الدرس في التعليق على الجواب الكافي 156، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول ابن القيم أربعة أنواع من المحبة: محبة الله، محبة ما يحبه الله، الحب لله، والمحبة مع الله. هذه الأنواع تميز بين المحبة النافعة والضارة.
شرح مراتب المحبة، حيث تطرق للمحبة الطبيعية ومفهوم الخلة كأعلى مرتبة، واستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وقصة إبراهيم وابنه إسماعيل.
شرح قصة إبراهيم وذبح ابنه كامتحان لطاعة إبراهيم ومحبته لله، موضحا أن الخلة أعلى من المحبة وأن إبراهيم ومحمد هما الخليلان لله.
انتقد بعض معتقدات التصوف، مثل اعتبار مرتبة المحبة أعلى من الخلة، معتبرا هذا الفهم خاطئا وفقا لرأي ابن قيم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل، أنواع المحبة. قال: وها هنا أربعة أنواع من المحبة يجب التفريق بينها، وإنما ضل من ضل بعدم التمييز بينها. قال: أحدها محبة الله، ولا تكفي وحدها في النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه، فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله. فيقول: أحدها محبة الله، ومحبة الله وحدها لا تكفي. فالنصارى تدعي محبة الله، بل يعتقدون ذلك، كذلك اليهود، كذلك أيضا كثير من المشركين أيضا يحبون الله، كما في تفسير الآية: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾، أي كما يحب أهل الإيمان، أو أهل الشرك يحبون الله، لكنهم يحبون آلهتهم أكثر. وأهل الإيمان أشد حبا لله عز وجل من المشركين. الثاني: محبة ما يحبه الله، وهذه هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر. وأحب الناس إلى الله أقوام أحبوا بهذه المحبة، وأشدهم فيها محبة ما يحبه الله، أنا محبة ما شرعه الله عز وجل. فإذا كره ما شرع الله عز وجل فهو منافق، أنا إذا أبغض شيئا مما جاء به الله أو جاء به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يعلم أنه من شرع الله ويكره ذلك ويبغضه، فهذا ليس من أهل الإسلام، وهذا هو حال أهل النفاق. فلهذا قال المؤلف رحمه الله: فمحبة ما يحب الله هي التي تدخله الإسلام. وقد يحب المرء الله عز وجل، لكنه لا يحب ما يحبه الله، فهذا لا تنفعه محبة الله بذاتها. قال: ثالثها: الحب لله وفيه، وهي من لوازم محبة ما يحبه الله، ولا يستقيم محبة ما يحبه الله إلا بالحب فيه وله أيضا، هذه منزلة عظيمة، وهي التي تبلغ العبد كمال الإيمان. وهذا يدل على أن أس العبد وأصله هو المحبة، فلهذا فالمحبة قد تكون شركا، أو قد تكون لا تنفع المسلم، وهو محبة الله دون محبة ما يحبه الله، أي لا تنفع الشخص، معنى قد يكون مشركا وهو يحب الله. وأيضا إذا كان أحب ما أحبه الله فإن هذا الذي يدخله الإسلام ويخرجه من الكفر. وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة. وأيضا ما يقوم بهذه المحبة هو الحب لله وفيه، فهي من لوازم محبة ما يحبه الله. فإن العبد إذا أحب ما يحبه الله، فمن ذلك أنه يحب لله وأيضا يحب فيه. قالوا: لا تستقيم محبة ما يحبه الله إلا بالحب فيه وله، فهذه الثلاث متلازمة، ومن كملها كمل الإيمان. الرابع: المحبة مع الله، وهي المحبة الشركية. وكل من أحب شيئا مع الله، أي من باب التعظيم، ودل أنا محبة مع تعظيم ودل، فهذا يعتبر شرك. قالوا: كل من أحب شيئا مع الله لا لله ولا من أجله ولا فيه فقد اتخذه ندا من دون الله، وهذه محبة المشركين. قالوا: بقي قسم خامس ليس مما نحن فيه، وهو المحبة الطبيعية، وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه، كمحبة العطشان للماء، والجائع للطعام، ومحبة النوم، ومحبة الزوجة والولد. فتلك لا تذم إلا إذا ألهت عن ذكر الله وشغلت عن محبته، كما قال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم وأولادكم عن ذكر الله﴾. وقال جل وعلا أيضا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذرهم﴾. وقال تعالى: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾، أي لا تلهيهم شيء من هذه الأشياء التي يحبونها، فهي محبة طبيعية، لكن إن شغلت عن واجب تكون محرمة. وقد يؤجر عليها الإنسان. ولهذا فمثلا محبة الأولاد هي من الرحمة التي وضعها الله عز وجل في قلوب عباده. فصل، كمال المحبة. قال: ثم الخلة، وهي تتضمن كمال المحبة ونهايتها. وهذا أيضا قول الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وجماعة من أهل العلم على أن الخلة هي أعلى مراتب المحبة. قال: بحيث لا يبقى في القلب سعة لغير محبوبه، وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه ما، أنا لا يكون في قلبي رجل خليلان، وإنما خليل واحد. قال: وهذا المنصب خاص للخليلين صلوات الله وسلام عليهما إبراهيم ومحمد، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا». وفي الصحيحين عنه، أو في صحيح مسلم، شاء من حديث جندب بن عبد الله البجلي قال: «لو كنتم متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله». معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ربه جل وعلا خليله، والله عز وجل أيضا جعله خليلا له. فلهذا فمرتبة الخلة مرتبة عظيمة لا يشارك فيها أحد، لأنها تملأ القلب. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنتم متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله». قالوا: في حديث آخر: «إني أبرأ إلى كل خليل من خلته». وأيضا هو في صحيح مسلم من حديث عبد الله، وأخرج البخاري نحوه، وجاء من حديث ابن عباس أيضا في البخاري نحو هذا: «إني أبرأ إلى كل خليل من خلته»، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ ربه جل وعلا خليلا. قالوا: لما سأل إبراهيم عليه السلام الولد فأعطيه، وتعلق حبه بقلبه، فأخذ منه شعبة، غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره، فأمره بذبحه. انظر إلى هذا الاستنباط العظيم الذي يذكره الإمام ابن القيم رحمه الله. معنى لماذا جعل الله عز وجل إبراهيم خليله؟ لما كان لإبراهيم ولد وهو إسماعيل، تعلق قلبه بإسماعيل، فلهذا الله عز وجل امتحنه فيه، فأمره بذبحه: ﴿إني أرى في المنام أني أدبحه﴾، أنا يرى ويمتحن ربنا جل وعلا نبيه وعبده وخليله إبراهيم، يرى هل استجيب لأمر الله عز وجل في كل شيء حتى في هذا الأمر، وهذا البلاء والامتحان العظيم، فأمره بذبح ابنه. قال: وكان الأمر في المنام ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء وامتحان. ﴿إني أرى في المنام أني أدبحه﴾، فانظر ماذا ترى؟ قال: ذلك الولد الطائع لله، وهو يعلم أن هذا أمر الله، فقال: «يا أبت افعل ما تؤمر»، عن الذي أمرك الله عز وجل به، ففعله. قال: فلما بادر الخليل عليه الصلاة والسلام إلى الامتثال، وقدم محبة الله عز وجل على محبة ولده، حصل المقصود، أنا لما عزم على ذبحه، فهذا هو الذي أراده الله عز وجل من إبراهيم، أنه ينفذ الأمر فقط. فلما رآه نفذ أمره، فلم يجعله يذبح، وأخرج له العجل. قال: ولم يكن الأمر في المنام ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء، ولم يكن المقصود ذبح الولد، ولكن المقصود ذبحه من قلبه ليخلص القلب للرب. فلما بادر الخليل عليه الصلاة والسلام إلى الامتثال، وقدم محبة الله على محبة ولده، حصل المقصود، فرفع الذبح، وفدى الولد بذبح عظيم. وفديناه بذبح عظيم، أخرج الله عز وجل له عجلا فذبحه. قال: فإن الرب تعالى أمر بشيء ثم أبطله رأسا، بل لابد أن يبقى بعضه، وبدله كما أبقى شريعة الفداء، وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة، وكما أبقى الخمس الصلوات بعد رفع الخمسين. أن هذه الأشياء ما نسخت، لكن بقيت، معناه بقيت للإباحة. وهذا يريد أن يقرر مسألة وهو أن المنسوخ لا بد أن ينسخ إلى بدل، المنسوخ ينسخ إلى بدل، إما بدل مثله أو إلى أعلى منه، أو أحيانا تقتضي المصلحة إلى دونه. قالوا: كما أبقى استحباب الصدقة بين يد المناجاة، وكما أبقى الخمس الصلوات بعد رفع الخمسين، وأبقى ثوابها. وقال: «لا يبدل القول لدي»، هي خمس في الفعل، وهي خمسون في العجر. وهذا الحديث في حديث الإسراء والمعراج، وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس. فهذا يبين الإمام ابن القيم رحمه الله ما حصل لإبراهيم، وأن هذا الذي حصل من إبراهيم عليه السلام إنما أمر امتحان، امتحن الله عز وجل نبيه إبراهيم في ذبح ابنه حتى يخلص له، حتى يخلص قلبه لله سبحانه وتعالى، فلا يقع في قلبه شغفا وتعلقا لغير الله جل وعلا، فيكون هو خليل الله. قال: وأما ما يظنه بعض الغالطين أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله ومحمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله، أنا كما يكرره كثير من الصوفية، فمن جهله أوتي. فإن المحبة عامة والخلة خاصة، والخلة نهاية المحبة، أن الخلة هي أن يجعل قلب المحبوب ليس فيه فراغ لغيره. كما يقال: لقد تسللت مني، معنى المراد أنه أن هذا الخليل متى يصير خليلا؟ إذا صار في كل عرق من عروق القلب. قال: لقد تسللت مني مكان الروح والجسد. ولذا سمي الخليل خليلا. قال: وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله اتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبي لعائشة ولأبيها ولعمر بن خطاب وغيره. وأيضا فإن الله سبحانه يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الصابرين، ويحب المحسنين، ويحب المتقين، ويحب المقسطين. والشاب التائب حبيب الله، وخلته خاصة بالخليلين، هذا محبة، لكن الخلة خاصة بإبراهيم ومحمد عليه الصلاة والسلام. قال: وإنما هذا من خلل العلم والفهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أي أن يقولون كما يقول كثير من التصوف: إبراهيم خليل الله ومحمد حبيب الله، ويظنون أن مرتبة المحبة أعظم من مرتبة الخلة، وهذا كما قال ابن قيم جهل.