الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 64، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع تفسير قوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ في وجوب نفقة الولد على الوارث عند عدم الأب، مبيناً خلاف العلماء بين وجوب نفقة جميع الأقارب عند الحنفية، واقتصارها على الورثة عند الحنابلة، واستحبابها عند الشافعية والمالكية، مع ترجيح ابن تيمية وابن القيم للوجوب بشرط الفقر والعجز عن الكسب وكون المنفق وارثاً.
يحدد المقطع شروط وجوب النفقة على القريب المعدم بكونه معدماً لا كسب له، وكون المنفق غنياً يملك فضل قوته وقوت عياله بعد سداد الحقوق الضرورية، على أن ينفق حسب سهام الإرث، كما يبين حكم فطام الصبي قبل الحولين بالتراضي والمشاورة بين الأبوين دون حرج.
يوضح المقطع أن المرأة لا يجوز لها فطام ولدها إلا بإذن الزوج سواء كانت زوجة أو مطلقة، وإذا تعاسرا في إتمام الرضاعة حولين جاز للأب استئجار مرضعة أخرى، كما يحرم إجبار الأم على الفطام إلا إذا ثبت ضرر واضح على الطفل من لبنها، ويجوز الاسترضاع عند غير الأم عند الحاجة بشرط إعطاء الأجرة بالمعروف.
يؤكد المقطع أن التبرع الطوعي لا حرج فيه، مستشهداً بقوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ مبيناً أن الله يجازي العباد بالخير والشر حسب أعمالهم، ويختتم بشرح مختصر لتفسير الآية الكريمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ [البقرة: 233]، لما قال جل وعلا: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]، أي: رزق الزوجة لأنها ترضع ولدها. الزوجة هي المملوكة، وهي أيضا دليل على الإنفاق على الزوجات وأنه واجب. وقد قدم الحنابلة أو الشافعية الزوجة على الأبوين لأنها لا مصدر لها إلا هو، وكذلك العبد قدموه على الأبوين، ثم الأم، ثم الأب. وبعضهم قدم الأب على الأم لأن الأب يحتاج للنفقة أكثر من الأم. ثم قال جل وعلا: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾، قال المؤلف رحمه الله: أي على وارث الطفل إذا عدم الأب، وكان الطفل ليس له مال، مثل ما على الأب من النفقة للمرضع والكسوة. فدل على وجوب نفقة الأقارب المعسرين على القريب الوارث الموسر. إن هذه الآية استدل بها العلماء على النفقة على الأقارب، لأنهم قالوا: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾، أي وارث الطفل الذي يرث الطفل، فإنه ينفق عليه عند عدم وجود الأب، أو عند منعه النفقة. إذا منع النفقة على الطفل، أو مات أبوه، فإنه يجب على أقاربه الوارثين عند الحنابلة. وعند الحنفية: الأقارب جميعا، سواء كان وارثا أو غير وارث. وأكثر أهل العلم، وعند الشافعي أنه يستحب من باب الاستحباب، أي نفقة الأقارب. إذا كان مثلا إنسان عنده أخ، وهذا الأخ معسر ما عنده مال ولا عنده كسب، فهنا يعطيه، ينفق عليه. الشافعي عنده يستحب، وكذلك مالك. والحنابلة في المشهور عنهم، والحنفية يقولون: واجب. لكن الحنابلة يقتصرون على الورثة إذا كانوا من الورثة. أنا مثلا إنسان له أخ، فإنه ينفق على أخيه إذا كان أبوه غير موجود. وأما إذا كان أبوه موجودا فليس عليه نفقة، أي على الأخ. لكن إذا كان، أو إذا مات أبوه، فبقي هذا أخا له، أي بقي هذا الأخ له، فهو ينفق عليه إذا كان موسرا. وهذا معنى أن يكون وارثا. وأما الحنفية فيرَوْن وجوب نفقة الأقارب بعضهم بعضا، وقالوا: هذه الآية خرجت على الورث، ولم تمنع غيره. أنا هذه الآية وإن كانت على الورث، لكن لم تمنع أن يكون الأقارب جميعا، لقول الله جل وعلا: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ [الإسراء: 26]، وآتي ذا القربى حقه، والمسكين. فذا القربى له حق، وحقه في النفقة. وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، على أن نفقة الأقارب واجبة، لكن بثلاثة شروط. نفقة الأقارب واجبة بثلاثة شروط: شرط متعلق بهذا الفقير نفسه: أن يكون فقيرا لا يستطيع الكسب، إما أن يكون مريضا عاجزا، أو أنه تعذر عليه الكسب، معنى بحث عن كسب لم يستطع أن يتحصل على عمل يكتسب منه لعدم وجود الأعمال أو قلتها، فهنا يُعطى. إذا كان فقيرا، معنى يجب على أقاربه أن ينفقوا عليه. وعند الحنابلة: أن النفقة مثل الوراثة. النفقة عندهم مثل الوراثة. مثلا: إذا كان فقير، مثلا معدوم، وعنده أم، وعنده أخ، فالأم إن كانت معها مال تنفق عليه، لكن تنفق عليه بايش؟ بالثلث؛ لأنها تتحصل على إرثها منه بالثلث، فلهذا تنفق ثلث النفقة، والباقي الذي هو العصبة، الأخ، ينفق الثلثين الباقيين. وهكذا، على حسب الإرث. الشرط الأول كما قلنا: في هذا الفقير المعدم، يكون فقيرا ومعدما، أي ليس عنده كسب. الشرط الثاني: يكون في المنفق أن يكون غنيا، أن يكون غنيا، غنيا معنى: عنده فضل على ما يقوته، أن يكون غنيا. وكذلك أيضا شرط مرتبط به، وهو الشرط الثالث: أن يكون عنده قوته وقوت عياله في يومه وليلته، أن يكفيه في اليوم والليلة. إذا كان كذلك، فإنه يجب أن ينفق على من هو من أقاربه معدم، إلا إذا كان يتعلق به حقوق. إذا كان مثلا عنده قوت يومه وقوت ليلته، لكن تتعلق عليه حقوق أخرى، مثل مثلا: ماء، كهرباء، كذا، أمور أخرى، فهو أيضا يضعها، أن كل الأشياء الضرورية يضعها فيه، ثم بعد ذلك إن فضل شيء معه، ليس لأجل دين أو يرصده أو لأجل شيء من الأمور المهمة، فإنه يعطيه قريبه، يعطيه قريبه على ما عنده، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها. فلهذا فالقريب ينفق على قريبه بهذا. وهذا الدليل على هذه المسألة: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾. إلا أنه كما قلنا: الشافعي ومالك جعلوه من المستحب، وأحمد وأبو حنيفة جعلوه من الواجب، وهذا هو الصحيح؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾، فجعل له حقا. مثل أن المسكين والفقير له حق الزكاة أن يعطى من الزكاة، فهذا ذا القربى يعطى من النفقة، يعطى من النفقة. وأيضا قول الله عز وجل في الوصية للوالدين والأقربين: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]، أن أجعله حقا على المتقين. قال: في قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة: 233]، قال: أي الأبوان. فصالا: أي فطام الصبي قبل الحولين، عن تراض منهما، بأن يكونا راضيين، وتشاورا فيما بينهما: هل هو مصلحة للصبي أم لا؟ فإن كان مصلحة ورضيا، فلا جناح عليهما. أنه إذا كان اتفقوا على أنهم يفطمون هذا الصبي. فإن أراد فصالا، الفصال هنا: الفطام. فطام الصبي قبل الحولين. معنى: الله عز وجل يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]. لكن لو عجزت المرأة، ما استطاعت أن تتم الحولين، أو خشيت على نفسها أنها تتعب، أنها تمرض، أنها كذا، أو مثلا ساءت حالتها. المهم أن هناك عذر عند المرأة، أو كذلك عذر مثلا من عند الأب، ما يستطيع أن ينفق للمرضعة. فاتفق على أنهما