى تكفير صاحب الكبيرة. فوفقوا للجلوس لحلقة جابر بن عبد الله بن حرام رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام. وفي هذا: بيان فضل العلم، وكيف أن العلم يدفع الشبهات، يدفع الشبهات ويزيل الشهوات. فلما سمعوا جابرًا يذكر حديث الجهنميين وما فيه من إخراج أصحاب الكبائر من النار، جلسوا يستمعون، فتأثر بهذا الحديث. ولما علم بإخبار النبي عليه الصلاة والسلام بخروجهم من النار وأنهم لا يخلدون فيها، رجع عن هذا الفكر المنحرف. وهذه جلسة واحدة جلسها في حلقة علم غيرت مساره من الضلال والانحراف إلى سلوك الهدى القويم والصراط المستقيم. فنظر إلى عظيم أثر العلم كيف يهدي صاحبه إلى الهدى وإلى الاستقامة. وهكذا أيضًا أثر العلماء، أثر العلماء في تعليم العلم ونشره، وهكذا أيضًا في بيان البدع، وكذلك المخالفات لدين الله جل وعلا. فهذا يدل على عظيم أثر أهل العلم في الدعوة إلى الله جل وعلا ونشر العلم، وكذلك التحذير من البدع والمخالفات، وعظيم أثرهم على الناس. وهكذا أيضًا فيهما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من تعليمهم للعلم، فكان هذا هديهم وهذه طريقتهم وهذا سبيلهم. كانوا علماء يعلمون الناس ويدرسون ويفتحون حلق العلم ويحدثون عن الرسول عليه الصلاة والسلام. فهذا يقرأ في التفسير، وهذا يقرأ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدرس في الفقه، هكذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كانوا أهل علم وفقه. وهكذا أيضًا أهل السنة والجماعة في سائر ماذا أحوالهم، وفي سائر أزمانهم، وفي سائر بلادهم، هم على هذه الطريقة. تجدون أهل السنة والجماعة وعلماء أهل السنة، أهل علم يعلمون ويدرسون ويفقهون الناس في دينهم، يسيرون على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. ولهذا كانوا هم أهل طائفة المنصورة والفرقة الناجية التي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عنها في قوله: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». ولما سئل عنها قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، بخلاف غيرهم، ما تجد أحدًا عنده اهتمام بالعلم كأهل السنة والجماعة. وهكذا أيضًا فيه: خطورة فهم أدلة الكتاب والسنة على غير فهم الصحابة، كون الواحد يحفظ آيات أو يحفظ القرآن، هذا لا شك أمر طيب وحسن، لكن لا بد أن يتفقه في آيات الله في كتاب الله، وأن يفهم آيات الله جل وعلا على فهم الصحابة رضوان الله عليهم، حتى لا يخرج بعد ذلك بفكر منحرف. فهؤلاء الخوارج كانوا يحفظون القرآن، بل نبي عليه الصلاة والسلام قال في مخاطبته للصحابة: «وهذه الأمة تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وقراءتكم إلى قراءتهم، وصيامكم إلى صيامهم». وقال: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم»، فكانوا يقرؤون القرآن ويحفظونه، لكن ما يفقهونه ويفهمونه الفهم الصحيح. فلهذا كانوا يستدلون بأدلة من كتاب الله جل وعلا يظنونها أدلة فيما يذهبون إليه من فكرهم المنحرف، وهم ضالون في ذلك. والسبب أنهم ما فهموها بفهم السلف، ما فهموها بفهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فهذا مما أوقعهم في الخطأ. ولهذا أهل السنة دائمًا يدندنون: لا بد من فهم الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، ما يكفي مجرد الحفظ من غير فهم. هؤلاء حفظوا وما فهموا بفهم السلف، فخرجوا على أمة محمد يقتلون الأبرياء ويسفكون الدماء. إذا لا بد من فهم السلف في الآيات، وفي أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهذا الرجل سأل بهتين آيتين، فبين له جابر المقصود منهما والصواب في فهمهما. ثم كما سمعنا رجع عما كان عليه. وفيه أيضًا: دليل على خروج صاحب الكبيرة من النار، وأن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار، وإن دخل النار فإنه يعذب فيها ما شاء الله، ثم يخرجه بعد ذلك، ويكون مصيره إلى الجنة، ولا يخلد في النار إلا الكافر. فإن قال: قال هذا يخالف يعني ما أوعد الله عز وجل به أهل الكبيرة عليه الصلاة والسلام في آيات كثيرة، أوعد فيها بأصحاب الكبيرة بالعذاب، كقاتل النفس والزاني والسارق وغيرها من أنواع الذنوب والمعاصي. فكيف نقول بأنهم تحت المشيئة، وأن الله قد يعفو عنهم؟ وهو قد أوعدهم بهذا الوعيد؟ فالجواب: أن إخلاف الوعيد مما يمدح به صاحبه، ولا يذم، بخلاف إخلاف الوعد، إخلاف الوعد يذم به الشخص، لو قلت لإنسان: سأتيك في الوقت الفلاني، ثم أخلفت هذا الوعد متعمدًا، هذا محل مذمة ووصف من صفات المنافقين. لكن إخلاف الوعيد إذا أخلفته فهذا محل مدح، لو قلت لولدك: سأريك شغلك في البيت، سأفعل بك وسأضربك، فلما جئت البيت عفوت عنه، هل تمدح بهذا أو تذم؟ الجواب: تمدح، لأنك أخلفت الوعيد. وفي هذا يقول القائل: وإني وإن أوعدت أو وعدت لمنجز ميعادي ومخلف موعدي، وإني وإن أوعدت أو وعدت، يعني أو وعدت من الوعد، لمونجز ميعادي، أي الوعد، ومخلف موعدي، أي الوعيد، أخلفه لأن هذا من مواضع المدح. فهذا لا يقال في إخلاف الله جل وعلا للوعيد لمن أوعده بالعذاب، فهذا من عفو الله جل وعلا ورحمته، بخلاف إخلاف الوعد. وهكذا في حال صاحب الكبيرة، فمنهم من قد يعفو الله عز وجل عنهم، إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وهذا من عفوه ومغفرته وكرمه جل وعلا. وقد يؤاخذ بعضهم ويعذبه ما شاء الله، ثم أيضًا يخرج من النار، ويكون مصيره إلى الجنة.