الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 62، ألقاها
يشرح هذا الفصل الإسراء والمعراج للنبي صلى الله عليه وسلم، مؤكدًا أنهما حدثا في ليلة واحدة وفي حالة اليقظة، وليس مناما أو بروحه فقط. كما يبين أن حكم المعراج كغيره من المغيبات، نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته.
يناقش هذا الفصل حقيقة الإسراء والمعراج، ويستعرض آراء بعض العلماء حول تكرار الحدث، ويخلص إلى أن الإسراء والمعراج حدث مرة واحدة بروح النبي وجسده. يستند هذا الرأي إلى الكتاب والسنة الصحيحة وإجماع الصحابة.
يتناول هذا الفصل تفاصيل حول الإسراء والمعراج، حيث يوضح أن الإسراء كان بالروح والجسد معًا، مستندًا إلى القرآن والسنة. يشرح أيضًا حكمة الإسراء إلى بيت المقدس أولًا كإظهار لصدق دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.
يصف هذا الفصل حوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، مبينا أنه حوض عظيم ومورد كريم يمد من نهر الكوثر. يشرب منه المؤمنون، مع اختلاف في موقعه بين كونه قبل أو بعد الصراط.
يذكر هذا الفصل قول ابن تيمية رحمه الله في الرد على من أنكر وجود حوض النبي يوم القيامة، ويعبر عن استغفاره وتوبته إلى الله.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: والمعراج حق، وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى. فصلى الله عليه في الآخرة والأولى. قال الشارع رحمه الله تعالى: المعراج: مفعال من العروج، أي الآلة التي يعرج فيها، أي يصعد، وهو بمنزلة السلم. لكن لا يعلم كيف هو. وحكمه كحكم غيره من المغيبات، نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، ذكر الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى ها هنا مسألة المعراج، ومسألة الإسراء. والإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى الإسراء: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أسري به من البيت الحرام إلى بيت المقدس. قال الله جل وعلا: ﴿الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾. والمعراج هو عروجه صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس إلى حيث شاء الله جل وعلا من العلاء. وقوله رحمه الله تعالى: «المعراج مفعال من العروج، أي الآلة التي يعرج فيها» يعرج فيها كالمصعد، وهو معروف. ما زال الناس يسمونه معراجا، وهو كالسلم أو هو سلم. نحن نسميه كذلك يسمى السلم، يسمى كذلك السلم. قال: «وهو بمنزلة السلم، لكن لا يعلم كيف هو». ومعنى هذا أنه سلم حقيقي. معنى هذا أنه سلم أو أنه معراج حقيقي، لكن كيف ذلك المعراج الله أعلم به. هذا من الأمور التي لم نعلمها ولم يعلمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكون كغيرها، فيكون كغيره أو كغيرها من الأمور الغيبية التي لا يعلم كيفيتها مع إثبات حقيقتها، حقيقة معناها مع إثبات معناها حقيقة. قالوا: حكم كحكم غيره من المغيبات، نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته. أي لا نقول: هذا المعراج هل هو من خشب؟ ومن أي أنواع الخشب؟ هل هو من الإبن أم أنه من شجر السدر؟ أم أنه لا يحتاج إلى هذا؟ لأن هذا التكلم بغير علم. ولكن نقول: عرج به بمعراج حقيقي، الله أعلم بكيفيته. ونستريح الحمد لله، ونسلكه كذلك طريق السلامة. وقوله: «وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في اليقظة» اختلف الناس في الإسراء، فقيل: كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده، نقله ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية رضي الله عنهما. ونقل عن الحسن البصري نحوه. لكن ينبغي أن يعرف: أن قوله رحمه الله تعالى، وقوله: «وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في اليقظة» هذا فيه تصريح من الشارح رحمه الله تعالى، وقبله الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى، وقبله كذلك جماهير العلماء: إلى أن الإسراء والمعراج كان في ليلة واحدة. أن الإسراء والمعراج كان في ليلة واحدة. وأخطأ من قال: بأن الإسراء كان في ليلة والمعراج كان في ليلة أخرى. كما دل على ذلك حديث أنس بن مالك وغيره من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في الصحيحين وغيرهما: أنه أسري به صلى الله عليه وسلم ثم عرج به في ليلة واحدة. وقوله: «في اليقظة» هذا هو القول الصحيح. وينبغي أن يقال: بأن المسألة حقيقة لا خلاف فيها. لأن الخلاف المنقول عن بعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لم يثبت إليهم. لم يثبت إليهم. فقوله رحمه الله: «اختلف الناس في الإسراء، فقيل: كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده» نقله ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية رضي الله عنهما. أما إسناد أثر عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فذكره الإمام ابن هشام كما في السيرة لابن إسحاق. قال: «قال ابن إسحاق: وحدثني بعض آل أبي بكر». وحدثني بعض آل أبي بكر: «أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله أسرى بروحه». ولكن الله أسرى بروحه. وهذا الأثر كما ترون لا يصح إلى عائشة رضي الله عنها وأرضاها؛ لأنه لأن الواسطة كما هو ظاهر مبهمة من آل أبي بكر لا يعلم من هم. وقوله كذلك في أثر معاوية كذلك رواه ابن هشام في السيرة. قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس: «أن معاوية قال: إن معاوية إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت رؤيا من الله تعالى صادقة». كانت رؤيا من الله تعالى صادقة. ويعقوب ثقة، إلا أنه لم يدرك معاوية، فيكون الإسناد منقطعا بينه وبين معاوية. إذن الأثران لا يصحان لا عن عائشة رضي الله عنها ولا عن معاوية رضي الله عنه. وقوله: «ونقل عن الحسن البصري نحوه» أي نحو قولهما. أثر الحسن البصري كذلك رواه ابن هشام. قال: «وحدثت عن الحسن أنه قال: بينما أنا نائم في الحجر، إذ جاءني جبريل فهمزني بقدمه فجلست، فلم أر شيئا». فيه ذكر القصة. «فجلست، فأخذ بعضدي، فقمت معه». وإسناده كذلك ضعيف، إسناده ضعيف لجهالة الواسطة بين ابن إسحاق وبين الحسن. وكذلك لأنه مرسل من مراسيل الحسن البصري. ثم إن أثر الحسن البصري رحمه الله تعالى يدل على أن الإسراء كان يقظة وبالروح والجسد، فهو أثر يخالف ما روي عن عائشة وعن معاوية، لا أنه نحوه. واضح إذا جمعت أم لا؟ إذن لم يثبت لم تثبت هذه الآثار عن الصحابة. وإنما الخلاف المذكور إنما هو عن هؤلاء الصحابة في هذه المسألة. وإذا كان كذلك، فلا يقال: إنه لا يعلم في هذه المسألة خلاف يثبت عن أحد من الصحابة: في أن النبي صلى الله عليه وسلم أسري بروحه وجسده يقظة كما ذكر أولا. قال رحمه الله: «لكن ينبغي أن يعرف الفرق بين أن يقال: كان الإسراء كان الإسراء مناما، وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده». وبينهما فرق عظيم. فعائشة ومعاوية رضي الله عنهما لم يقولا: كان مناما، وإنما قالا: أسري بروحه ولم يفقد جسده. وفرق ما بين الأمرين: أن ما يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة، فيرى أنه قد عرج إلى السماء وذهب به إلى مكة، وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال. فما أرادا أن الإسراء مناما، وإنما أرادا أن الروح ذاتها أسري بها، ففارقت الجسد ثم عادت إليه. ويجعلان هذا من خصائصه. فإن غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت. وقيل: كان طيب. وهذا التفصيل بناء على ثبوت هذين الأثرين أو عن ثبوت هذه الآثار عن هؤلاء الصحابة. وقد علمنا بأنها لم تثبت. وإذا لم تثبت أو لم تثبت لم يثبت كذلك هذا التفريق. لم يثبت هذا التفريق بين كونها في منام أو في كونها أو كونها رؤية في حال ماذا؟ في حال عدم النوم. في حال عدم النوم. ومن المعلوم: أن النائم إذا نام حصل له نوع مفارقة للروح عن الجسد. لذا قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾. إذن الأرواح لها أمور وتصرفات تحصل فوق ما يتصوره الإنسان. ومن هذه الأمور: ما أقدر الله جل وعلا. قال: ﴿فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى﴾. إذن الأرواح تكون طارة في الجسد وتارة تحصل لها علاقات وما شابه ذلك. فكون إنسان يفرق بين كون الروح تحرك دون نوم أو مع نوم، هذا تفريق يحتاج إلى دليل. تفريق يحتاج إلى دليل. ولا دليل. وإن كان القائل به إمام جليل كالإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. لكن المسألة تحتاج إلى ماذا؟ إلى دليل. وكلام ابن القيم رحمه الله تعالى المذكور هذا إنما مبنى على ماذا؟ على صحة الآثار عن عائشة ومعاوية. ثم إن أثر معاوية لو فرض وسلم في أثر عائشة: أنه يحتمل هذا المعنى، فإنه لا يحتمل في أثر معاوية. إذ أن في أثر معاوية قال: «إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت رؤيا من الله تعالى صادقة». هما مع الرؤيا إلا رؤيا المنام. واضح. جماعة. وقولوا: صادقة؛ لأن رؤيا الأنبياء رؤيا الأنبياء حق. واضح. هذا أم لا؟ هذا لو صح لو صح لقيل: أنها رؤيا منام. لو صح لقيل: أنها رؤيا منام. لذا الإمام ابن إسحاق رحمه الله تعالى في كتاب السيرة: بعد أن ذكر الآثار عن معاوية وقبله عائشة وعن الحسن رضي الله عنهم جميعا ذكر يعني ذكر هذا القول. قال: «فلم ينكر من قولهما لقول الحسن». قال: «فعرف أن الوحي من الله يأتي يقظة ونياما». يقظة وماذا؟ ونياما. إذن قول الحسن: يقظة. وقول غيره ماذا؟ نياما. أي في حال النوم. في حال النوم. إذن ما عندنا حالة وسطى بين هذه الحالة وبين الحالة الثانية. والله تعالى أعلى وأعلم. وكما سمعتم: أن الثابت عن السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله: هو القول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أسري بروحه وجسده. وإذا علم هذا، فلا يحتاج إلى هذا التفريق: بأنها حالة بين حالتهم بين حالة اليقظة وبين حالة النوم. وبالروح دون ماذا؟ دون الجسد. والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله: «وقيل: كان الإسراء مرتين، مرة يقظة ومرة منام». وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله: «ثم استيقظت» وبين سائر الروايات. وكذلك منهم من قال: «بل كان مرتين، مرة قبل الوحي ومرة بعده». ومنهم من قال: «بل ثلاث مرات، مرة قبل الوحي ومرتين بعده». وكلما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة للتوفيق. وهذا يفعله ضعفاء وأهل الحديث. وإلا فالذي عليه أئمة النقل: أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة قبل الهجرة بسنة. وقيل: بسنة وشهرين. ذكره ابن عبدالبر على شمس الدين ابن القيم. يا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارا! كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة في كل مرة يفرض عليهم الصلوات الخمس، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا؟ فيقول: «أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي». ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها إلى خمس. وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء. ومسلم أورد المسند منه، ثم قال: «فقدّم وأخّر وزاد ونقص ولم يسرد الحديث وأجاد». إنها كلام الشيخ شمس الدين رحمه الله: بمعنى أن الإمام مسلم رحمه الله تعالى أشار إلى اضطراب شريك القاضي رحمه الله تعالى في حديث أنس في الإسراء، فأتى بألفاظ لم يتابع عليها. وهذه الألفاظ التي لم يتابع عليها وإن كان في صحيح البخاري، لكنها لم تثبت، انتقدها الحفاظ. وهذه الألفاظ جعلت الناس أو جعلت بعض العلماء يضطربون في مسألة الإسراء والمعراج، حتى وصل بهم الأمر كما سمعتم إلى أن قالوا: بأن الإسراء والمعراج حصلت مرتين. ومنهم من يقول: ثلاثة مرات. وهذا ليس بصعب. الإسراء والمعراج حصلت مرة واحدة يقظة بروح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجسده. هذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة الصحيحة. وكذلك كما علمنا أنه لا خلاف فيه بين الصحابة على الصحيح. قال رحمه الله: «وكان من حديث الإسراء: أنه صلى الله عليه وسلم أسري بجسده في اليقظة على الصحيح من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى راكبا على البراق، صحبه جبرائيل عليه السلام، فنزل هناك وصلى بالأنبياء إماما، وربط البراق بحلقة باب المسجد». وقد قيل: إنه نزل ببيت لحم وصلى فيه. ولا يصح عنه ذلك البتة. ثم عرج به من بيت المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبرائيل، ففتح لهما، فرأى هناك آدم أبا البشر، فسلم عليه، فرحب به ورد عليه السلام وأقر بنبوته. ثم عرج به إلى السماء الثانية، فاستفتح له، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم، فلقيهما، فسلم عليهما، فرد عليه السلام ورحب به وأقر بنبوته. ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف، فسلم عليه، ورحب به وأقر بنبوته. ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فرأى فيها إدريس، فسلم عليه، ورحب به وأقر بنبوته. ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فرأى فيها هارون بن عمران، فسلم عليه، ورحب به وأقر بنبوته. ثم عرج به إلى السماء السادسة، فلقي فيها موسى، فسلم عليه، ورحب به وأقر بنبوته. فلما جاوزه بكى موسى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: «أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمتي أكثر مما يدخلها من أمتي». ثم عرج به إلى السماء السابعة، فلقي فيها إبراهيم، فسلم عليه، ورحب به وأقر بنبوته. ثم رفع إلى سدرة المنتهى، ثم رفع له البيت المعمور، ثم عرج به إلى الجبار جل جلاله وتقدست أسماؤه، فدنى منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض له خمسين صلاة، فرجع حتى مر على موسى، فقال: «بما أمرت؟» قال: «بخمسين صلاة». فقال: «إن أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى ربك، فاسأل التخفيف لأمتك». فالتفت إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار أن نعم إن شئت. فعطف به جبرائيل حتى أتى به إلى الجبار تبارك وتعالى، وهو في مكانه. هذا لفظ البخاري في صحيحه. وفي بعض الطرق: «فوضع عنه عشرة، ثم نزل حتى مر بموسى، فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك، فاسأل التخفيف». فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله تبارك وتعالى حتى جعلها خمسة. فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال: «قد استحيت من ربي، ولكن أرضى وأسلم». فلما نفذ نادى مناد: «قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي». وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل بعين رأسه. وأن الصحيح: أنه رآه بقلبه، ولم يره بعين رأسه. وقوله: ﴿ما كذب الفؤاد ما رآه ولقد رآه نزلة أخرى﴾. صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا المرء جبرائيل، رآه مرتين على صورته التي خلق عليها. كما مر معنا في صحيح مسلم حديث عائشة: أنها قالت: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قالت: كنت أو أنها قالت: أنا أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى﴾ إلى آخر الآيات المذكورة». فقال: «رأيت جبريل». رأيت جبريل. فهذا نص من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه رأى جبريل عليه السلام. رأى جبريل عليه السلام. وأما رؤيته لربه جل وعلا، فإنما كانت رؤية منامية على الصحيح. رؤية كانت رؤية منامية. أما رؤية البصر أو الرؤية القلبية، فعلى الصحيح: أنها على الصحيح أنه لم ير ربه جل وعلا. لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه جل وعلا. ومن ظن أنه رأى ربه مستدلا بهذه الآيات، فقد أخطأ في الاستدلال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو أعلم بذلك، أخبر بأنه رأى جبريل، ولم ير ربه جل وعلا. قال رحمه الله: «وأما قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثم دنا فتدلى﴾ فهو غير الدنو والتدل المذكورين في قصة الإسراء». فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه. كما قالت عائشة وابن مسعود رضي الله عنهما. فإنه قال: ﴿علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى﴾. فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى. وأما الدنو والتدل الذي في حديث الإسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرب تعالى وتدليه. وأما الذي في سورة النجم: ﴿أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى﴾ فهذا هو جبرائيل، رآه مرتين، مرة في الأرض ومرة عند سدرة المنتهى. أولا في قوله رحمه الله: «كما قالت عائشة وابن مسعود» كما في صحيح مسلم: «أنهم قالوا: أن هذا التدل كان إنما لجبريل عليه السلام». هذا أمر. والأمر الثاني: وهو قوله: «أما الدنو والتدل الذي في حديث الإسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرب تعالى وتدليه». هذا اللفظ إنما هو في حديث شريك. وهذا اللفظ إنما هو في حديث شريك. وقد تقدم: أن شريكا أتى بألفاظ لم يتابع عليها. أتى بألفاظ لم يتابع عليها. قال رحمه الله: «ومما يدل على أن الإسراء بجسده في اليقظة قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾». والعبد: عبارة عن مجموع الجسد والروح. كما أن الإنسان: اسم لمجموع الجسد والروح. هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح. فيقول: الإسراء بهذا المجموع. ولا يستبعد ذلك عقلا. ولو جاز استبعاد صعود البشر، لجاز استبعاد نزول الملائكة. وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة، وهو كفر. وهذا يعني: هذان دليلان على أن الإسراء كان بالروح والجسد. الدليل الأول: من القرآن في قول الله جل وعلا: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾. والعبد هو مجموع الروح والجسد. إذ لو كان أحدهما لبيّن، لقال: «سبحان الذي أسرى بروح عبده» أو لقال: «سبحان الذي أسرى بجسد عبده» أو ما شابه ذلك. فقول الله جل وعلا: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ يدل على أن الإسراء كان بالروح والجسد. هذا أمر. والأمر الثاني: من حيث الإمكان العقلي: أن هذا ممكن. أن يسرى بالبشر بروحه وجسده إلى حيث شاء الله جل وعلا أن يسرى به. ومن منع هذا يلزم بأن يمنع نزول الملائكة إلى السماء؛ إذ لا فرق. هذان دليلان: أحدهما من القرآن، وآخر من ماذا؟ دليل عقلي. والأحاديث في ذلك من السنة كثيرة ومتكاثرة: في أن النبي صلى الله عليه وسلم أسري بروحه وجسده. وأنه ركب على البراق، وهي دابة دون الفرس وفوق الحمار. فهو ركب. ولا يركب إلا ماذا؟ إلا روح بجسد. قال: تركب الروح يا جماعة على البراق! هذا كذلك من الأدلة المذكورة على أنه أسري بروحه وجسده. أن قريشا أنكرت ذلك. أن قريشا أنكرت ذلك. ولو كان بروحه دون جسده لما أنكرت ذلك قريش. ولقالوا: حقا. ولقالوا: نعم، قد ذهب. وثبت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أحمد وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم في صبيحة ليلة ما أسري به كان مهموما مغموما. فمر به عدو الله عدو الله أبو جهل، فقال له: «يا محمد، أعندك شيء أو حصل لك شيء ليلة؟» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم». قال: «وما هو؟» فأخبره بما حصل له من أمر الإسراء من أمر الإسراء إلى بيت المقدس. فأبو جهل عدو الله قال: «يا محمد، إذا أتيت قومك أتخبرهم ما أخبرتني به؟» قال: «نعم». فدعا بطون قريش، فانجفلوا إليه، فقال لهم: «اسمعوا ما يقول محمد». فتكلم النبي صلى الله عليه وسلم. فلما أخبرهم بأنه أسري به إلى بيت المقدس تعجب الناس. فمن واضع يده على وجهه، ومن ضاحك، ومن متعجب إلى غير ذلك من الأمور. ومن مكذب ومن ... إلى غير ذلك. وهذا يدل على ماذا؟ هل يدل على أنهم أنكروا شيئا خارج عن العادة؟ أم أنكروا شيئا معتادا؟ إن كان مناما هل ينكروا ذلك؟ أو إذا كان كما قيل: بروحه دون جسده، هو في مكان لكن ذهب روحه، هل كانوا سينكرون ذلك؟ كذلك الجواب: لا. وإنما أنكروا ذلك حينما علموا أنه أسري بروحه وجسده. واضح. هذا جمعه أم لا؟ لذا طلبوا منه البرهان. قالوا له: «صف لنا بيت المقدس». الحديث. فهذا كذلك من الأدلة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أسرئ به بروحه وجسده. ومسألة الإسراء والمعراج كثيرة. وقد ذكرناها وتكلمنا على جملة منها في كتاب «فتح رب العباد» لمن أراد المزيد. قال رحمه الله: «فينقيل: فما الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس أولا؟» فالجواب: والله أعلم: أن ذلك كان إظهارا لصدق دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم. المعراج حين سألته قريش: العناة بيت المقدس، فنعته لهم وأخبرهم عن عيرهم التي مر عليها في طريقه. ولو كان عروجه إلى السماء من مكة لما حصل ذلك؛ إذ لا يمكن اطلاعهم على ما في السماء لو أخبرهم عنه. وقد اطلعوا على بيت المقدس فأخبرهم بنعته. وفي حديث المعراج: دليل على العلو لله تعالى من وجوه لمن تدبره. وبالله التوفيق. وقد يكون كذلك من الحكم: أن بيت المقدس كما هو معروف كان قبلة كثير من الأنبياء. وظهر شرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على غيره من الأنبياء وفضل على غيره من الأنبياء؛ إذ أنه تقدمهم فصلى بهم. تقدمهم فصلى بهم. وهذا كذلك فيه ماذا؟ إظهار. فيه إظهار لمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضله على غيره من الرسل. وهذه قد تكون كذلك من ماذا؟ من الحكم. وقد تكون هناك حكم أخرى علمها الله جل وعلا أو من شاء من خلق الله جل وعلا. فالشاهد من هذا: أننا نعتقد عقيدة ثابتة يقينية: بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرئ به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما أخبر بذلك ربنا جل وعلا في كتابه. ثم عرج به صلى الله عليه وسلم إلى حيث شاء الله جل وعلا من العلا. كما جاءت كذلك في ذلك الأدلة الدالة على هذا المعنى في سورة النجم وغيرها من الأدلة من السنة الصحيحة الدالة على هذا المعنى. والله تعالى أعلى وأعلم. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم حق». قال الشارح رحمه الله: «الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر». طواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابية. ولقد استقصى طرقها شيخنا الشيخ عماد الدين ابن كثير تغمده الله برحمته في آخر تاريخه الكبير المسمى «بالبداية والنهاية». وهذا في إشارة إلى أن بل تصريح إلى أن ابن أبي العز من تلاميذ الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى صاحب التفسير وصاحب «البداية والنهاية». قال رحمه الله: «فمنها ما رواه البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن قدر حوضي كما بين أيلة إلى صلعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء». وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليردن علي أناس من أصحابي حتى إذا عرفتهم اختلجوا ودوني، فأقول: أصحابي! فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك». رواه مسلم. ورواه الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: «أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاء، فرفع رأسه مبتسما، إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه أنزلت علي آنفا سورة، فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إن أعطيناك الكوثر﴾ حتى ختمها، ثم قال: هل تدرون ما الكوثر؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: هو نهر أعطانيه ربي عز وجل في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنية عدد الكواكب، يختلج العبد منهم، فأقول: يا ربي! إنه من أمتي! فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك». ورواه مسلم. ولفظه: «هو نهر وعدنيه ربي، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة». والباقي مثله. ومعنى ذلك: أنه يشخب فيه ميزابان من ذلك الكوثر إلى الحوض. والحوض في العرصات قبل الصراط؛ لأنه يختلج عنه ويمنع منه. ويمنع منه أقوام قد ارتدوا على أعقابهم. ومثل هؤلاء لا يجاوزون الصراط. هذا على قول. قال رحمه الله: «والحوض في العرصات قبل الصراط». أي في الساحة التي يجتمع فيها الناس في عرصات يوم القيامة. والساحة التي يجتمع فيها الناس يجتمع فيها الناس. وهذا هو أحد الأقوال في المسألة. أن الحوض في العرصة. وهناك قول آخر: أن الحوض بعد الصراط. وذكر هذا: أن هذا القول هو قول مال إليه الإمام البخاري رحمه الله تعالى صاحب الصحيح. وذهب إليه بعضهم بعض العلماء رحمهم الله. ومن أهل العلم قال: بأنه حوضان: حوض قبل الصراط، وآخر بعد الصراط. ومنهم من قال: وأتى بقول فقال: بأنه حوض ممتد من العرصة إلى ماذا؟ إلى بعد الصراط. والأقوى: الأول والثاني. والأقرب والله تعالى أعلى وأعلم: القول الثاني. وذلك لما ثبت في السنن عن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشفع له. طلب من رسول الله أن يشفع له. فقال: «يا رسول الله! نعم». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ستجدني أول ما تجدني عند الميزان». قال: «فإن لم أجدك يا رسول الله؟» قال: «فعند الصراط». قال: «فإن لم أجدك يا رسول الله؟» قال: «فعند الحوض». قال: «فعند الحوض». فيه دلالة أو إشارة لطيفة إلى أن الحوض يكون بعد ماذا؟ بعد الصراط؛ لأنه قال: «عند الصراط». قال: «فإن لم أجدك». لأن الفاء فيه التعقيب. «فإن لم أجدك». قال: «فبعد الصراط». فبعد أو فبعد الصراط عند الحوض. قال: «فعند الحوض». هذا الذي يظهر. والله أعلى وأعلم. قال رحمه الله: «ورواه البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنا فرطكم على الحوض». والفرط: الذي سبق إلى الماء. ورواه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم». قال أبو حازم: «فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم». فقال: «أشهد على أبي سعيد الخدري: سمعته وهو يزيد فيها: فأقول: إنهم من أمتي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك! فأقول: سحقا سحقا لمن غير بعدي! سحقا أي بعداء». والذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض: أنه حوض عظيم ومورد كريم. يمد من شراب الجنة من نهر الكوثر الذي هو أشد بياضا من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحا من المسك. وهو في غاية الاتساع. عرضه وطوله سواء. كل زاوية من زواياه مسيرة شهر. وفي بعض الأحاديث: أنه كل ما شرب منه: وهو في زيادة واتساع. وأنه ينبت في حافاته من المسك والرمل رمل من اللؤلؤ. وقضبان الذهب. ويثمر ألوان الجوهر. فسبحان الخالق الذي لا يعجزه شيء. وقد ورد فيها: أن لكل نبي حوضا. وأن حوض نبينا صلى الله عليه وسلم أعظمها وأحلاها وأكثرها واردا. جعلنا الله منهم بفضله وكرمه. قال رحمه الله: «قال العلامة أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في التذكرة: واختلف في الميزان والحوض: أيهما يكون قبل الآخر؟ فقيل: الميزان. وقيل: الحوض». قال أبو الحسن القابسي: «والصحيح أن الحوض قبل». قال القرطبي: «والمعنى يقتضيه». فإن الناس يخرجون عطاشا من قبورهم كما تقدم. فيقدم قبل الميزان وقبل الصراط. قال أبو حامد الغزالي في كتاب «كشف علم الآخرة»: حكى بعض السلف من أهل التصنيف: أن الحوض يورد بعد الصراط. وهو غلط من قائله. قال القرطبي: «هو كما قال». ثم قال القرطبي: «ولا يخطر ببالك أنه في هذه الأرض، بل في الأرض المبدلة: أرض بيضاء كالفضة، لم يسفك فيها دم، ولم يظلم على ظهرها أحد قط». تظهر لنزول الجبار جل جلاله لفصل القضاء. قال رحمه الله: «فقاتل الله المنكرين لوجود الحوض، وأخزهم أي حال بينهم وبين وروده يوم العطش الأكبر». الله يب الله مستعان. إلهنا سبحانك، الله يحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.