التعليق على مذكرة أحكام الصيام 50

الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 50، ألقاها

أحكام الصيام ومكروهاته

يناقش هذا الفصل حكم صيام الدهر، حيث يُعتبر مكروهًا لما فيه من مشقة وتعب، وقد ورد النهي عن ذلك في السنة النبوية. يُشدد على أهمية الاقتصاد في العبادة وتجنب الإفراط.

فضل القرآن وخصائص نزوله

يُسلط هذا الفصل الضوء على فضل القرآن الكريم وخصائص نزوله، مشيرًا إلى نزوله في أفضل الشهور والأوقات وعلى أفضل الأمة. كما يُبرز أهمية العمل الصالح وإن قل.

مكانة أهل القرآن والاعتناء به

يتناول هذا الفصل فضل أهل القرآن ومكانتهم العالية عند الله، حيث يُعتبرون من أفضل خلق الله. كما يشدد على أهمية الاعتناء بكتاب الله من خلال حفظه وتلاوته وتعلمه وتعليمه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ محمد عبد الوهاب الوصابي رحمه الله في كتابه مذكرة في أحكام الصيام: قال الفائدة الثالث عشر، حكم صيام الدهر. صيام الدهر يعني السنة كلها. قال إمام الترمذي في سننه، بعد أن أسند حديثًا بقَتادة، أي بعد أن ذكره بسنده الذي رواه مسلم: قيل يا رسول الله، كيف بمن صام الدهر؟ قال: «لا صام ولا أفطر»، أو «لم يصم ولم يفطر». لا صام ولا أفطر، المعنى أنه إن صام الدهر كله لا يكون عنده ما يكون عند الصائم من الرغبة في الفطر والأكل والشرب وإتيان المباحات؛ لأنه إذا تعود على الصيام أصبح في نفسه يعلم أنه ما سيستبيح شيء من المباحات، فلا يتحقق حينئذ ما يكون في صيام المسلم حين يصوم ويترك المباحات وهو راغب فيها. قال ترمذي: وفي الباب عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الشخير، وعمران بن حسين، وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم. وقد كره قوم من أهل العلم صيام الدهر، وأجازه قوم آخرون، وقالوا: إنما يكون صيام الدهر إذا لم يفطر يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق، فمن أفطر هذه الأيام فقد خرج من حد الكراهية، ولا يكون قد صام الدهر كله. هكذا روي عن مالك بن أنس، وهو قول الشافعي. وقال أحمد وإسحاق نحوا من هذا. وقال -أي أحمد وإسحاق-: لا يجب أن يفطر أيامًا غير هذه الخمسة الأيام -يعني يوم الفطر، ويوم الأضحى، وثلاثة أيام التشريق التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها- يوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق. والصحيح أن صيام الدهر مكروه، سواء أفطر هذه الأيام -يعني لو أفطر الأيام الخمسة- فهو أيضًا مكروه، ولو صام هذه الأيام لكان محرمًا؛ وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أنكر على عبد الله بن عمر صيامه الدهر لما بلغه أنه يصوم الدهر، يصوم النهار كله كل يوم. قال: «بلغ لي أنك تصوم الدهر وتقوم كل ليلة؟» قال: نعم. قال: «لا تفعل»، أو «تقرأ القرآن كل ليلة؟» قال: «لا تفعل». «فصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فإنه صيام الدهر». قال: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصوم يومين وأفطر يومًا». قال: أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصوم يومًا وأفطر يومًا، هذا صيام داود، وهو أعدل الصيام». قال: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «لا أفضل من ذلك، لا أفضل من صيام داود». وأنكر عليه صيامه الدهر، دل هذا على أنه يكره، وهذا هو الصحيح أنه مكروه وإن أفطر الأيام الخمسة، فصيام الدهر مكروه؛ لماذا؟ لأن فيه تعب ومشقة وإضعاف للنفس، وفيه أيضًا شيء من معنى التبتل المنهي عنه، وهو الانقطاع بالعبادة وترك المشاغل، وهذا منهي عنه؛ فلهذا أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتصد في صيامه. حتى إن عبد الله بن عمر بعد أن كبر ندم، وقال: ليتني أخذت برخصة النبي عليه الصلاة والسلام، فعمل قليل يداوم عليه الإنسان خير من أن يجهد نفسه بعمل كبير وكثير ثم ينقطع عنه ويعجز عن فعله. ولهذا كان حب العمل إلى الله عز وجل أدومه وإن قل؛ كما قال ﴿عَائِشَةَ﴾ رضي الله عنها: «أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل»، يعني يداوم عليه الإنسان وإن كان قليلًا، هذا خير من العمل الكثير الذي يعمله الإنسان ثم ينقطع عنه. قال رحمه الله: الفائدة الرابع عشر، القرآن الكريم. قال أولًا: أنزل الله أفضل كتبه القرآن الكريم؛ فالقرآن أفضل الكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى، وهو ناسخ للكتب السابقة ومهيمن عليها، كما قال الله عز وجل: ﴿أَنزَلَ عَلَيكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَينَ يَدَيهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيمنًا عَلَيهِ﴾، فهو آخر الكتب المنزلة وأفضلها. قال ثانيًا: على أفضل رسله محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي أنزل الله عز وجل أفضل هذه الكتب وهو القرآن على أفضل الرسل والأنبياء وهو محمد عليه الصلاة والسلام. ثالثًا: في أفضل شهر شهر رمضان؛ أي أنزل الله عز وجل في شهر رمضان، وهو أفضل الشهور، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن. قال رابعًا: في أفضل عشر العشر الأواخر منه؛ أنزل الله عز وجل في العشر الأواخر؛ لأنه أنزل في ليلة القدر، وليلة القدر في العشر الأواخر. قال خامسًا: في أفضل ليلة ليلة القدر، وكانت في ذلك العام ليلة أربع وعشرين. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنزَلناهُ في لَيلَةِ القَدرِ﴾، وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلناهُ في لَيلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾. قال سادسًا: في أفضل بقعة مكة المكرمة. سابعًا: بأفضل لغة اللغة العربية؛ أي جعل الله عز وجل هذا القرآن عربيًا: ﴿إِنَّا جَعَلناهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا﴾، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبينٍ﴾. قال ثامنًا: بأفضل وأعظم دين دين الإسلام؛ فهو أفضل الأديان وناسخ للأديان السابقة: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسلامُ﴾، فلا يقبل الله عز وجل دينًا غير دين الإسلام. قال تاسعًا: على أفضل أمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ﴾. عاشرًا: في أفضل قرن الصحابة رضي الله عنهم؛ يعني في قرن الصحابة. قال رسول صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». فأنزل الله عز وجل القرآن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام الذي كان فيه الصحابة رضي الله عنهم. قال الحادي عشر: بواسطة أفضل ملك جبريل عليه الصلاة والسلام؛ كما قال جل وعلا: ﴿نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأَمينُ عَلى قَلبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَقَولُ رَسولٍ كَريمٍ ذي قُوَّةٍ عِندَ ذي العَرشِ مَكينٍ﴾. قال: إذا أحب الله عبدًا، وإذا أبغض الله عبدًا نادى جبريل: «يا جبريل» -يعني يشير إلى الحديث الذي جاء في الصحيحين مثل بهريرة-: «أن الله عز وجل إذا أحب عبدًا نادى جبريل: يا جبريل، إنه يحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبه، فيحب أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض الله عبدًا نادى جبريل: إني أبغض فلانًا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضه، فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض». الشاهد منه أن الله عز وجل ينادي جبريل، وخصه من بين سائر الملائكة؛ لأنه أفضلهم وأشرفهم، ولذلك اختاره الله جل وعلا لإنزال الوحي، ويكون واسطة بينه وبين رسله من أهل الأرض. قال الثاني عشر: وجعل أهل القرآن أفضل خلقه؛ «إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه»، بشير حديث عثمان رضي الله عنه في البخاري: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». فجعل الله عز وجل الخيرية والأفضلية في أهل القرآن؛ فيمن تعلمه وعلمه غيره. والمراد بتعليمه ليس فقط تعليم حروفه وقراءته وتلاوته، بل أيضًا تعليم أحكامه، تفسيره ومعانيه. قال الثالث عشر: بل جعلهم أهله وخاصته؛ «أهل القرآن أهل الله وخاصته»، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والنسائي وغيرهم من حديث أنس رضي الله عنه: «إن لله أهلين من الناس». قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته»، يعني المقربون عند الله جل وعلا، وأخص الناس بالله، وأقرب الناس إلى الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لما تعلموا من كتاب الله جل وعلا، واعتنائهم به، وتلاوتهم لكتاب الله ولكلام الله؛ فكانوا من أخص خلق الله جل وعلا بالله سبحانه وتعالى. قال الرابع عشر: وجعل القارئ للقرآن الماهر به مع السفرة الكرام البررة؛ كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به» -يعني ماهر في تلاوته وقراءته- «مع السفرة الكرام البررة» -أي الملائكة في الدرجات العالية- «والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق» -يعني يقرأه بمشقة، ويتحرف ألفاظه بتعب- «فله أجران: أجر القراءة وأجر المشقة». ففي هذا فضيلة لقارئ القرآن الماهر بقراءته؛ أنه مع السفرة الكرام البررة، الملائكة الذين هم سفراء الله جل وعلا إلى خلقه. قال الخامس عشر: بل جعلهم أئمة المسلمين في مساجدهم وصلواتهم؛ أي أهل القرآن وحملة القرآن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله». والحديث في الصحيحين، حديث ابن مسعود البدري رضي الله تعالى عنه: «يؤم القوم» -يعني يتقدمهم ويصلي بهم- «أقرأهم لكتاب الله»، الأقرأ يعني الأحفظ، والأحسن تلاوة؛ فإنه أحق بالإمامة؛ هذا إذا لم يوجد إمام راتب، أما إذا كان هناك إمام راتب فهو أولى، وإن كان دونه في القراءة والحفظ؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه». فهذه بعض فضائل القرآن، وإلا فضائله كثيرة. وهذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي للمسلم أن يعتني بكتاب الله جل وعلا حفظًا وتلاوة ودراسة وتعلمًا وتعليمًا؛ حتى ينال هذه الأجور العظيمة. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن وأهل الله وخاصته. طيب الله أوقاتكم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على