الدرس في كتاب البيوع 99، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول أحكام ضمان الإتلاف والتسبب فيه، حيث يضمن من أتلف شيئًا محترمًا سواء كان الإتلاف متعمدًا أو غير متعمد. يستثني حالات الدفاع عن النفس ويشمل التسبب في الإتلاف مثل فتح قفص أو حل رباط.
يشرح أحكام الإتلاف الناتج عن البهائم والمركبات، حيث لا ضمان على صاحب البهيمة إذا أتلفت شيئا في النهار، ويضمن إذا كان في الليل. كما يوجب التعدي والتفريط في قيادة المركبات الضمان في حالة الإتلاف.
يناقش مسائل فقهية متعلقة بضمان الإتلاف والتفريط، مثل قتل الصائل ودفع العدوان وكسر آلات الموسيقى والخمر. يشرح آراء الفقهاء ويستند إلى الأحاديث النبوية في هذه المسائل.
يحدد حدود مسؤولية الإنسان عن الأضرار الناجمة عن أفعاله، حيث لا يتحمل مسؤولية الضرر إذا لم يكن بإمكانه منعه، مثل شخص عاجز عن التصرف بسبب الفقر أو الظروف.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن أتلف محترما ضمنه على أي شيء محترم. المراد المحترم، أي ليس بنجس. وهذه المسائل يذكرها العلماء والفقهاء مع الغصب، إلا أنه ليس بغصب. فمن أتلف على إنسان دابة أو عبدا أو كذا متعمدا، فعليه الضمان. وأما إذا لم يكن متعمدا، مثل أن يكون لا يدري، مثل من يحصل في السيارات، وكذا يمشي في طريقه فتعترض له دابة، فهذا لم يتعمد ذلك. أو كذلك تأتي دابة تريد أن تهاجمه، مثلا إبل متوحش أو كذا، فدافع عن نفسه بقتلها، هذا من دفع الصائل. وأما إذا لم يكن شيء من هذه الأمور، وأتلفه متعمدا، فإنه يضمنه. قال: أو فتح قفصا أو بابا أو حل وكاء. فتح قفصا، قفص عصفور أو دجاج، أو باب الماشية مثلا، أو حل وكاء، أي رباطا، مثلا لسمن أو لشيء من هذه الأمور، فذهب وأتلف هذا الشيء، وانصب مثلا في الأرض بسبب أنه أخرج غطاءه، فهذا أيضا يضمنه. قال: أو حل رباطا أو قيدا. أنا قيدا، إنسان قيد دابته لأجل أن لا تذهب بعيدا أو كذا، فجاء هذا وفك هذا القيد، وحصل لها إتلاف، ذهبت بعيدا، أكلها الكلاب أو كذا، فهو يضمن. قال: فذهب ما فيه وأتلف شيء ونحوه، ضمنه. فالأصل في هذا الباب أن كل من أتلف على غيره شيء أو تسبب بالإتلاف، فعليه الضمان؛ لأنه فوت على أخيه ما له. فكل من أتلف على غيره شيء أو تسبب بالإتلاف، فعليه الضمان. ثم هذه القاعدة لها استثناءات. قال: ومن ربط دابة بطريق ضيق، فعثر به إنسان، ضمن. أنا حذر إنسان بهذا الحبل الذي ربطه، فعلى تحركت الدابة، وإنسان مار وهي في الطريق الناس، فعثر مثلا، فكسر شيء من أعضائه أو أتلف شيء من حواسه. هذا إذا كان الكلام أو الطريق ضيقا، كما في كلام مؤلف. ومن ربط دابة بطريق ضيق، ومعنى أو مفهوم كلامه أنه إذا كان الطريق واسعا لا ضمان عليه. وهناك قول آخر أن عليه الضمان إذا كان الطريق واسعا، لكن ما دام الطريق واسعا وهو لم يضيق على الطريق، فالأمر فيه سعة. إلا إذا كان الذي ربطه مضر، يتهجم الناس مثلا، ربط كلب عقور أو إبل هائج أو شيء مما يهاجم الناس، فهنا يضمن؛ لأن هذا تعدي يعتبر. «الكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه أو عقر أو عقره خارج منزله». العقور عن الذي يهاجم الناس ويجرحهم. فمن أذن لرجل أن يدخل بيته، وكان في بيته كلبا عقورا، فجرح هذا الرجل وهاجمه وعضه، وهنا أيضا يكون الضمان على صاحب الكلب؛ لأنه يعلم أن في بيته كلبا عقورا، وأذن لهذا أن يدخل، فإذنه بدخول لإنسان معنى أنه أدخله بأمان. فإذا أدخله بضرر، فهو يتحمل هذا الضرر. لكن لو مثلا إنسان حبس هذا الكلب العقور في زاوية من زوايا البيت، ليس في طريق الداخل، فجاء هذا الضيف أو هذا الداخل ونادى، فقال له ادخل، فدخل، فنظر في مكان الكلب وجاء إلى مكان الكلب، الكلب بعيد من الدخول، لكن جاء إلى مكانه فعضه، وهنا لا دخل له؛ لأنه هو الذي تسبب في ذلك. أو دخل بغير إذن، دخل بيت هذا الرجل بغير إذن، وكان عنده كلب مربوط، فهجم عليه، فهذا لا ضمان على صاحب البيت. قال: وما أتلفت البهيمة من الزرع ليلا ضمنه وصاحبها، وعكسه بالنهار. يعني إذا أتلفت البهيمة ليلا، يضمن ذلك الإتلاف صاحبها، وإذا كان في النهار لا يضمن. والعقل فيما تتلفه البهائم أنه هدر وجبار، كما جاء عن نبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «العجماء جرحها جبار». والعجماء المراد بها البهيمة، وجبار أي هدر. لكن إذا كان هذا الإتلاف في الليل، أنا أتلف، أتلفت هذه البهائم زرعا أو شجرا، فهذا يكون الضمان على مالكها؛ لأن هذا فيه تعد من المالك أو تفريط من المالك، أنه ترك ماشيته ترعى في الليل. وقد جاء في ذلك أحاديث، منها ما أخرجه الإمام مالك في موطئه: غاب داود عن البراء أن ناقته دخلت حائطا فأفسدت، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها نهارا، وأن ما أفسدت المواشي بالليل فهو مضمون على أهلها. ويقال أن هذا قضاء نبي الله داود وسليمان، ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. فلهذا ما أتلفته البهائم في الليل فإنه يكون مضمونًا، وما أتلفته في النهار يكون فيه هدر. فالعجماء جبار، كذلك أيضا لو تعدت على إنسان بدون أن يتسبب صاحبها، فقطلته مثلا، أو مثلا إنسان لا يعلم أن بعيره قد توحش وهاج، فربطه لا يظن أنه كذلك، فجاء إنسان وقرب منه فعضه مثلا هذا الفحل أو ركله برجله، فهنا لا ضمان عليه؛ لأن هذا من تعدي هذه البهيمة أو فعلها، وإياها جبار، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. لكن هل هذا الحكم يتعدى معنا كل إتلاف، سواء كان أتلفته البهيمة أو أتلفت أن؟ الآن أكثر ما يحصل في الليل وهو ما يحصل في السيارات مثلا من ضرب العمد أو المرور على بعض البهيم كالغنم، فسواء كان ليلا أو نهارا، فهل هذا فيه ضمان؟ فالعقل في هذا كما قلنا أنه إذا لم يتعد ولم يفرط، فإنه لا ضمان عليه. لكن لو تعدى، والتعدي مثلا يمشي بسرعة جنونية، ما يستطيع أن يتمالك نفسه، أو تفريط، يمشي بسيارة ليس لها فرامل، تحرفون الفرامل، بريك ليس لها فرامل، أو ليس لها ضوء وهو يمشي في الليل، فهذا التفريط. فإذا أصاب شيئا، فإنه يضمنه. قالوا: إن كانت بيد قائد أو سائق، ضمن جنايتها بمقدمها لا بمؤخرها. إلا أن ترسل بقرب ما تتلف. وعادة أنا إذا أرسلها إلى مكان تتلف هذا الشيء، مثل كما ذكر الزرع مثلا، زرعها ترعى حول زروع الناس، ومن حام حول الحمى يشك أن يرتع فيه، ويجعل هذه الحيوانات تسرح وترعى في ذلك المكان، معنى قرب زروع الناس. فإذا أكلت، فإنه يضمنها في النهار. قالوا: إن كانت بيد قائد أو سائق، ضمن جنايتها بمقدمها لا بمؤخرها. معنى إذا كان عندها سائق أو قائد، قائد الذي يكون فوقها، أقصد القائد الذي يكون أمامها، والسائق الذي يكون خلفها، سواء كان سائقا راكبا على دابة أو غير راكب. فإذا كان راكبا على ناقة مثلا، فكانت تتلف بفمها الزروع وغيرها، فهو ضامن؛ لأنه تمكن من منعها ولم يمنعها. هذا إذا كان أتلفت بيدها. كما قال المؤلف: وأما إذا أتلفت برجليها، فغالبا لا يكون فيه ضمان لهذا الشخص؛ لأنه لا يملك أن يمنعها في دوس شيء أو في رفس. والأصل أن العجماء جرحها جبار. لكن إن علم مثلا أنها ترفس، ثم يقربها عند الناس، فهذا يعتبر تفريط، فيكون عليه الضمان. قال: وباقي جنايتها هدر؛ لأنه كما جاء في الحديث «العجماء جرحها جبار». قال: كقتل الصائل. عليه الصائل، معنى المتعدي العدو أو الذي يأتي ويهاجم. فهذا إذا جاءت مثلا، كما قلنا دابة من هذه مواشي وغيرها وتهجمت على الإنسان، فقتلها، فليس عليه الضمان، بل حتى في الناس. مثل ما جاء في صحيح مسلم أن رجل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، فرأيت أن جاء رجل يريد أن يأخذ مالي. قال: فلا تعطه مالك. قال: رأيت أن قتلني. قال: قاتله. قال: رأيت أن قتلني. قال: فأنت شهيد. قال: رأيت إن قتلته. قال: هو في النار. فهذا دل على أنه إن قتله معذور له، لكن يستخدم الأخف، الأخف إذا يستطيع أن يدفعه بغير القتل، دفعه. فمن دافع صائلا معتديا لينقذ نفسه، ولم يمكن دفعه إلا بالقتل، فقتل، فلا ضمان عليه. أما إذا كان دفاعا عن غيره وليس عن نفسه، فالمشهور أن عليه الضمان، مثلا يدافع عن ولده، عن زوجته، فقتل، مثلا رأى أن هذا البعير سيهجم على زوجته فقتل، فهل يضمن؟ قالوا: نعم يضمن. لكن هذا القول ليس صحيحا، فالصحيح أنه لا ضمان عليه أيضا؛ لأن هذا نفس، وأيضا كيف سيترك هذا البعير يعتدي على زوجته أو على ولده أو حتى على غيرهما وهو لا يفعل شيئا؟ فإذا قتله مثلا ولم يجد حلا إلا قتله، فليس عليه الضمان؛ لأن صيانة النفس المحترمة أعظم، صيانة هذه النفس أعظم من هذه البهيمة. فإذا كان لا يضمن على نفسه، فكذلك على غيره. قال: وكسره مزمارا، أن إذا كسر المزامير على صاحبها لا يضمن؛ لأنه محرم، إذا كسر شيئا محرم، آلات خمر أو آنية خمر أو كذلك آلات موسيقى أو غير ذلك، كسره من باب إنكار المنكر، فلا ضمان عليه. قال: وصليب، إذا كسر صليبا أو تصاوير لا ضمان عليه. وآنية ذهب وآنية خمر غير محترمة، غير محترمة، معنى ليست للدم. لكن الصحيح أيضا أن الخمر وإن كانت لغير دمي فهدرها ليس عليه ضمان. وأما آنية الذهب، فالصحيح أنها لا تهدر؛ لأن الأصل ليس أنها محرمة، وإنما استعمالها في بعض الأشياء محرم. وخلاصة هذه المسألة أن كل من أتلف شيء أو تسبب في إتلافه بتعد أو تفريط، فإنه يضمن. فإن لم يفعل، فإنه لا ضمان عليه. لو مثلا إنسان عنده جدار في بيته أصبح عرضة للسقوط، لكن صاحبنا لم يهدم، فجاءت شيء من الأمطار أو غيرها، فسقط وسقط في إنسان، فهذه المسألة اختلف فيها العلماء. فمنهم من قال: إنه يضمن؛ لأنه تسبب في هذا الفعل. وقال بعضهم: العلم أنه لا يضمن إلا إذا طالبه من يخشى وقوع هذا الجدار عليه، مثلا جاره، قال: يا فلان، هذا الجدار سيسقط في بيتي ويضر بي، وهو لا يحرك ساكنا، فحصل، فهذا يعتبر عليه الضمان. وهناك قول آخر أيضا، هو للحنابلة، لابن عقيل بالحنابلة، وهي رواية عن أحمد: أنه يضمن مطلقا، ما دام أنه تسبب في هذا وهو يعلم أن هذا الجدار سيسقط ولم يهدمه، فهو يضمن. أو بيت سيسقط وهو لم يفعل شيئا، إلا إذا كان لا يستطيع، مثلا إنسان فقير عائش في بيت معرض للهدم، وهو لا يستطيع أن يهدم هذا أو أن يأتي بشيء بمن يهدمه، وهنا لا شيء عليه.