الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 53، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
النبي يحذر من الإساءة إلى المسلمين بغير حق ويتوعد من يفعل ذلك بعقاب يوم القيامة. كما يحرم الكلام في أعراض المسلمين إلا في حالات محددة في الشرع.
نهى النبي عن أخذ مال الغير أو متاعه بدون إذن، ويعتبر ذلك من المحرمات. الأصل في الأموال الحرمة، ولا يجوز أخذ مال الغير بدون إذنه وطيب نفسه.
يجب إعادة الشيء إلى صاحبه إذا أخذ بدون إذن، ويحرم التظاهر بامتلاك شيء ليس ملكا للشخص. لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه.
بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا أحمد بن عاصم، قال: حدثني حيوة، قال: حدثني بقية، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن وقاص بن ربيعة، عن المستورد بن شداد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل بمسلم أكلة، فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن كسي برجل مسلم، فإن الله عز وجل يكسوه من جهنم، ومن قام برجل مقام رياء وسمعة، فإن الله يقوم به مقام رياء وسمعة يوم القيامة». وهذا الحديث صحيح، الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة. وفيه توعد النبي عليه الصلاة والسلام بمن أساء إلى أخيه بأن تكلم عليه بغير حق، وقال فيه ما ليس فيه من أجل شيء من عرض الدنيا، فإنه يجازى بمثلها في جهنم. من أكل بمسلم أكلة، فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، والمراد أن يكون الإنسان صديقا لآخر، ثم يذهب إلى عدوه ويتكلم فيه بغير حق، فيقول: فلان فيه كذا وكذا وكذا، وهو كاذب، ويريد أن يتقرب إلى ذلك العدو، أو يعطيه ذلك العدو شيئا، مالا أو جاها أو منصبا أو غير ذلك من متاع الدنيا، فما أعطاه فإن الله جل وعلا يطعمه مثلها من جهنم، فإن أعطاه كثيرا فيكون عقابه كثيرا، وإن أعطاه شيئا يسيرا فكذلك يكون عقابه مثله في جهنم. وهذا دل على خطورة الكلام في أعراض المسلمين بغير حق، أو كذلك أن تستغل ما يكون بين اثنين من عداوة، فتميل إلى أحدهما، ثم تطعن في الآخر بغير حق، وتتهمه بما ليس فيه، كما قلنا تريد شيئا من متاع الدنيا، إما مالا وإما منصبا، بل ربما حتى يكون ثناء ومدحا، فتعاقب على ذلك يوم القيامة، فتكون هذه أكلة، ولو كانت معنوية، بأن تمدح وتثنى وتذكر وتشتهر، فإنك تعاقب على ذلك يوم القيامة. وهكذا إذا كانت الأكلة حسية من طعام أو مال أو منصب أو جاه، تريد من هذا العدو أن يعطيك شيئا من ذلك، فتطعن في الآخر، فهذا أمر خطير، وهذا الوعيد توعده النبي عليه الصلاة والسلام لمن فعل ذلك، فيحذر المسلم من أن يفعل شيئا من ذلك. قال: ومن كسي برجل مسلم، فإن الله عز وجل يكسوه من جهنم. وهذا أيضا بمعنى الأول، من كسي برجل مسلم، فإن الله عز وجل يكسوه من جهنم، فيتكلم على رجل ويتهمه بشيء ليس فيه من أجل أن يكسى شيئا، يكسى حلة أو ثوبا أو ساعة أو غير ذلك مما يكسى، فإن الله عز وجل يكسوه من جهنم، فيتخذ عرض المسلم وسيلة إلى شيء من أغراضه الدنيوية، فيعاقب على ذلك يوم القيامة. وإن نعلم أن الأصل في الأعراض الحرمة، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، قال عليه الصلاة والسلام: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه»، فعرض المسلم حرام، لا يحل إلا بشيء ثبت في الشرع، سواء كان الكلام فيه إن كان مما أجازه الشرع، فيجوز من باب التحذير أو النصيحة أو كذلك من باب التظلم أو إذا كان مجاهرا بفسق أو بباب الاستفتاء أو بطلب الإعانة في إزالة منكر، فلا بأس أن يذكر اسمه، وأما في غير ذلك فالأصل التحريم. قال: ومن قام برجل مقام رياء وسمعة، فإن الله يقوم به مقام رياء وسمعة يوم القيامة. وهكذا أيضا إذا قام يتكلم في إنسان مقام رياء، ماذا تعرف عن فلان؟ فيقوم حتى يتظاهر ويظهر أنه عنده شيء وأنه يعرف فلانا كذا وكذا وكذا، وكذب، فيقوم مقام رياء وسمعة، فإن الله عز وجل يقوم به مقام رياء وسمعة يوم القيامة، أي يفضحه الله سبحانه وتعالى ويرأى به يوم القيامة، ويجعله خزى وعارا عليه كما فعله في الدنيا. قال: باب ما لا يجوز من اللعب والمزاح. قال حدثنا عاصم بن علي، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن عبد الله بن السائب، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يأخذ أحدكم متاع صاحبه لاعبا ولا جادا، فإذا أخذ أحدكم عصا صاحبه فليردها إليه». الحديث حسن، العلامة الألباني رحمه الله. وفي هذا الحديث نهي النبي عليه الصلاة والسلام أن يأخذ الإنسان مال أخيه بغير حق وبغير إذن، لا يأخذ أحدكم متاع صاحبه لاعبا ولا جادا، لا تأخذه لاعبا يعني باب المزاح، تأتي وتأخذ عصاه أو تأخذ قلمه أو تأخذ دفتره أو تأخذ نظارته أو غير ذلك، أي شيء ولو كان شيئا تافها كقلم أو غير ذلك، لا يجوز أن تأخذه ولو كان من باب المزاح. ولا تأخذه كذلك من باب الجد، فإذا كان لا يجوز أن تأخذه لاعبا فبالأولى لا يجوز أن تأخذه جادا، فلا يجوز أن تمازح صاحبك بأن تأخذ شيئا من ماله، رغم أن تأخذ عمامته فتخفيها من باب اللعب والمزاح، ما يجوز، أو تأخذ كتابه فتخفيه أو قلمه أو غير ذلك، لا يجوز. قال: فإذا أخذ أحدكم عصا صاحبه فليردها إليه، إذا أخذتها فعليك أن تردها إليه، ولا تأخذ متاعه إلا بإذن منه، كما جاء في بعض الأحاديث الأخرى: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»، إلا بطيب نفس منه يأذن لك، أما تأخذه بغير إذن، لا يجوز ولو كان ولو كان بالمزاح واللعب، فهذا لا يجوز، لابد من طيب النفس والإذن في أخذ أموال الناس، لأنه كما ذكرنا أن الأصل في الأعراض الحرمة، فكذلك أيضا أن الأصل في الأموال هو الحرمة، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه.