الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 171، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل التفسير ببيان أن الله تعالى يشهد بصحة رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن نزل بعلم الله الكامل متضمناً العلوم الإلهية والأحكام الشرعية وأخبار الغيب، مما يدل على أن الوحي مصدره علم الله المحيط.
يتوسع المقطع في شهادة الله والملائكة على نزول القرآن، مبيناً أن هذه الشهادة تدل على عظمة الكتاب، وأن من صدقه كان ولياً لله ومن كذبه كان عدواً، مشيراً إلى شهادة الملائكة لكمال إيمانهم وجلالة المشهود عليه.
يوضح المقطع شهادة الملائكة وأولي العلم بالحق، مستدلاً بآية آل عمران ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾، ومؤكداً أن الأمور العظيمة لا يشهد عليها إلا الخواص كما شهد أبو بكر وعمر، وأنهم يشهدون بأن القرآن من عند الله وعلى توحيده سبحانه.
يختم التفسير بتقرير قاعدة أصولية وهي أن شهادة الله وحده تكفي ولا حاجة لشهادة غيره، وأن ذكر شهادة الملائكة في القرآن جاء تكريماً لهم وإظهاراً لفضلهم ومكانتهم عند الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 166]. قال: لما ذكر أن الله أوحى إلى رسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما أوحى إلى إخوانه من المرسلين، أخبر هنا بشهادته تعالى على رسالته وصحة ما جاء به، وأنه أنزله بعلمه. ﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾. قال: يحتمل أن يكون المراد: أنزله مجملًا على علمه، أي: فيه من العلوم الإلهية والأحكام الشرعية والأخبار الغيبية ما هو من علم الله تعالى الذي علم به عباده، أن أنزله بعلمه، أي: أنزل فيه علمه. ويحتمل أن المراد: أنزله صادرًا عن علمه، ويكون في ذلك إشارة وتنبيه على وجه شهادته، وأن المعنى: إذا كان تعالى أنزل هذا القرآن المجمل على الأوامر والنواهي، وهو يعلم ذلك، ويعلم حالة الذي أنزله عليه، وأنه دعا الناس إليه، فمن أجابه وصدقه كان وليه، ومن كذبه وعاداه كان عدوه، واستباح ماله ودمه، والله تعالى يمكنه ويوالي نصره، ويجيب دعواته، ويخذل أعداءه، وينصر أولياءه، أن هذه كلها شهادة الله عز وجل وعلمه سبحانه وتعالى بأن هذا الكتاب عظيم، ولهذا شهد الرب جل وعلا عليه: ﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ﴾. وقد يراد شهادة الله عز وجل بأن القرآن حق، أنزله الله سبحانه وتعالى، وأنزله بعلم، أي: وهو يعلم أنه أنزله جل وعلا. قال: فهل توجد شهادة أعظم من هذه الشهادة وأكبر؟ ولا يمكن القدح في هذه الشهادة إلا بعد القدح بعلم الله وقدرته وحكمته. وإخباره تعالى بشهادة الملائكة على ما أنزل على رسوله، لكمال إيمانهم، ولجلالة هذا المشهود عليه. وهذا أيضًا ثناء من الله جل وعلا على الملائكة، وأنهم يشهدون الحق، ويشهدون بالحق. قال: فإن الأمور العظيمة لا يستشهد عليها إلا الخواص. لهذا النبي عليه الصلاة والسلام، لما ذكر تكليم البقرة للإنسان، قال: «آمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر، أنا وأبو بكر وعمر»، لأنهم من خواصه عليه الصلاة والسلام، وهو يعلم إيمانهم، وأنهم يؤمنون بما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، لهذا قال: «أنا أؤمن بذلك، وأبو بكر وعمر». وفي هذه الآية ذكر الله عز وجل شهادته، وشهادة الملائكة، وأنهم يشهدون على ذلك، أي: شهادة صدق وعلم، بأن هذا القرآن من عند الله سبحانه وتعالى. قال: كما قال تعالى في الشهادة على التوحيد: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [آل عمران: 18]. فأشهد الملائكة وأولو العلم على هذه الكلمة العظيمة، أشهدهم على خير مشهود وأعظم مشهود، وهو توحيده سبحانه وتعالى. قال: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾، أن يكفي شهادة الله جل وعلا، وإنما يخبر الله عز وجل بشهادة الملائكة لفضلهم وكرمهم عليه سبحانه وتعالى. فهذا ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم.