الدرس في كتاب الصيام 47، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح الفرق بين وصف الراوي بالصدوق فقط والصدوق سيء الحفظ، مبيناً أن حديث سيء الحفظ يُقبل إذا روى من كتابه أو وافق الثقات ولم يخالفهم. أما إذا خالف الثقات فيُتوقف في حديثه، ومن روى من حفظه فهو ضعيف ومن روى من كتابه وصح كتابه قُبل حديثه.
يروي حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر»، مع ذكر أسانيده. ويوضح أن صيام رمضان بعشرة أشهر وستة أيام بشهرين فيكمل صيام السنة، ويجوز صيامها متتابعة أو متفرقة في أي وقت من شوال.
يستحب صيام الست من شوال عند الشافعي وأحمد وكرهه مالك وأبو حنيفة مخافة توهم الوجوب، والصواب الاستحباب. يجب على من عليه قضاء من رمضان قضاؤه أولاً قبل صيام الست لأن الأجر معلق بإتمام رمضان، إلا إذا ضاق الوقت فيجوز تقديم الست رجاء الأجر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن أيوب، وهو أبو زكريا البغدادي العابد، هو ثقة، وقتيبة بن سعيد أبو رجاء البغلاني، قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف. وقال: وعلي بن حجر المروزي، نعم، أبو إسحاق، أبو الحسن علي بن حجر، أبو الحسن البغدادي. قال فيه الإمام الذهبي: حافظ مرو. قال: جميعا عن إسماعيل. قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل بن جعفر، وهو أبو إسحاق المدني، قارئ أهل المدينة، ووثقة ثبت. قال: أخبرني سعد بن سعيد بن قيس، وهو الأنصاري المدني، صدوق سيء الحفظ، صدوق سيء الحفظ. هذا كيف حديثه؟ من قيل فيه: صدوق سيء الحفظ، يقبل مطلقا؟ هذا كل من كان حديثه حسن إذا جاء من طريقين كلاهما حسن يلتقي إلى صيح لغيره. لكن صدوق سيء الحفظ، هل يقبل حديثه مطلقا؟ هذا السؤال، ما هو الجواب؟ هل يقبل حديثه مطلقا أو فيه تفصيل؟ هل من قيل فيه صدوق سيء الحفظ مثل ما قيل فيه صدوق فقط؟ ها، إذن فيه فرق. ما هو الآن عندنا حديث في سنده من قيل فيه صدوق سيء الحفظ؟ هل نقبل هذا الحديث أو لا نقبله، أو هناك يعني تفصيل في قبول هذا الحديث؟ ها. من دمن إذا كان ضابط لكتابه ما سيقال فيه سيء الحفظ، لأن الحفظ يطلق على حفظ الصدر وحفظ الكتاب: حفظ الصدر وحفظ الكتاب. فهو إذا كان حافظا لكتابه ما فيه إشكال إذا روى من كتابه. ها إذا وجد له متابع شيء أضبط أتق من هذا، نقول: إذا إذا لم يخالف، إذا لم يخالف الثقات فيقبل حديثه. أما إذا خالف فهنا يتوقف في حديثه لأنه سيء الحفظ. أما إذا لم يخالف فمدام أنه صدوق فهو حسن الحديث إذا تابع غيره، يعني في رواية الحديث ولم يخالف يقبل. وأما إذا خالف فنتوقف في حديثه، والله أعلم. وهناك أيضا من الرواة من ربما يضعف إذا روى من حفظه، وأما إذا روى من كتابه وكان صيح الكتاب فيقبل حديثه. قال: عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي، وهو ثقة. قال الحافظ: أخطأ من عده من الصحابة. قال: عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وهو خالد بن زيد، أبو أيوب الأنصاري الخزرجي البدري، شهد رضي الله عنه بدرا وأحدا وما بعدها من المشاهد، ونزل النبي عليه الصلاة والسلام في بيته لما قدم المدينة حتى بنى مسجده وحجره عليه الصلاة والسلام، وقد شهد الجمل وصفين مع علي رضي الله عنه، وكان في مقدمة الجيش في قتال الخوارج يوم النهروان، ثم قاتل الروم مع يزيد بن معاوية، ومات في القسطنطينية ودفن فيها رضي الله عنه، حتى أمر يزيد بعد دفنه أمر بالخيل أن تمر على موضع قبره حتى تخفي معالمه فلا يعرف ولا ينبش قبره. قال: أنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر». وقال: وحدثنا ابن نمير، وهو محمد بن عبد الله بن نمير، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة حافظ، كان لما محمد رحمه الله يجله كثيرا ويقول: أي فتن هو. قال: حدثنا أبي، وهو عبد الله بن نمير أيضا، حافظ من حفاظ، وثقة من الثقات. قال: حدثنا سعد بن سعيد، أخو يحيى بن سعيد. قال: أخبرنا عمر بن ثابت. قال: أخبرنا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بمثله. وقال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، فأبو