الخطبة بعنوان أسباب رفع العقوبات، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٣ ذو الحجة ١٤٣٥هـ ألقاها
يذكر الخطيب أهمية التمعن في كتاب الله والاعتبار بقصص الأمم السابقة والعقوبات التي حلت بهم. يشير إلى أن الله يذكر هذه القصص ليعرف الناس أسباب العقوبات وكيفية رفعها.
يدعو الخطيب إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والعبادة لرفع العقوبات ويعدد أسبابًا لذلك منها الإيمان، طاعة الله ورسوله، والابتعاد عن الخصومات والتضرع والدعاء.
يجب على المسلمين الرجوع إلى الله وتحقيق تقوى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكثرة الاستغفار لإصلاح أنفسهم ومجتمعاتهم. هذه الأسباب تجعل الله يرفع العقوبات وينزل الرحمة.
ذكر عون بن عبد الله أن الفقهاء كانوا يتواصون بثلاث كلمات مهمة لتحسين العلاقة مع الله والناس، وهي تتعلق بإصلاح الآخرة والعلاقة مع الله وصلاح السريرة.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. إِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ النَاظِرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُتَفَكِّرًا مُتَدَبِّرًا لِمَا ذَكَرَهُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِنْ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي أَنْزَلَهَا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالْأُمَمِ السَابِقَةِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهَا، فَتَارَةً يَذْكُرُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَلِكَ الْأَمْرَ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، وَأُخْرَى عَلَى سَبِيلِ التَفْصِيلِ. ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلًا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾، ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذْ يَقُصُّ عَلَيْنَا قَصَصَ أُولَئِكَ وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ الْعُقُوبَاتِ، إِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ رَبُّنَا لَنَا لِأَجْلِ أَنْ نَعْتَبِرَ وَلِأَجْلِ أَنْ نَتَعِظَ، وَلِأَجْلِ أَنْ نَعْرِفَ أَسْبَابَ الْعُقُوبَاتِ، وَلِأَجْلِ أَنْ نَعْلَمَ كَذَلِكَ أَسْبَابَ رَفْعِ الْعُقُوبَاتِ وَدُعْهَا، فَإِنَّ الْأَمْرَ عَظِيمٌ وَالْأَمْرَ كَبِيرٌ. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ النَاظِرَ فِي الْأُمَّةِ الْيَوْمَ لَيَرَى مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ أَنْوَاعٍ مِنْ الْبَلَايَا وَالْعُقُوبَاتِ، لَيَرَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ حَالُ النَّاسِ الْيَوْمَ مِنْ تَفَرُّقٍ وَتَشَرُّدٍ وَمِنْ فِتَنٍ وَقَتْلٍ وَقِتَالٍ، إِنَّ الْأُمَّةَ الْيَوْمَ لَتَسِيرُ فِي طَرِيقٍ مُظْلِمٍ وَمُفْتَرَقٍ قَاتِمٍ. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الْأُمَّةَ بِأَحْوَجِ مَا تَكُونُ إِلَى أَنْ تَرْجِعَ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أَنْ تَرْجِعَ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، بِتَوْبَةٍ صَادِقَةٍ وَعِبَادَةٍ، لَعَلَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهَا مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ. ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّنَا بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ، وَلَا سِيَّمَا وَنَحْنُ نَعِيشُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَنَرَى وَنَسْمَعُ مَا حَلَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ الْعُقُوبَاتِ، بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَى أَنْ نَعْرِفَ أَسْبَابَ رَفْعِ الْعُقُوبَاتِ، لَعَلَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَرْفَعَ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، وَأَنْ يَكْشِفَ عَنَّا مَا حَلَّ بِنَا. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ أَسْبَابَ رَفْعِ الْعُقُوبَاتِ كَثِيرَةٌ وَكَثِيرَةٌ ذَكَرَهَا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وَذَكَرَهَا كَذَلِكَ لَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَّتِهِ الْمُطَهَّرَةِ، مِنْ ذَلِكُمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ: الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالتَصْدِيقُ بِوَعْدِ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَاصِرٌ عِبَادَهُ، وَمُنْجٍ مَنْ اتَّقَاهُ وَخَافَهُ. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فَاللَّهُ جَلَ وَعَلَا يَنْصُرُ أَهْلَ الْإِيمَانِ، وَيُنَجِّيهِمْ مِنْ أَنْوَاعٍ مِنْ الْفِتَنِ وَالْبَلَايَا، وَيَرْفَعُ عَنْهُمُ الْعُقُوبَاتِ بِرُجُوعِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. وَمِنْ ذَلِكُمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ: أَنْ يُحَقِّقَ الْعَبْدُ الطَاعَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنْ يَبْتَعِدَ غَايَةَ الْبُعْدِ عَنْ الْخُصُومَاتِ وَالنِّزَاعَاتِ، وَلَا سِيَّمَا مَا فِي الدِّينِ. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَابِرِينَ﴾. رَوَى الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ»، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا: ﴿وَمَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. عِبَادَ اللَّهِ، وَمِنَ الْأَسْبَابِ، وَمِنَ الْأَسْبَابِ أَيْضًا الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَسْبَابًا لِرَفْعِ الْعُقُوبَاتِ: أَنْ يَرْجِعَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالتَضَرُّعِ، بِالتَضَرُّعِ وَالدُّعَاءِ وَالْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا. ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. عَلَيْنَا أَنْ نَتَضَرَّعَ إِلَى اللَّهِ، عَلَيْنَا أَنْ نَرْجِعَ إِلَى اللَّهِ، أَنْ نَرْفَعَ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، فَإِنَّ الْعُقُوبَاتِ لَا تَرْفَعُ إِلَّا مِنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَيَرْفَعُهَا اللَّهُ جَلَ وَعَلَا بِأَسْبَابٍ، وَمِنْهَا التَضَرُّعُ. ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. عِبَادَ اللَّهِ، وَمِنَ الْأَسْبَابِ أَيْضًا الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَسْبَابًا: تَحْقِيقُ تَقْوَى اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، تَحْقِيقُ تَقْوَى اللَّهِ جَلَ وَعَلَا فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. الْأَمْرُ مِنْ اللَّهِ وَإِلَيْهِ، لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. عِبَادَ اللَّهِ، وَمِنَ الْأَسْبَابِ أَيْضًا الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ جَلَ وَعَلَا أَسْبَابًا: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ، بَلْ مَا حَازَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْخَيْرِيَّةَ إِلَّا بِهَذَا الْأَمْرِ. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. قَالُوا: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ، أَيْ: نَرْجُو وَنَطْلُبُ الْمَعْذِرَةَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا مِنْ الْأَسْبَابِ فِي نَجَاةِ أُولَئِكَ وَعَدَمِ نُزُولِ الْعُقُوبَاتِ عَلَيْهِمْ. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الْأَسْبَابَ كَثِيرَةٌ، فَيَنْبَغِي لَنَا جَمِيعًا أَنْ نَعْلَمَهَا وَأَنْ نَعْمَلَ بِمُقْتَضَاهَا. أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. عِبَادَ اللَّهِ، وَمِنْ أَسْبَابِ رَفْعِ الْعُقُوبَاتِ أَيْضًا وَدُعْهَا: كَثْرَةُ الِاسْتِغْفَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى أَنْ نُكْثِرَ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالتَّوْبَةِ مِنْ الْعُيُوبِ وَمَا أَكْثَرَهَا. وَمِنْ ذَلِكُمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ: أَنْ نَسْعَى جَادِّينَ فِي إِصْلَاحِ أَنْفُسِنَا أَوَّلًا بِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، فَإِنَّنَا إِذَا أَصْلَحْنَا أَنْفُسَنَا أَصْلَحَ اللَّهُ لَنَا مُجْتَمَعَاتِنَا، وَغَيَّرَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا أَحْوَالَنَا. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ. ثَبَتَ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَحَثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْفُقَهَاءُ أَي: مِنَ التَابِعِينَ، وَقَبْلَهُمْ كَانَ الْفُقَهَاءُ يَتَوَاصَوْنَ بِثَلَاثِ كَلِمَاتٍ، وَيُكْتَبُ بِهَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَالَ: وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللَّهُ لَهُ دُنْيَاهُ، وَمَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَصْلَحَ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ لَهُ عَلَانِيَتَهُ. فَمَا أَحْوَجَنَا يَا عِبَادَ اللَّهِ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَنْ نَتَوَاصَى بِهَا وَأَنْ نَعْمَلَ بِمُقْتَضَاهَا. فَأَسْأَلُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَكْشِفَ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْفِتَنِ، إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ. وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.