الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 78، ألقاها
يتناول هذا الفصل أصول المعتزلة الخمسة ومقارنتها بأصول الدين، موضحاً التوحيد، العدل، النبوة، الأسماء والأحكام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما يقارنها بأصول الدين الخمسة التي جاء بها الرسول.
يتناول هذا الفصل فضل خواتيم سورة البقرة وأهميتها، ووظائف الملائكة في تنفيذ أوامر الله، مع مناقشة آراء العلماء حول المفاضلة بين الملائكة والصالحين من البشر.
يناقش هذا الفصل تفضيل الأنبياء على الملائكة مستدلاً بالكتاب والسنة، ويوضح معنى البرية واشتقاقها اللغوي وعلاقتها بصلاح البشر.
على الشارح رحمه الله تعالى، وقد أبدلتها المعتزلة بأصولهم الخمسة التي هدموا بها كثيرًا من الدين، فإنهم بنوا أصل دينهم على الجسم والعرض الذي هو الموصوف والصفة عندهم، واحتجوا بالصفات التي هي الأعراض على حدوث الموصوف الذي هو الجسم، وتكلموا في التوحيد على هذا الأصل، فنفوا عن الله كل صفة تشبيها بصفات موجودة في الموصوفات التي هي الإقسام، ثم تكلموا بعد ذلك في أفعاله التي هي القدر، يسمى ذلك العدل، ثم تكلموا في النبوة والشرائع والأمر والنهي والوعد والوعيد، وهي مسائل الأسماء والأحكام التي هي المنزلة بين المنزلتين ومسألة إنفاذ الوعيد، ثم تكلموا في إلزام الغير بذلك الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمنوه جواز الخروج عن الأئمة بالقتال، فهذه أصولهم الخمسة التي وضعوها بإزاء أصول الدين الخمسة التي بعث بها الرسول. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ مَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا﴾. ثم أما بعد، تقدم الكلام على هذه الفقرة، ولكن داهمنا الوقت في الدرس الماضي عند الكلام على آخر هذه الأصول التي هي عند المعتزلة تعد أصول الإسلام. الأصول الأولى التوحيد، وكما مر معنا معنى التوحيد عندهم نفي الصفات بحجة تنزيه الله جل وعلا عن الأعراض والجسم. والأصل الثاني العدل، ومعنى العدل كما مر معنا حاصله ومآله وحقيقته نفي القدر عن الله رب العالمين، وأن الله جل وعلا ليس له مشيئة ولا قدرة ولا إرادة على أفعال العباد، وأن العباد هم الذين يفعلون أفعالًا بأنفسهم ويخلقونها بأنفسهم؛ لأن هذا هو العدل كما تقدم معنا في الدرس الماضي. قال رحمه الله تعالى: ثم تكلموا في النبوة والشرائع. تكلموا في النبوة والشرائع، وكما تقدم يعني وجه الكلام في النبوة والشرائع أن له اتصالًا ببعثة الرسل. باب العدل له اتصال ببعثة الرسل، وهو أن الكلام فيها كلام في أنه تعالى إذا علم أن صلاحنا يتعلق بهذه الشرعيات فلابد من أن يعرفنا هذه الشرعيات لكي لا يكون مخلاً بما أوجب عليه، بما هو واجب عليه، وهذا من العدل. قال رحمه الله: «والوعد والوعيد، والوعد معنى إنفاذ الوعد، والوعيد إنفاذ الوعد، بمعنى أنه يجب على الله أن يثيب المطيع ويجب على الله جل وعلا أن يعاقب العاصي». قال: «وهي مسائل الأسماء والأحكام». ومع مسائل الأسماء والأحكام كما مر معنا أمس أسماء الإيمان والكفر، بمعنى أن من ارتكب الكبيرة هل يكون بذلك مسلمًا أو لا يكون بذلك مسلمًا. فهذه هي المقصود بمسألة الأسماء، الأسماء هذه هو المقصود بها بأنه منزلة بين منزلتين. والأحكام كما ذكرنا فيما مضى من الدرس أحكام تكون باعتبار الدنيا وأحكام باعتبار الآخرة. في حكم الفاسق الملين، أي الفاسق الملين ما أحكامه في الدنيا؟ هل يعامل معاملة أهل الإسلام إذا مات بأن يصلى عليه وأن يورث إلى غير ذلك من الأحكام؟ أم أنه يعامل معاملة الكفار؟ قال: «ثم تكلم في إلزام الغير». تكلم في إلزام الغير، يعني الآن عندنا الأصل الأول التوحيد، الأصل الثاني العدل، الأصل الثالث مسألة المنزلة بين المنزلتين، المسألة الرابعة مسألة إنفاذ الوعيد، والمسألة الخامسة مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا هو الأصل الخامس. ما معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ حاصله إرغام الناس وإلزام الناس بمعتقدهم هذا. قال رحمه الله: «وعُصُول أهل السنة والجماعة تابعة لما جاء به الرسول». وأصل الدين الإيمان بما جاء به الرسول، كما تقدم بيان ذلك. ولهذا كانت الآيتان من آخر سورة البقرة لما تضمنت هذا الأصل لهما شأن عظيم ليس لغيرهما. ففي الصحيحين عن أبي مسعود عقبة بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه». وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بين جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منها إلا أوتيته». قال أبو طالب المكي: «أركان الإيمان سبعة»، يعني هذه الخمسة والإيمان بالقدر والإيمان بالجنة والنار، وهذا حق، والأدلة عليه ثابتة محكمة قطعية. وقوله رحمه الله: قول أبي طالب المكي رحمه الله تعالى، ومحمد بن علي بن عطية. قوله: «أركان الإيمان سبعة»، حقيقة كما هي في حديث جبريل وغيره أنها ستة، والجنة والنار داخل في الإيمان باليوم الآخر. وكما هو ظاهر وواضح أن أهل السنة والجماعة يأخذون دينهم من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومما كان عليه سلف هذه الأمة، فهم على نور من ربهم جل وعلا، بخلاف غيرهم، فإنهم يتخبطون في الظلمات، فيأتون بأصول فاسدة كاسدة، ويريدون أن يلزموا الغير بعملها. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. قال رحمه الله: «وأما الملائكة فهم الموكلون بالسماوات والأرض، فكل حركة في العالم فهي ناشئة عن الملائكة». أي: بأمر الله جل وعلا، جعل الله جل وعلا لهؤلاء الملائكة وظائف يقومون بها بأمر الله رب العالمين. قال: «وهم الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل». فهم الذين جعل لهم الله جل وعلا ما جعل من هذه الوظائف يقومون بها بأمر الله رب العالمين. وأما غيرهم فيقولون بأن هذه الأشياء التي تحصل إنما تحصل بواسطة النجوم والكواكب، لا بأن هناك ملائكة ولا أن هناك خلقًا لله جل وعلا يقال لهم ملائكة. قال رحمه الله: «وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة وأنها موكلة بأصناف المخلوقات». وأنه سبحانه وكل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها، ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالجنة وعمارتها وغرسها وعمل آلاتها ملائكة. فالملائكة أعظم جنود الله، ومنهم المرسلات عرفة، فالعاصفات عصفة، والناشرات نشرة، فالفارقات فرقًا، فالملقيات ذكرًا. ومنهم: والنازعات غرقًا، والناشطات نشطًا، والسابحات سبحًا، فالسابقات سبقًا. ومنهم: والصافات صفًا، فالزاجرات زجرًا، فالتاليات ذكرًا. ومعنى جمع التأنيث في ذلك كله الفرق والطوائف والجماعات التي مفردها فرقة وطائفة وجماعة. ومنهم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، وملائكة قد وكلوا بعمارة السماوات بالصلاة والتصبح والتقديس. قال رحمه الله: «وقد تكلم الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالح البشر». وينسب إلى أهل السنة تفضيل صالح البشر والأنبياء فقط على الملائكة، وإلى المعتزلة تفضيل الملائكة. ومنهم من يفضل الأنبياء والأولياء، ومنهم من يقف ولا يقطع في ذلك قولًا. قال رحمه الله: «ومن هؤلاء من فصل تفصيلًا آخر». ولم يقل أحد ممن له قول يؤثر أن الملائكة أفضل من بعض الأنبياء دون بعض. وكنت ترددت في الكلام على هذه المسألة لقلة ثمرتها، وأنها قريب مما لا يعني. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». قال شيخ الألباني رحمه الله تعالى: «صحيح، رواه أحمد وغيره». وبعض الأئمة رحمهم الله تعالى يرجحون في هذا الحديث الإرسال، يقول: «الراجح فيه الإرسال، وإن كان معناه صحيحًا». قال رحمه الله: «ولا يقال إن هذه المسألة نظير غيرها من المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة؛ لأن الأدلة هنا متكافئة». قال: «وحملني على بسط الكلام هنا أن بعض الجاهلين يسيئون الأدب بقولهم: كان الملك خادمًا للنبي صلى الله عليه وسلم، أو إن بعض الملائكة خدام بني آدم»، يعنون الملائكة الموكلين بالبشر، ونحو ذلك من الألفاظ المخالفة للشرع المجانبة للأدب. قال رحمه الله: «فهذا كما قال مخالفة للشرع ومجانبة للأدب، وتدل على أن المتكلم فيها قليل العقل أو قليل الدين». ولو كان وافر العقل وكامل الدين لا استحى على نفسه من أن يذكر هذه العبارات أو أن يتلفظ بها. قال رحمه الله: «ومنه أن الملائكة لهم عقول وليست لهم شهوات، والأنبياء لهم عقول وشهوات». فلما نهوا أنفسهم عن الهوى ومنعوها عما تميل إليه الطباع كانوا بذلك أفضل. قال رحمه الله: «ومن هذاأن الله تعالى جعل الملائكة رسلًا إلى الأنبياء وسفراء بينه وبينهم». وهذا الكلام قد اعتل به من قال: إن الملائكة أفضل. واستدلالهم به أقوى؛ فإن الأنبياء المرسلين إن ثبت تفضيلهم على المرسل إليهم بالرسالة ثبت تفضيل الرسول من الملائكة إليهم عليهم. قال رحمه الله: «ومن هذاقول عبد الله بن سلام رضي الله عنه: ما خلق الله خلقًا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم». فالشأن في ثبوته، وإن صح عنه. فالشأن في ثبوته في نفسه؛ لأنه يحتمل أن يكون من الإسرائيليات. قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وما علمت عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك». وهذا هو المشهور عند المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو أن الأنبياء والأولياء أفضل من الملائكة. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح: «وفي هذا دلالة واضحة صريحة في أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من جبريل؛ إذ أنه رقي وارتفع إلى مكان فوق المكان الذي وقف عنده جبريل». قال رحمه الله: «ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الملائكة قالت: يا ربنا أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة، قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فيكون». أخرجه الطبراني. قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: «في سندهما مقال، وفي متنهما شيء». فكيف يظن بالملائكة الاعتراض على الله مرات عديدة؟! وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. قال رحمه الله: «وهل يظن بهم أنهم متبرمون بأحوالهم متشوفون إلى ما سواها من شهوات بني آدم؟! والنوم أخو الموت، فكيف يغبطونهم به؟! وكيف يظن بهم أنهم يغبطونهم باللهو، وهو من الباطل؟!». قالوا: «بل الأمر بالعكس؛ فإن إبليس إنما وسوس إلى آدم ودلاه بغرور، إذ أطمعه في أن يكون ملكًا». فدل أن أفضلية الملك أمر معلوم مستقر في الفطرة. قال رحمه الله: «قال الأولون: إن هذا إنما كان لما هو مركوز في النفس أن الملائكة خلق جميل عظيم مقتدر على الأفعال الهائلة». خصوصًا العرب؛ فإن الملائكة كانوا في نفوسهم من العظمة بحيث قالوا: إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال الآخرون: قد يذكر العالمون ولا يقصد به العموم المطلق، بل في كل مكان بحسبه. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾. والبرية مشتقة من البر بمعنى الخلق، فثبت أن صالح البشر خير الخلق.