شيبة اسمه إبراهيم، الحافظ الثقة. قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، هو عبد الرحمن المروزي، الإمام الحافظ الثقة العابد المجاهد المحدث رحمه الله، اجتمعت فيه خصال الخير كلها، حتى قال من عيين رحمه الله: لم يفقه الصحابة إلا بشرف الصحبة والغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحج عاما ويجاهد عاما، وكان يتاجر وينفق على طلبة الحديث. قال: عن سعد بن سعيد، قال: سمعت عمر بن ثابت، قال: سمعت أبا أيوب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. هذا الحديث فيه استحباب صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان. «من صام رمضان ثم أتبعه ستة من شوال كان كصيام الدهر». من صام رمضان ثم أتبعه ستة، يعني ستة أيام من شوال، سوى كانت في أول أيام شوال بعد يوم الفطر، وسوى صامها متتابعة أو متفرقة في أول الشهر أو وسط الشهر أو آخر الشهر، فإنه يصح في حقه أنه صام ستة من شوال، كان كصيام الدهر، يعني كصيام السنة، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فصيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة الأيام بشهرين، فكأنه صام السنة كلها. وهذه فضيلة عظيمة لمن صام رمضان ثم أتبعه ستة من شوال. والحديث كما ذكرنا يدل على استحباب هذا الصيام، وهو قول الإمام أحمد والشافعي، ذهبا إلى استحباب صيام الستة من شوال، وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفة، وذهبا إلى أنه يكره صيام الستة من شوال. وذلك أن الإمام مالك رحمه الله قال: لم نر أحدا، أو ما رأيت أحدا من أهل العلم يصومها، لم أر أحدا من أهل العلم يصومها، وقال: يكره لألا يظن وجوب صيام هذه الأيام. والصواب هو استحبابها، ولعل ذلك خفي على الإمام مالك رحمه الله، وإلا لو تبينت له هذه السنة لما خالفها رحمه الله، وقد كان إماما من أئمة أهل السنة وشديد الاتباع للسنة. لكن لكل يعني عالم ولكل جواد كبوة، فقد يحصل للعالم شيء من الغفلة والذهول عن معرفة شيء من العلوم، والكمال لله سبحانه وتعالى. طيب، يبقى: من أفطر أياما من رمضان لعذر، كمن مرض أو سافر، أو المرأة إذا حاضت أو نفست، ثم أرادت أن تصوم الست من شوال، هل لها أن تصوم قبل القضاء؟ هل لها أن تصوم، أو لمن أفطر بعذر أن يصوم قبل القضاء، أو لابد أن يبدأ بالقضاء أولا؟ فظاهر هذا الحديث أنه لابد أولا من البدء بالقضاء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال». ومن أفطر أياما من رمضان فإنه لا يصدق في حقه أنه صام رمضان، لا يصدق في حقه أنه صام رمضان لأنه ما زال عليه في ذمته دين من الصيام. فعلى هذا يبدأ أولا بقضاء ما عليه من الصيام من رمضان، ثم يصوم الست من شوال. فهنا يتحقق في حقه أنه صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال. وهكذا أيضا في حق الحائض، تبدأ أولا بقضاء ما عليها من الصيام، ثم تصوم الست من شوال، إلا إذا ضاق عليها الوقت، أو نفساء مثلا أفطرت أياما كثيرة وتخاف أن يفوتها فضل الصيام، فلا بأس صامت الممتدات بالست، ويرجى أن تنال الأجر. وإن كان ظاهر الحديث كما سمعتم أنه لا بد من إكمال صيام رمضان ثم صيام الست النافلة بعد ذلك. وليس هذا لأجل أنه لا يجوز قضاء النافلة قبل قضاء الواجب، لا يجوز الإنسان أن يصوم صوم نافلة قبل قضاء الصوم الواجب الذي عليه. يعني مثلا لو أن إنسان عليه قضاء من رمضان وأراد أن يصوم يوم عرفة أو العاشر من محرم، هل له ذلك؟ الجواب: نعم له ذلك، ليس عليه حرج بذلك، لأن قضاء رمضان هو على التراخي وليس على الفور. لكن في صوم الست من شوال هنا الأجر معلق بإتمام الصيام من رمضان، الأجر معلق بإتمام الصيام من رمضان. هذا قلنا: لا بد أولا يبدأ بصيام ما عليه من رمضان ثم يصوم الست من شوال. وإن كان بعض أهل العلم أو كثير من العلم يذهبون إلى لا بأس أن يبدأ بصيام الست وإن كان عليه قضاء من رمضان، لكن هذا الأظهر والله أعلم لدلالة هذا الحديث. طيب، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.