الدرس في شرح كتاب التوحيد 190، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
القنوط هو اليأس الشديد من رحمة الله، وهو محرم شرعًا. يُحذر من الوقوع فيه لأنه يتنافى مع حسن الظن بالله.
يتناول المقطع أمثلة على القنوط من رحمة الله في الأمور الدينية والدنيوية، ويحذر من اليأس حتى في أصعب الظروف، مشيرًا إلى قصص من التاريخ الإسلامي.
على المسلم أن يحسن ظنه بالله دائمًا ويتفائل بالفرج عند اشتداد الضيق، لأن مع العسر يسرى، والنصر يأتي بعد اليأس كما جاء في القرآن الكريم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، والتي فيها التحذير من القنوط من رحمة الله، ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. والقنوط هو أشد أنواع اليأس، إذا بلغ الإنسان في اليأس مبلغًا يقال عنه: قد بلغ مبلغ القانطين، فالقنوط هو اليأس، بل شدة اليأس. وهنا مسألة، إخواني في الله، المؤلف بالأمس -كما مر معنا- ذكر معنا ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾، وهنا ذكر قول الله: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. قال الشراح لكتاب التوحيد: إن المؤلف رحمه الله تعالى في هذا التضويب أراد أن يبوّب بآيتين اثنتين الدالة على حكمين اثنين من الأحكام التي يجب أن يتنبه لهما كل موحد، وهو الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، هذا وذاك لا يجوز. قد مر معنا بالأمس ما يتعلق بـ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾، وأن الإنسان لا يأمن من مكر ربه، فالله عز وجل إذا أسبغ عليك نعمه، لعل ذلك كان استدراجًا، فتجد أن من الناس من لربما يركن إلى هذه النعم مع ما فيه من قصور، ومع ما فيه من فجور، فهذا قد أمن مكر الله، وهذا ليس من أخلاق الموحدين، بل الموحد يقابل نعم الله بالخوف، بالخوف. هذا قد مر معنا في هذا المقام، وفي هذه الآية، وفي هذه المسألة مسألة القنوط، وهو أن لا تيأس -يا عبد الله- من رحمة الله، وهذا صنف يقابل الصنف الأول. نعم، من الناس من لربما بلغ به الخوف والوجل والفزع والهلع إلى درجة أنه ييأس من رحمة ربه، ييأس. وقد قال العلماء: إن هذا اليأس بما يكون من استبعاد حصول الخير، يستبعد حصول الخير، أو يستبعد دفع الضر والشر عنه، يستبعده تمامًا، يستبعد هذا؛ لأن الخير يأتيه، ولأن الشر يكشف عنه، يستبعد هذا، هذا يأس من رحمة الله جل وعلا. فهذه الآية: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾، إشارة إلى تحريم هذا الفعل، وأن الإنسان المسلم لا يقنط، لا يأس من فرج الله، من رحمة الله، من غوث الله، في أن الله يأتي لك بالخير، وإن كنت تراه مستحيلًا، أو يدفع عنك الضر، وإن كنت تراه محالًا، هذا ليس على الله بعزيز، وليس على الله ببعيد. وقد ذكر العلماء أن القنوط من رحمة الله على قسمين اثنين: إما قنوط من رحمة الله في المسائل الدنيوية، أو قنوط من رحمة الله في المسائل الدينية. مثال القنوط من رحمة الله في المسائل الدنيوية: كإنسان يستبعد أن يحصل له الغنى، نعم، يعيش في حالة نكدة من الفقر والضعف وقلة ذات اليد، فإذا ذكر -يا عبد الله- لعل الله يغير حالك ويغنيك من فضله، يقول: إيش غنى؟ لا، لا، لا، أنا مستبعد، أنا مضروب علي الفقر إلى أن أموت، لما اليأس -يا عبد الله- من فرج الله؟ لا تستبعد لهذه الدرجة. أو كذلكم ذاك المقعد الذي ابتلاه الله جل وعلا بالمرض، فهو طريح الفراش، لربما أخذ بالأسباب، ذهب يمنة ويسرة، لكن لا علاج، لا دواء عند الأطباء، فإذ به يأس، يأس من ماذا؟ إن كان من يأس -عبد الله- تيأس بما عند أيدي الناس، نعم؛ لأن هذا الذي بلغ عندهم العلم، لكن لا تيأس بما عند الله، الله قادر على كل شيء، الله قادر على كل شيء، رب رجل ضرير أبصره الله، بل رب رجل عقيم جعل الله له النسل والذرية، وما هذا على الله ببعيد، فإن الله جل وعلا قد يحدث بعد ذلك أمرًا سبحانه. هذا من القنوط من رحمة الله في الأمور الدنيوية. وهكذا القسم الثاني: ما يكون من القنوط من رحمة الله في الأمور الدينية، لا تقنط في أمور الدين، مثل استبعاد قبول التوبة، رجل قد فعل من الجرائم ومن الموبقات والحرمات والمحرمات، فقيل له: يا عبد الله، ما لك إلا التوبة إلى الله، قال: التوبة أمثلي أمثل ذنوبي يقبل الله جل وعلا توبتي؟ لا والله، ما أظن، ما أظن. لا تيأس -عبد الله-، لا تيأس -عبد الله- من توبة الله عليك، إن أقبلت على ربك بقلب خاشع خاضع. لنا عبرة بالذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، جريمة القاتل أعظم جريمة بعد الشرك، ليست نفسًا واحدة، بل العشرات، قتل تسعة وتسعين نفسًا، حتى أن الناس يأسوا من توبته، حتى ذلكم العابد قال: «وليقبل الله توبتك»، أنت أنت تتوب من هذا الذي سيقبل توبتك؟ الله يقبل توبتك وأنت على هذه الجرائم، الناس يأسوا منه، حتى أنه قد صدقهم إذا ما لي من توبة، فكمل به المئة، ما هناك توبة، إلا أن الله أراد له الخير، فقذف في قلبه الخوف والوجل والطمع فيما عند الله، حتى أقبل على ذلكم العالم، فدله على سبيل التوبة، فكان في نهاية أمره ماذا؟ أن تاب الله عليه، وغفر له، وأدخله الجنة. فانظر -يا عبد الله- كيف كان جرمه، وماذا كان جزاؤه عندما تاب إلى الله، فلا تيأس، لا تيأس -يا عبد الله- من رحمة ربك جل وعلا، لا في الدين ولا في الدنيا، كل ما كنت تراه مستبعدًا، قل: هذا في نظر المخلوق، أما عند الخالق جل في علاه، لا يعجزه شيء. وفي هذه الآية، في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾، هذا الخطاب كان في قصة إبراهيم عليه السلام في قصة إبراهيم عليه السلام، عندما جاءته الملائكة تبشره بإسحاق على كبر، وقد بلغ من العمر عتيًا، ما سنه؟ ما عمره يتحمل الإنجاب؟ لكن بشرته الملائكة بذلك، حتى أنه استبعد ذلك؛ لأن ذلك في نظر المخلوقين وفي العالم البشري هذا لا يعقل، ويستصعب، بل يحال في حق من كبر سنه أن يرزق بذرية. فحينها قالت له الملائكة: «بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين»، لا تفعل هذا -يا إبراهيم-، لا يصل بك الحال إلى درجة القنوط، أن تيأس من رحمة الله، فحينها قال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾، نعم، أقرهم بهذا: أن القنوط ليس من أخلاق المسلمين، بل الذي يقنط من رحمة ربه هو الضال، هو الضال. لماذا الضال؟ لأن من أنعم الله عليه بالهداية يعلم أن رحمة الله كثيرة، وأن الطرق المؤدية إلى رحمة الله عديدة، متنوعة، لا تعد ولا تحصى، يرحم الله عباده كيف شاء، بجلب الخير لهم، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ويرزقه من حيث لا يحتسب، من حيث لا تشعر، تأتيك الأرزاق، تأتيك النعم، تأتيك الخيرات. ولهذا الإنسان -إخواني في الله- يعلم أن هذا الباب، باب القنوط من رحمة الله، من الأمور المحرمة، أن يصل بك الحال أن تستيئس من رحمة الله، بأن يأتيك النجاة والفكاك من الله جل وعلا، فالله هو الغوث، يغيثك، يغيثك. ويتفرع من هذا المقام مقام حسن الظن بالله، الذي يدفع هذا المقام حتى لا تصل إلى محل القنوط واليأس، كن -يا عبد الله- على حسن الظن بالله دائمًا، كن حسن الظن بالله، تتفائل بالله، تجعل وتعلم أن كلما ضاقت عليك الهموم والغموم، كلما ضاقت عليك، لا تجعلها طريقة إلى القنوط، بل اجعلها مؤشرًا إلى وجود الفرج. وهذه القاعدة: إذا ضاقت الأمور تنفرج، القاعدة: إذا ضاقت الأمور تنفرج، «رب نازلة يضيق بها الفتى ذرعًا وعند الله منها المخرج»، ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت، وكنت أظنها لا تفرج. ويقول العلماء: إن متى يأتي الفجر؟ يأتي الفجر بعد اشتداد الظلمة، «إن مع العسر يسرى»، إذا تعسرت عليك الأمور، اعلم أن الفرج قريب، الفرج قريب، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، جاءهم نصرنا، متى جاء النصر؟ لأولياء الله، لأنبياء الله، إذا ضاقت عليهم الأمور، حتى إذا استيئس الرسل، وصلوا إلى حد اليأس، وظنوا -هنا الظن بمعنى اليقين- استيقنوا أنهم قد كذبوا، فيأسوا، إما أنه يأس من نجاة أنفسهم، أو يأس من هداية أقوامهم، فأتاهم الفرج من الله، جاءهم نصرنا، نصرهم الله. لكن تأمل في تكملة الآية: ﴿فَنُجِّي مَن نَشَاءُ﴾، هنا المشيئة، النصر قد يأتي لبعض الناس، وقد يتأخر عن بعض الناس، وقد أسلفنا في ذكر هذا كثيرًا، على أن الإنسان لربما يتحلى بصفات أهل النصر، لكن الله يؤخر نصره لماذا؟ لحكمة إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرًا، يتأخر النصر أحيانًا لأمر يريده الله جل وعلا، وهو إمضاء القضاء والقدر، إمضاء القضاء والقدر الذي قدره الله أن يكون بين خلقه. فالشاهد -إخواني في الله- في هذه الآية: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾، فيه إشارة إلى أن المسلم لا ينبغي أن ييأس من رحمة الله، لا في الأمور الدينية ولا في الأمور الدنيوية. وكيف تيأس من رحمة الله؟ والله جل وعلا بيده السماوات والأرض، وقد عدد لك العديد من الطرق الموصلة إلى رحمة الله جل وعلا. ولهذا الإنسان يبقى على هذا الحال إلى أن يتوفاه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه»، حتى تموت وأنت في السكرات، وأنت في النزع، قد علمت أنك قد أصبت من الذنوب ما أصبت، فلا تيأس، لا تيأس، أنت على فراش الموت، وجاءك من جاءك يلقنك الشهادة، فإذ بك تقول: يا عبد الله، إيش من الشهادة؟ الله المستعان، الله المستعان، قد فعلت، قد اقترفت، قد وقد، حتى أصبح الشيطان يسول لك أنك تموت على هذا المعتقد الفاسد، تموت وأنت يائس من رحمة الله، لا تيأس، لا تموت كما قال رب نبينا: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله»، تموت -يا عبد الله- وأنت تحسن الظن بأنك أقبلت على الله بتوحيده، وأنك تجردت لله بإسلامك، هذه من الأعمال العظيمة، فلا زلت تحسن ظنك بالله حتى يتوفاك الله وهو راضٍ عنك. فإياك -يا عبد الله- والقنوط من رحمة الله في كل أحوالك وفي كل شؤونك، أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.