الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 62، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر الشيخ آية الرضاع في سورة البقرة موضحاً أن الرضاع المحرم هو ما وقع في حولين كاملين فقط، مستنداً إلى القرآن والسنة في نفي التحريم بعد انقضاء المدة. ويبين خلاف الظاهرية في ذلك واستدلالهم بحديث سهلة بنت سهيل مع رد الجمهور عليهم.
يستعرض المقطع شروط الرضاع المثبت للتحريم من كونه في الحولين ومجزياً وساداً للجوعة، مستدلاً بحديث «إنما الرضاعة من المجاعة». ويرجح قول الجمهور بتحريم خمس رضعات ويوضح امتداد التحريم لأصول المرضعة وفروعها وحواشيها.
يعرف الشيخ حد الرضعة المعتبرة بأنها انفصال الصبي عن الثدي باختياره، ويؤكد أن خمس رضعات تثبت التحريم مع ذكر أدلة مدة الرضاعة والحمل. ويسرد قصة عائشة مع أخي أبي القعيش لتوضيح حرمة المصاهرة بالرضاعة.
يختتم الشيخ الدرس بالوقوف عند قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ مبشراً بتفصيلها في الدرس القادم. ويختم الجلسة بقوله: والله تعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعُهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾. قال رحمه الله تعالى: هذا خبر بمعنى الأمر، تنزيل له منزلة من لا يحتاج إلى أمر، على أن تأتي على صيغة المضارع، فهو كقوله: ﴿ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾، أي ليرضعن أولادهن، مثل قول عز وجل: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ﴾، على خبر يأتي بمعنى الأمر، فهذا قوله جل وعلا: ﴿ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ ﴾، أي ليرضعن أولادهن حولين. قال: ولما كان الحول يطلق على الكامل، أي على السنة كاملة، وعلى محض الحول، قال: ﴿ كَامِلَيْنِ ﴾، لمن أراد أن يتم الرضاع، فإذا تم للرضاع حولان فقد تم الرضاع، وصار اللبن بعد ذلك بمنزلة سائر الأقدية، فلذلك كان الرضاع بعد الحولين غير معتبر، لا يحرم. ويأخذ من هذا النص، من قول تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾، أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وأنه يمكن وجود الولد بها. طيب، هذا يدل على أن الرضاع الكامل والمؤثر ما كان في الحولين، ما كان في الحولين، وأن أفضل الرضاع هو أن ترضع المرأة ولدها سنتين كاملتين، وبعد ذلك تنظر الفصال. وبهذا أخذ العلماء أن الرضاع الذي يؤثر في التحريم هو ما كان في الحولين، ما كان في الحولين، واستدلوا بهذه الآية، كذلك استدلوا بهذه الأحاديث عند الدارقطني وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنما الرضاع ما كان في الحولين، إنما الرضاع ما كان في الحولين، وأنشز العظم واللحم، وأنشز العظم واللحم». وجاء له أيضا من حديث المسلم عند أحمد وأبي داود، إلا أن بعض الأئمة يقول: حديث المسلم مقطع، والصحيح أنه ليس مقطعاً، وإنما هو موصول صحيح إلى أم سلمة، في دليل على أن الرضاع بعد الحولين لا يؤثر، لأنه لا ينشز اللحم ولا يغذي، كذلك لا ينشز العظم ولا يغذي إلا إذا كان قبل الحولين، وأما بعد الحولين فيصير مثل الغذاء، ألا أن ذلك كان، فلذلك لا يؤثر ما كان بعد الحولين. وهذا قال جمهور العلماء، وخالفت في ذلك الظاهرية. واستدل الظاهرية من حديث عائشة، لما جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، امرأة أبي حذيفة، جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالت: يا رسول الله، إن سالم مولى أبي حذيفة، إنك لتعرف مكانه، وإنه قد صار رجلاً، وهو يدخل علينا، فإن كان سالم مولى أبي حذيفة، وقد تبناه في الجاهلية، ثم لما نهى الله عن التبني صار مولى له، فكان يدخل مع نسائه عندهم في البيت، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «أرضعيه تحرمي عليه، أرضعيه تحرمي عليه». بهذا أخذ ابن حزم والظاهرية أنه الرضاع، ولو كان في بعد الحولين يؤثر. وهذا حديث، قال جمهور العلماء: قال جمهور العلماء إنه يكون خاصاً بسالم، وقال شيخ الإسلام إنه خاص بسالم، ومن كان في حالة... أن الفرق بين كلام الجمهور وكلام شيخ الإسلام أن شيخ الإسلام جعل هذا الحديث خاصاً بسالم، ومن كان في حاله أن يتربص عنده أناس، ولا يستطيع أن يذهب إلى بيت آخر، وكذا هو معه وعنده ضيق في البيت، فقال شيخ الإسلام: إذا كانت حالة مثل حالة سالم، لا بأس أن المرأة ترضع ولو كان كبيراً. وعلى قول الجمهور، لو كان هذا الحديث صحيحاً، معنى هذا... القوم... شيخ الإسلام حتى لا يكون مباشراً، أن يكون مثلاً في إناء، يوضع له هذا اللبن في إناء ويشرب، لأنهم يرون أنه يؤثر. لكن الصحيح أن معنى ما يعطى الشخص وهو كبير لا يؤثر فيه، لا يؤثر فيه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الرضاعة من المجاعة»، كما في حديث عائشة في الصحيحين، لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم ووجد عندها رجلاً، لكأنه كره ذلك، فقالت عائشة: يا رسول الله، إنما هو أخي من الرضاعة، قال: «انظروا من إخوانكم، فإنما الرضاعة من المجاعة». أراد أن الرضاعة هي التي تؤثر، هي التي تسد الجوعة، هي التي تسد جوعة الطفل، أما إن كان لا يسد جوعه، فهذا ليس رضاعة. صغيرة أن اللبن الذي تلقمه المرأة خفيف، فالطفل بحكم أنه لا يزال صغيراً، فمعدته تتقبل مثل هذا، وكذلك أعضاؤه تتقبل مثل هذا اللبن، لكن لو كبر هذا اللبن، غالب ما يؤثر فيه، معنى ما يصير مثل الغذاء الذي يتغذى، فلذلك لا يكفيه مثل هذا اللبن، لكن الصغير يكفيه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الرضاعة من المجاعة»، وكذلك أيضاً ما أنجز العظم واللحم، وكان في الحولين، هكذا جاء في حديث العباس، وكان في الحولين، وكذلك أيضاً جاء في حديث المسلم، فدل على أن هذا يبين أن الرضاع يؤثر ما كان في الحولين، وما إذا كان في بعد الحولين لا يؤثر، لا يؤثر. ويحمل حديث عائشة في سهلة، من السهي التي أرضعت سالم، أنها تحمل حديثها على أنه خاص، على أنه خاص بسالم، أو يقال كما قال شيخ الإسلام: بمن كانت حالته كحالة سالم، فلهذا فالرضاع هذا الذي يؤثر ويعتبر. فإذا كان مثلاً هذا الرضاع الذي يؤثر، فكما هو الرضاع المشترط أن هذا الرضاع يؤثر في التحريم على الشروط التي جاءت في الشرع، أولاً: مثلاً عدد الرضاعات. عدد الرضاعات: الشافعي وأحمد يقولان: إنها خمس رضاعات، خمس رضاعات، لحديث عائشة في صحيح مسلم، قالت: كانت الرضعات، أو كان في القرآن عشر رضعات، ثم نسخن إلى خمس، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن ما يتلى في القرآن، على الخمس، خمس رضاعات حقاً. فاستدل بهذا الشافعي وأحمد على أن حد الرضاعات خمس، حد الرضاعات خمس. وهذا التأثير، أي التأثير، التحريم والتحليل، يؤثر في المرضعة في نسبها، في نسبها، وهذا الاتفاق أنه يؤثر في نسبها، معناه في النسب، معناه على خصلات: الأصول والفروع والحواشي، الأصول والفروع والحواشي، الأصول معناه: آباؤها وأمهاتها، والحواشي: إخوانها، أخوالها وأعمامها، فهذا يؤثر أيضاً كذلك في التحريم، وأيضاً أبناؤها وأبناء أبنائها وأبناء بناتها. وأما الرضيع فيؤثر التحريم في نسله، في أولاده، في أولاده المباشرين، ومن نزل يؤثر التحريم فيه. وأما حد الرضاعة، أن حد الرضاعة الصحيح أنه متى ما ارتضع ثدي أمه، أو ثدي المرأة التي يرضع بها، فأفطمه بنفسه، فطمه بنفسه، معناه ليس هناك عارض، مثلاً العارض: السعال، أو بكى، أو أراد الانتقال من ثدي إلى ثدي، أو حولته أمه، أو لأجل صوت مزعج، فأخذته، فكل ما كان عارضاً فهذا لا يكسب، لا يكسب رضعاً، وإنما حتى يفطم بنفسه، فك الثدي بنفسه، فهذا يكسب رضعاً. فلو مثلاً يفطم بنفسه ثم ارتضع مرة أخرى وفطم، فهذا يعتبر رضعاً، معناه إذا فطم. أما إذا لم يفطم، أما مجرد مص، إذا مص الثدي ثم فطمه، فهنا يعتبر رضعاً، وهكذا إلى أن تخلص، سواء كانت في يوم، أو في عدة أيام، أو في فترة، فمتى ما رضعت المرأة أن تتم خمس رضعات، فإنه يكون ابنها، وتؤثر هذه الرضاعة. ثم قال: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾، وأيضاً ذكر المؤلف قول الله عز وجل ما يدل على أن رضاعة أكثر في الحولين، قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾، ذكر الحمل وفصاله، فحمله وفصاله، فالفصال هو الرضاع، أن ما يفصل بعد الرضاع، حولان سنتان، بقيت ستة أشهر، لأن الثلاثين شهراً: سنتان وأربعة أشهر، أو ستة أشهر، سنتان وستة أشهر، فلذلك في السنتين على الرضاع، والحمل ستة أشهر. وهذا استدل، يقول المفسر رحمه الله، استدل بهذه الآية العليا أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، أقل مدة الحمل ستة أشهر، فإذا حملت المرأة قبل ستة أشهر، على تزوج الرجل المرأة، وهو حملت بعد أربعة أشهر وخمسة أشهر، يقولون: إن هذا الولد ليس منه، هذا الحمل ليس له، وإنما الحمل لغير، لأن الحمل ما يكون أقل من ستة أشهر. طيب، فهذه بعض المسائل التي تذكر في الرضاع، وكما قلنا مسألة تحريم الرضاع من المسائل المهمة، لأن كثيراً من الناس يختلطون، فالمرضعة هي التي أرضعت، يؤثر في نسبها، في آبائها وإخوانها وأعمامها وأخوالها، وكذلك أيضاً يؤثر في أبنائها. وأما الرضيع فيؤثر في نسبه، في نسله، في أولاده، في أولاده. فالمرضعة الآن أرضعت صبياً، فأبناؤها كلهم يكونون إخوة له، أبناؤها كلهم يكونون إخوة له، سواء كان الكبار والصغار، وكذلك أيضاً زوجها يكون أباً له، زوجها يكون أباً له، لأن اللبن لبن الرجل، وكذلك إخوانها يكونون أخوالاً لهذا الرضيع أو الرضيع، وأعمامها أيضاً كذلك، وإخوان زوجها، إخوان زوجها أيضاً كذلك يكونون أعماماً لهذا الرضيع. لهذا جاء في البخاري أن أخا عائشة جاء، وأراد أن يدخل على عائشة، فاستأذن، وكان النبي عليه الصلاة والسلام عندها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ائذني له، فإنه عمك». فقالت: يا رسول الله، ليست امرأة... ليست التي أرضعته، إنما امرأة أبي القعيش، إنما امرأة أبي القعيش، أنا أقول: زوجة أبي القعيش التي أرضعته، ليست زوجته، فقال لها: «إنه عمك، إنه عمك». أنا بل هذا القائم على أن اللبن يحرم، على لبن الفحل، لبن الرجل يحرم، فجعلها، جعل النبي عليه الصلاة والسلام أخا أبي القعيش عمّاً لعائشة، رضي الله عنها. هذا خلاص، إن شاء الله، ما يذكر، وطوله جل وعلا: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، نذكرها في درس قادم، نختم بهذا، والله تعالى أعلم.