يفطمان هذا الصبي. عنّى بعضهم الآن: مثلا تجد الأمة تستطيع، تريد أن تفطمه، وتأتي له مثلا بلبن غيره، يعطى من لبن المصنع هذا. فهنا قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾، فلا جناح عليهما. معنى هذا: لا يجوز المرأة أن تفطم ولدها إلا بإذن زوجها، إلا بإذن زوجها، سوى كانت عنده أو ليست عنده، أي سوى كانت زوجته في عقده أو أنها مطلقة. لا يجوز لها، لا يجوز لها أن تفطم الطفل إلا بإذنه. وإذا كان مثلا ما تريد أن ترضع، مثلا الأب يريد أن يتم من حولين، فيبحث له عن مرضعة. ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ﴾ [البقرة: 233]. الله عز وجل يقول: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ﴾، أي: حصل بينكم العسر، وحصل بينكم الخلاف، ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ﴾، لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله. يعني: يعطي أجرة، إما للأم لأنها ترضع ولدها، أو لغيرها من المرضعات التي ترضع هذا الولد. فلهذا فإذا حصل التعاسق، فإنه له أن يبحث عن مرضعة، أو يتفق على الفطام، يتفق على الفطام كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾. قال: أي في فطام قبل الحولين. فدل العايب -مفهومها- على أنه إن رضي أحدهما دون الآخر، أو لم يكن مصلحة للطفل، أنه لا يجوز فطامه. أن الرضي تلم ورفض الأب، فلا يجوز، إلا أن كان فيه ضرر واضح عليها، أو كذلك. فإن كان هناك ضرر عليها، يبحث له عن مرضعة، أو كذلك. مثلا: يريد أن يمنع الأب من الرضاع. بعض الناس مثلا عنده تفكير، أو يسمع بعض، بعض مثلا من من يتكلم في مثل هذا، يقول: رضاع الأم يضر به، وكذا، أو يضر بأسنانه، فيريد أن المرأة تمنع الرضاع. فهل يجوز له أن يجبرها على ذلك؟ لا، لا يجوز له أن يجبرها على ذلك، إلا إذا كان فيه ضرر واضح على الطفل. إلا إذا كان فيه ضرر واضح على الطفل. مثلا: أن يكون لبن المرأة لا يصلح، وقال الأطباء أنه لا يصلح أن ترضع هذه المرأة. لأن الآن مثلا، بسبب المأكولات هذه، أسباب الكيماويات،حيانا يحصل للمرأة تغير في لبنها. فلهذا بعض الأطفال إذا رضعت أمه يصاب مثلا بالصفار، كما نقول: فيروس الكبد. وبعضهم أيضا يصاب بالتساقط الأسنان وتسوسها. وهذا قد يكون لأجل بعض المأكولات أو كذا. فالمهم: أنه إذا حصل، أو إذا ثبت الضرر على الطفل، فللأب أن يجبر المرأة أنها تتوقف على الرضاع، إما أن يأتي له بمرضعة الأخرى، أو تفطمه، تفطم الطفل. ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ [البقرة: 233]. أي: تطلب لهم المرضع غير أمهاتهم، على غير وجه المضارة. أن إذا كان مثلا المرأة ما تستطيع، أو مثلا عندها مرض، ستسافر، فلا بأس أنها تسترضعه عند أخرى. الآن بعض النساء يرون أن هذا شيء عظيم، معنا: ما تريد أن ترضع ولدها عند غيرها، بل تجعله مثلا بهذا اللبن المصنع هذا، ولا ترضعه عند غيره. وإن وجدتحيانا تجد من يرضعه، فهذا خطأ. الله عز وجل أجاز هذا: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ﴾. أنا: أعطيتم المرضعات أجرة الرضاعة، إذا كانت تطلب أجرة. وإذا لم تطلب وتبرعت، ما في شيء. إذا كانت تبرعا منها، ما في شيء. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 233]. أي: فمجازيكم على ذلك بالخير والشر. فهذا إن شاء الله ما يذكر في تفسير هذه الآية. الله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة