التعليق على الجواب الكافي 157

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 157، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم المحبة والخلة في الإسلام

يشرح الفرق بين المحبة والخلة، حيث أن المحبة عامة وتقبل الاشتراك بينما الخلة خاصة ولا تقبل الاشتراك. يستدل بالقرآن والسنة لتوضيح أن الخلة منزلة أعلى من المحبة ولا تُنال إلا لقلة مختارة من الأنبياء.

حلاوة الإيمان ومحبة الله

يشرح معنى حلاوة الإيمان ومحبة الله، ويبين أن تقديم محاب الله على محاب غيره دليل على قوة الإيمان. كما يشير إلى أن قوة الإدراك وشجاعة القلب ضروريتان لتحقيق محبة الله عز وجل.

حماية الله لعبده المؤمن

يشرح كيف يحمي الله عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي الإنسان مريضه من الماء، ويبين أن الحب الإلهي يؤدي إلى حماية العبد من الاغترار بالدنيا. كما يوضح أن الإيمان القوي يمكن العبد من تقديم طاعة الله على شهواته.

حكم الترك وعلاقته بالأسباب

يشرح أن الترك قد يكون وجودياً إذا كان بسبب مانع، وقد يكون عدمياً إذا لم يكن هناك سبب مقتضٍ للفعل. يُعتبر الترك وجودياً إذا وُجد سبب مانع، وعدميا إذا لم يتبين السبب المقتضي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، بعد أن تكلم على أنواع المحبة، قال: فصل. وأما ما يظنه بعض الغالطين أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله ومحمد حبيب الله، فمن جهله. فإن المحبة عامة والخلة خاصة، والخلة نهاية المحبة؛ لأن الخلة مرتبة لا تقبل الاشتراك، فلهذا اتخذ الله عز وجل نبيه إبراهيم، وكذلك محمدا اتخذهما خليلين. والنبي عليه الصلاة والسلام اتخذ ربه خليلا، قال: «لو كنتم اتخذتم من البشر خليلا لاتخذت أبا بكر، أو من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر، لكن صاحبكم خليل الله». فقال: وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله اتخذه خليلا، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، غير ربه جل وعلا، مع إخباري بمحبتي لعائشة ولأبيها ولعمر بخطاب وغيرهم. فالمحبة تقبل الاشتراك، أما الخلة لا تقبل الاشتراك، فلهذا قال: «لو كنتم اتخذتم من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر، لكن صاحبكم خليل الله». قالوا أيضا: معنى «لا يشككن مثلا» قول بعض الصحابة كأبي هريرة وابن عباس، لما يقولون: «أحدثني خليلي»، أنا خليلهم بالنسبة لهم، أنه خليل له، نتخذوه خليلا، أي: لا يحبون أحدا من البشر مثلا. رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالوا أيضا: فلا بأس أن الإنسان كلما زادت محبته لله اتخذ الله عز وجل خليلا، أي: هو نفسه الإنسان يتخذ الله عز وجل خليلا، فلا يذكر إلا الله، فيكون قلبه مشغولا بالله، لا يذكر إلا الله جل وعلا، ويذكر الله عز وجل حتى في الأماكن أو في المهمات العظيمة، وفي انشغال القلب، فتجده ما يذكر إلا الله، ولا يجد معينا له إلا الله. ولهذا الله عز وجل قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾، إذا أردتم النصر فاجعلوا الله عز وجل في قلوبكم في تلك الأماكن العظيمة التي لا يذكر فيها إلا من هو مهم. ولهذا جاء في شعر ذاك الجاهلي أنه ذكر لمحبوبته أنه ذكرها في وقت الرباح، في حال الرماح، ولقد ذكرتك في حال الرماح، أنا في وقت الحرب والناس يتقاتلون ذكرها، وهذا لأنه مشغول بها. فهذا العبد المحب لله والذي جعل الله عز وجل أحب شيء في قلبه، فإنه يذكر الله عز وجل في مثل هذه الأماكن. قال: وأيضا فإن الله سبحانه يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الصابرين، ويحب المحسنين، ويحب المتقين، ويحب المقسطين، وهذه كلها آيات القرآن، معنى أنه يحب هؤلاء، فمعنى ذلك أن المحبة تكون لكثير من الناس، لكن الخلة لم يذكرها ربنا جل وعلا إلا لإبراهيم، وذكرها النبي عليه الصلاة والسلام له، قالوا: خلته خاصة بالخليلين. والشاب التائب حبيب الله. قال: وإنما هذا من قلة العلم والفهم عن الله ورسوله، عن التفريق أو عدم التفريق بين المحبة والخلة. قال: وقد تقدم أن العبد لا يترك ما يحبه ويهوى إلا لما يحبه ويهوى، لكن يترك ضعفهما محبة لأقواهما محبة، كما أنه يفعل ما يكره لحصول ما محبته أقوى عنده من كراهة ما يفعله، أو لخلاص مكروه كراهته عنده أقوى من كراهة ما يفعله. ولهذا جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»، أي: أنه يقدم محاب الله عز وجل على محاب غيره، يقدم محاب الله على محاب غيره، فهذا دليل على المحبة ودليل على الإيمان وقوته. وأما إن كان لا يقدم بل قد يقدم مثلا محبة أو ما يشتهي أولاده أو ما تشتهي زوجته أو غير ذلك يقدمه على محبة الله عز وجل، فهذا يقلل في محبته لله، وأنه قد يكون أنه لم يدق حلاوة الإيمان التي هي محبة الله عز وجل، وعدم تقديم ما يحبه الله على ما يحب غيره. قال: لكن وهذا معنى الكلام الذي ذكره هنا، وكذلك أيضا: «وأن يكره أن يقع في الكفر بعد أن هداه الله، أو أن يلقى في النار كما يكره أن يقذف في النار». قال: تقدم أن خاصية العقل إيثار أعلى المحبوبين على أدناهما، وأيسر المكروهين على أقواهما. وتقدم أن هذا كمال قوة الحب والبغض، ولا يتم له هذا إلا بأمرين: قوة الإدراك، وشجاعة القلب. قوة الإدراك أي إدراك ما يصلح إليه وما يذهب إليه. قال: فإن التخلف عن ذلك والعمل بخلافه يكون إما لضعف الإدراك، بحيث أنه لم يدرك مراتب المحبوب والمكروه على ما هي عليه، أنا لا يفرق بين محبة الله عز وجل ومحبة غيره، وأيضا لا يقدم محاب الله عز وجل على محاب غيره. معنى مثل ما يحصل الآن في كثير من معنى أكثر الناس على هذا، إلا من رحم الله، فتجدوا لا يبالي ولا يدرك هذا الأمر، أنه يجعل محاب الله عز وجل أعظم من محاب غيره، فيقدمها، يقدم محبة ما يكون في محاب الله عز وجل، يقدمها على محاب غيره. قال: وإما لضعف في النفس وعجز في القلب، لا يطاوعه لإيثار الأصلح له، ما علمه بأنه الأصلح. فإذا صح إدراكه وقويت نفسه وتشجع القلب على إيثار المحبوب الأعلى والمكروه الأدنى، فقد وفق لأسباب السعادة، وهذا محقق الإيمان ومحقق محبة الله عز وجل، فتجتمع وتستوي أو تجتمع عليه، كما قلنا، خيار وليس اضطراب، على أنه قلبه يختار إما أن يؤدي ما يحب الله عز وجل أو يؤدي ما يحبه أولاده أو زوجته أو أحد المخلوقين، فهنا المحك، إن كان اختار ما يحبه الله فهذا لإيمانه ولقوة إيمانه، وأما إن اختار ما يحبه هذا المخلوق فهذا لضعف إيمانه، لضعف إيمانه، فهو الذي جعله يختار هذا. أحيانا تأخذه الشفقة، أحيانا تأخذه مثلا شيء من أغراض الدنيا وغيرها من هذه الأمور، أو أحيانا تأخذه مثلا محبته المفرطة لأولاده أو لزوجته، وكذا فيقدم محاب هؤلاء على محاب الله عز وجل. أحيانا إذا ضعف اليقين عنده حتى أنه يرتكب المحرم لأجل أولاده ولأجل زوجته أو لأجل أحد المخلوقين، يكون مثلا يعمل عنده أو كذا. قال: فمن الناس من يكون سلطان شهوته أقوى من سلطان عقله وإيمانه، فيقر الغالب الضعيف. ومنهم من يكون سلطان إيمانه وعقله أقوى من سلطان شهوته، أنه فيقدم إيمانه وعقله. كما قال الله عز وجل في يوسف عليه السلام لما رأى برهان ربه، معنى لما رأى برهان ربه، قيل: أنه الإيمان الذي في قلبه، فصرفه ذلك عن المعصية، صرفه ذلك عن المعصية، «ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه»، كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء، إنه من عبادنا المخلصين. فهو يحميه الله عز وجل من هذه الشهوات. وكما جاء في حديث قتادة بن النعمان أخي أبي سعيد من أمه، رجعوا الإمام الترمذي بإسناد صحيح، أن قتادة بن النعمان قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ليحمي عبده المؤمن كما يحمي أحدكم مريضه من أن يسقيه الماء»، كما يحمي أحدكم مريضه أن يسقيه الماء، أنا إذا قيل له أن الماء يضره، فمعنى أن الماء أحب الأشياء إلى الإنسان، ولا يستطيع أن يتركها، لكن لأجل أنه مريض فيحميه، معنى محبة عن أن يشرب هذا الماء أو لا يعطيه شيئا من الماء ويمنعه. وكذلك رب العزة سبحانه وتعالى، فإنه من محبته لعبده أنه يحميه من الدنيا، حتى لو جاءته الأموال وجاءته الدنيا إلى عنده، فإنه يحميه منها، فلا يجعله يغتر بها، لأن الله عز وجل أحبه، أن الله إذا أحب عبدا حماه من الدنيا. قالوا: إذا كان كثير من المرضى يحميه الطبيب عما يضره، فتعب عليه نفسه وشهوته، إلا تنازله، يقول له: لا تفعل كذا، لا تأكل كذا، لا تشرب كذا، لكن شهوته تأزه إلى أن يأكل هذا الشيء، ويقول له: هذا ما يعرف مصلحتي أو كذا. قالوا: يقدم شهوته على عقله، وتسميه الأطباء عديم المرؤة، فهكذا أكثر مرضى القلوب يؤثرون ما يزيد مرضهم لقوة شهوتهم له، أنا يرى هذا قلب المؤمن، أنه أو أن شهوته تمشيه، إذا كان لا يكون على ما هو عليه من الإيمان، ويقدم إيمانا، فإذا قدم شهوته فمعنى ذلك أن شهوته تسوقه، فيقدمها في أكثر المواقف، وهذا يدل على أنه غلبته شهوته، ليس إيمانه. وأما إذا كان يقدم إيمانه على شهوته، فهذا الإيمان غلب وقوى في قلبه. قال: فأصل الشر من ضعف الإدراك وضعف النفس ودناءتها، وأصل الخير من كمال الإدراك وقوة النفس وشرفها وشجاعتها. قال: فالحب والإرادة أصل كل فعل مبدأه، والبغض والكراهة أصل كل ترك ومبدأه، وهاتان القوتان في القلب أصل سعادة العبد وشقاوته. ووجود الفعل الاختياري لا يكون إلا بوجود سببه من الحب والإرادة، هذا الفعل الاختياري الذي ليس الفعل الاضطراري الذي يضطر إليه الإنسان، ولا يجد حيلة غيره، وإنما المراد به الفعل الاختياري الذي يكون فيه اختياره، إما يفعل كذا وإما يفعل كذا، ليس إلزاما، لكنه يختار الذي هو أقوى في محبته، إن كان شهوته قويت عليه اختار الشهوة، وإن كان محبة الله عز وجل قويت في قلبه اختار الإيمان، وكذلك اختار محبة الله جل وعلا. فلهذا قال: وجود الفعل الاختياري لا يكون إلا بوجود سببه من الحب والإرادة. وأما عدم الفعل، فتارة يكون لعدم مقتضيه وسببه، قد يكون يترك الشخص شهوته ليس لأجل أنها لله عز وجل أو أنه محبة لله، وإنما قد يكون لعدم مقتضيه وسببه، معنى إما أن يخاف من شيء يقتضي أو عاقبة هذه الشهوة، أو هناك سبب يمنعه. وتارة يكون لوجود البغض والكراهة المانع منه، وهذا متعلق الأمر والنهي، وهو الذي يسمى الكف، وهو متعلق الثواب والعقاب، إن كف لأجل الله فهو يثاب على هذا الكف، وإن كف ليس لأجل الله فهو لا يثاب، لكن ربنا جل وعلا كريم، قد يثيبه على ذلك. لكن الذي جاء في الحديث أنه إن ترك، قال الله عز وجل، كما في حديث أبي هريرة في الصحيح البخاري، قال: «إنما تركها من جرائي». ما في حديث ابن عباس: «من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة». فقال الله عز وجل: «إنما تركها من جرائي»، تركها من جرائي، أي: لأجل تركها، فلهذا أثابه الله عز وجل. وأما إذا تركها لخوف الأسباب أو لأجل شيء ما نعمنعه، فإنه لا يثاب على ذلك. قالوا: بهذا يزول الاشتباه في مسألة الترك: هل هو أمر وجودي أو عدمي؟ وهذه من مسائل أهل المضطق. قالوا: التحقيق أنه قسمان، فالترك المضاف إلى عدم السبب المقتضى عدمي، والمضاف إلى السبب المانع من الفعل وجودي، أن الذي وجد فيه سبب مانع، فهو يعتبر موجود أو ترك وجودي. وإذا لم يتبين السبب المقتضى، فهو يعتبر ترك عدمي.