تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 110

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 110

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 110، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام الإشهاد في البيوع والديون وشروط صحة الشهادة

يشرح المقطع حكم الإشهاد في البيع الحاضر والدين، مبينًا أن الشهادة الصحيحة تتوقف على الرؤية أو السماع المباشر لا على الظن، وأن الإشهاد يقوم مقام الكتابة في التوثيق. كما يفصل في عدد الشهود وصفاتهم، والفرق بين وجوب الشهادة في حقوق الآدميين واستحبابها أو كراهيتها في حقوق الله.

وجوب الشهادة في إنكار المنكر وحفظ الحقوق

يبيّن المقطع وجوب الشهادة على من يرتكب منكراً يضر بالمسلمين باعتباره من إنكار المنكر، ويشترط فيها عدلان أو رجل وامرأتان في الحقوق الدنيوية. كما يوضح الفرق بين باب حفظ الحقوق الذي يستوجب التوثق بشاهدين، وباب الحكم بين المتنازعين الذي قد يكتفى فيه بالشاهد واليمين.

شروط الشهادة ووجوب أدائها والفرق بين اليقين والتطوع

يبيّن المقطع شروط قبول الشهادة ومنها العدالة والعلم اليقيني لا مجرد الظن، مستدلاً بقوله تعالى ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. كما يوضح أن الشهادة على حقوق الناس واجبة عند الطلب، ويجوز التطوع بها قبل الاستشهاد إذا كان في رد حق أو إنكار منكر.

أحكام الشهادة على الإقرار والأداء

يبيّن المقطع صوراً من الشهادة؛ كأن يشهد شخص على إقرار آخر بمنح حق لمستحق، أو يشهد على رؤيته يعطيه شيئاً، كما يشير إلى وجوب أداء الشهادة عند توفرها. ويختم بالتأكيد على الاكتفاء بهذا القدر من البيان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في ذكر مسائل آية الدين: قال: ومنها الإرشاد إلى الإشهاد في البيع. فإن كانت في المداينات فحكمها حكم الكتابة كما تقدم؛ لأن الكتابة هي كتابة الشهادة. وإن كان البيع بيعًا حاضرًا فينبغي الإشهاد فيه، ولا حرج فيه بترك الكتابة لكثرته وحصول المشقة فيه. فالشهادة: أولًا عند بعضهم العلم. كالحنابلة والشافعية يقولون: الشهادة لا بد أن تكون بلفظ الشهادة، بلفظ «أشهد» أو «شهدت». فإذا قال: «رأيت وسمعت»، فعندهم أن الشهادة غير صحيحة. وذهب المالكية والحنفية إلى صحة هذه الشهادة، واختاره أيضًا شيخ الإسلام رحمه الله، رحمهم الله جميعًا، على أن الشهادة تكون بالرؤية والسمع. لكن لا تكون بالظن، أو مثلًا لو قال: «أعلم أن فلانًا عليه كذا وكذا من المال»، فهذا لا يصلح، هذه ليست شهادة صحيحة. فلا بد أن يقول: «أشهد على فلان أنه أخذ من فلان كذا وكذا»، أو يقول: «رأيته بعيني يعطيه كذا وكذا دينًا»، أو يقول: «سمعته يقول: عندي لفلان كذا». فلذلك فالشهادة تكون بالرؤية والسماع، ولا بأس أن تكون بلفظ السماع والرؤية، لا يشترط أن تكون بلفظ الشهادة. وهنا في هذه المسألة ذكر المؤلف أن الإرشاد للإشهاد في البيع: فإن كانت المداينات فحكمها حكم الكتابة من ناحية وجوبها أو أنها مستحبة. وقلنا: الذي عليه النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يكتب، ولم يأتِ على أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب. وما يدل على هذا كما ذكرنا حديث العراب؛ فإنه لم يشهد عليه أحد، بل اشترى منه الجمل على أن يؤدي له المال في المدينة. وأيضًا كذلك في حديث جابر لم يشهد عليه النبي عليه الصلاة والسلام أحدًا، بل قال له: «سأشتريه منك»، وعلى أساس أنه وعده أن يعطيه في المدينة، فلم يشهد ولم يكتب. فدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يشهد على البيع، وكذلك على الدين، فدل على جوازه. ولكن الأفضل إذا كان في غير ثقة فإنه لا بأس أن يكتب ذلك، بل قد يكون أحيانًا واجبًا، كما قال المؤلف: «فإن كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾». فإذا كانت هناك أمانة بين الناس أو يأمن من أخذ عنه الدين فلا بأس أن لا يكتب، وإن كان لا يؤمنه فالأولى له بل قد يكون واجبًا أن يكتبه. لكن هنا أيضًا حكم الإشهاد حكم الكتابة، أن الإشهاد في البيع مثل الكتابة؛ لأن التوثيق إما أن يكون عبر كتابة وإما أن يكون عبر شهادة، لأن هذا من البينات. فإما أن يكتب هذا الشيء وإما أن يشهد عليه. فيأتي مثلًا إذا أراد أن يبيع شيئًا فقال له المشتري: «أنا ما عندي مال الآن، سأعطيك إياه بعد أسبوع»، فيشهد عليه. فإذا أشهد عليه فهذه الشهادة مثل الكتابة، حكمها حكم الكتابة. قال: «لأن الكتابة هي كتابة الشهادة على نفسها». الذي يدون الشهادة، فلو مثلًا شهدها إنسان وشهد على هذه الأمور فيكفي عن الكتابة. قال: ومنها الإرشاد إلى إشهاد رجلين عدلين، فإن لم يمكن أو تعذر أو تعسر فرجل وامرأتان. وذلك شامل لجميع المعاملات: بيع الإدار، وبيع الديون، وتوابعها من الشروط والوثائق وغيرها. أنا لا بد أنه قال: الإرشاد إلى شهادة رجلين عدلين، يعني يبحث عن رجلين عدلين فيقومان بالشهادة إذا كان عندهما شهادة. والشهادة لا بد أن تكون على علم، والعلم إما رؤيا أو سماع، فلذلك تكون على علم، لا تكون بخبر، ولو كان خبر ثقة، ولو كان خبر ثقة ما يقبل في الشهادة. فلا بد أن يشهد على رؤيا أو سماع. أما مثلًا لو قال: «أخبرني فلان أن فلانًا أخذ من فلان كذا»، هذه ليست شهادة صحيحة؛ لأن الشهادة لا بد أن تكون على العلم. وصحيح أن خبر ثقة علم، لكنه ليس علمًا يقينيًا، ليس علمًا يقينيًا إلا إذا احتفت به القرائن. فلذلك فلا يكفي أن يقول: «أخبرني فلان أن عند فلان كذا»، هذه ليست شهادة صحيحة. بل يقول: «شهدت على فلان أنه أعطى فلانًا كذا»، أو «أشهد على فلان أنه أعطى فلانًا كذا»، أو «سمعت فلانًا يقول: عندي لفلان كذا». فمعنى يشهد على إقراره: يشهد على إقراره. والشهادة على الإقرار مثل الشهادة على الكتابة وعلى البيع، سواء كان دينًا أو أمر بيع. معنى يكتب السعر أو يشهد على السعر: معنى يشهد أن هناك معاملة بيع، يأتي المتعاقدان بشاهدين عدل يشهدان على بيعهما وأنه اشترى من فلان، أو يشهدان على دين، أو الشهادة تكون على ما هو أكثر من هذا. أنا وغالبًا يقول العلماء: أن الشهادة في حقوق الناس تكون مستحبة، بل قد تكون تتعين لتكون واجبة. وقال الحنابلة: أنها فرض عين. الشهادة في حقوق الناس تعتبر عندهم فرض عين. وأما في حقوق الله فهي لا تستحب، بل قالوا: إما أن تكون مباحة وإما أنها لا تستحب. أي الشهادة في حقوق الله جل وعلا. ومعنى الشهادة في حقوق الله معناه مثلًا في الحدود: في الزنا، رجل أو سرق، رآه أنه يسرق، فهذا لا يلزمه ولا يجب عليه أن يشهد عليه، لا يلزم أن يشهد عليه، عند كثير من أهل العلم. لكن الأفضل التفصيل، وهو أيضًا قاله بعض الشافعية وبعض الحنابلة، هو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا. قالوا: الأفضل التفصيل. كيف التفصيل؟ يقال: إن كان هذا الذي سيشهد عليه في حق الله ما اعتاد الناس منه هذا الشر، رجل معروف بالستر معروف بالخير، فحصلت منه زلة، فهنا الذي ينبغي أن يستر عليه، بل المستحب أنه يستر عليه، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة. لكن إن كان هذا رجل شر، صاحب ضرر، يعني يلعب ببنات الناس أو يسرق أموال الناس ويشرب الخمر، وأيضًا يروج هذه الخمر، يروج المخدرات، فمثل هذا لا يسكت عنه، بل قد يأثم الإنسان إذا كان يعرف أنه يفعل ذلك ولم يشهد عليه. أنه إذا كان متأكدًا أنه يفعل ذلك فهو معاون له في المنكر، بل لا بد أن يشهد عليه إذا كان متأكدًا. أما إذا كان يسمع فقط خبرًا من هنا ومن هنا فهذا لا يجب عليه. لكن لو كان يعرف أنه يفعل ذلك، متيقن، رآه أو سمعه يحدث بهذا، فهنا يجب عليه أن يشهد عليه؛ لأنه فيه ضرر على المسلمين، فيه فساد للمسلمين، فلابد عليه أن يشهد عليه. هذا إن طلب منه. وإن لم يطلب فإنه إن استطاع أن يغير المنكر غيره، وإن لم يستطع إلا بالشهادة فتجب عليه الشهادة، تجب عليه الشهادة؛ لأن هذا يعتبر من إنكار المنكر. النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وهذا الذي يشهد عليه مثلًا في محكمة، إذا كان هذا مثلًا كما قلنا شارب خمر أو مروج مخدرات، فيشهد عليه. لا يشهد وحده؛ لأنه إذا شهد وحده ممكن يكون يرفع عليه قضية افتراء. لكن يشهد مع رجل آخر عدل قد رآه، فيشهدان عليه أنه يروج هذه المخدرات. فهذه شهادة عدلين. فلذلك إذا حصل مثل هذا فيجب عليه، ما حتى، ويعتبر من إنكار المنكر، يعتبر من إنكار المنكر. وأما كما قلنا: إذا كان ليس فيه ضرر على آخر، رجل يشرب الخمر وحده، أو عرف، أو أنه لم يشرب الخمر لكن ابتلي، فستر عليه مرة أو كذا، ما في شيء. لكن إن كان ضرره على الناس، ضرره على الناس، سوى كان في سرقة أو في زنا أو في غيره، فهو رجل صاحب شر، فإنه يشهد عليه. وأحيانًا أيضًا حتى يتعين في حق الله أو في حقوق الله عز وجل أن يكون مثلًا فيه ضرر على الناس. مثلًا أن يشهد ثلاثة بأنهم رأوا هذا الرجل يزني بهذه المرأة. معنى شهد ثلاثة من الناس أن هذا الرجل يزني بهذه المرأة، وبقي مجموعة منهم أو اثنان أو واحد ولم يشهد. معنى خاف، يقول: «لا، الأفضل أن أستر هذا الرجل». لا، هنا ما دام أن الناس سيتضررون، لأن هؤلاء الثلاثة سيحدون حد القذف، فهنا لا بد أن يشهد حتى ينجون من هذا القذف، وتكون العقوبة لصاحب الجريمة، تكون العقوبة لصاحب الجريمة. وغيرها. معنى مسائل الشهادة كثيرة، وهو كتاب، معنى كتاب من أو باب من أبواب الفقه. وأحيانًا يعودون، يعودون، يعودون يجعلونه كتابًا لكثرة مسائله. وهنا ذكر أنه ينبغي أن يبحث عن رجلين عدلين، فإن لم يمكن أو تعذر أو تعسر فرجل وامرأتان. على إذا كانت الشهادة ليس هناك ما وجد رجلين يشهدان على ذلك، فهنا إن كان هناك شهداء من النساء يأتي بمرأتين ويشهد. أيضًا إن كان عنده رجل يأتي برجل يشهد على ذلك. على مثلًا عنده يشهد عليه بدين أنه أعطاه، أن هذا الرجل أعطى أبا، مثلًا أبا فلان أعطاه كذا وكذا من المال، وأشهد عليه جماعة، أشهد عليه أخواته، وأشهد عليه إخوانه، على أنه أعطاه هذا المال. فهنا يأتي بإخوانه ويأتي بأخواته. إذا كان ما عنده إلا واحد مثلًا، كلهم ماتوا، فبقي الرجل من إخوانه، وبقيت أيضًا بعض أخواته، فيأتي بمرأتين ورجل. فالمرأتان تقوم مقام الرجل، تقوم مقام الرجل. فقال: «تعسر فرجل وامرأتان». وذلك شامل لجميع المعاملات: بيع الإدار، وبيع الديون، وتوابعها من الشروط والوثائق وغيرها. فإذا قيل: قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد الواحد مع اليمين. هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم من حديث ابن عباس، ومن حديث ابن هريرة. قال: والآية الكريمة ليس فيها إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين. قيل: الآية الكريمة فيها إرشاد الباري عباده إلى حفظ حقوقهم، ولهذا أتى فيها بأكمل الطرق وأقواها. لأن أقوى الطرق أن يأتي بالشهادة. وأما أن يأتي مثلًا باليمين، فاليمين غالبًا تأتي على إنكار، تأتي على إنكار. وأيضًا وأحيانًا تأتي مثلًا لأجل أن يحوط الشخص حقه. وهنا قضى النبي عليه الصلاة والسلام بالشهادة ويمين صاحب الحق، ويمين صاحب الحق. مثلًا أعطاه ألف دينار وليس عنده شاهد إلا واحدًا، فيجهد هذا الرجل على أنه أعطاه ورآه أنه أعطاه، ويشهد أيضًا صاحب الحق، ويحلف صاحب الحق أنه أعطاه هذا. متى هذا؟ إذا كان لم ينكر، أو أنكر أقصد الذي عليه الحق، ومدعى عليه أنكر، لكنه لم يرد أن يحلف، فيحلف صاحب الحق ويشهد أيضًا معه رجل، فيعطى حقه بذلك. وهذا قول الشافعية والحنابلة. طيب، قالوا: الآية الكريمة ليس فيها إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين. قيل: الآية الكريمة فيها إرشاد الباري عباده إلى حفظ حقوقهم، ولهذا أتى فيها بأكمل الطرق وأقواها، وليس فيها ما ينافي ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام من الحكم بالشاهد واليمين. فباب حفظ الحقوق في ابتداء الأمر يرشد فيه العبد إلى الاحتراز والتحفظ التام. وباب الحكم بين المتنازعين ينظر فيه إلى المرجحات والبينات بحسب حالها. ولأن هذه القضية الآن قضية ابتدائية، فلذلك يأتي بشاهدين، لا يكتفي بشاهد واحد، يبحث عن شاهدين عدلين فيشهدهما على هذه المسألة. قالوا: منها أن شهادة المرأتين قائمة مقام الرجل الواحد في الحقوق الدنيوية. وأما في الأمور الدينية كالرواية والفتوى فإن المرأة فيها تقوم مقام الرجل، والفرق ظاهر بين البابين. وهذا الذي رجحه جماعة من أهل العلم كأبي بكر الباقلاني، والخطيب البغدادي، وأيضًا العامضي، وغيرهم من أهل الأصول: أن المرأة تقوم في مقام الرجل في الحديث والفتوى، في الرواية والفتوى، وكذلك أيضًا في الجرح والتعديل، فيكتفى بكلام المرأة ولا يحتاج لامرأة أخرى؛ لأن هذا باب علم، ومادام أنه باب علم فهو باب معرفة، ليس المرأة بشهادة. لأن الشهادة تضعف المرأة فيها، المرأة معنى طبع وغالب. فإن كانت في شهادة تضعف، فلذلك لم يجعلها الله عز وجل مثل الرجل، بل جعل امرأة أخرى حتى تذكرها ويتعاونان في الشهادة، وتعضد هذه بشهادة هذه المرأة الأخرى. وأما في أمور الدين كالرواية والفتوى والجرح والتعديل والتزكية فيكتفى ولو بامرأة واحدة. قالوا: منها الإرشاد للحكمة في كون شهادة المرأتين عن شهادة الرجل، وأنه لضعف ذاكرة المرأة غالبًا وقوة حافظة الرجل. هذا في الغالب، لكن يحصل أحيانًا العكس، تكون قوة ذاكرة المرأة أقوى من قوة ذاكرة الرجل. قالوا: منها أن الشاهد لو نسي شهادته فذكره الشاهد الآخر، فذكر أنه لا يضر ذلك النسيان إذا زالت بالتذكير. لقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. فعنى إذا نسي شيئًا في الشهادة، يعنى يتكلم مثلًا يقول: «الذي أعطاه لفلان مثلًا نصف في الطابق التحتي، وأيضًا أعطاه بعض في الطابق الثالث أو ربع مثلًا»، فيأتي آخر فيذكره فيقول: «أيضًا أعطاه الغرفة التي فوق»، فيقول: «نعم، أيضًا أعطاه هذه». فهذا ما في شيء، يذكره الذي ينساه. قال: «فإن الشهادة مدارها على العلم واليقين». أنه إذا تيقن بتذكير صاحبه وهو عنده أصلًا هذا، لكن مع الكلام نساه. مع الكلام أحيانًا ينسى بعض الأشياء الشخص لما يتكلم، لكن لما ذكره صاحبه تذكر هذا. إذا كان عدلًا. أما إذا كان غير عدل فلا يقبل أصلًا شهادته. والعدل كما سيتم معنا من هو العدل، وقد ذكرنا ذلك أيضًا. فالعدل هو من لم يتهم بشيء من الفسق، من لم يتهم بشيء من الفسق يسمى عدلًا. وهو عند الحنفية وهي رواية عن الحنابلة، وهو المعمول به الآن: من لم يتهم بفسق فهو عدل. لكن أكثر العلماء يقولون: العدل هو الذي لم يعرف عنه كبيرة، ولم يصر على صغيرة، ولم يصر على صغيرة. والفرق بينهما أن القول قد يدخل فيه بعض المجاهيل، قد يدخل المجهول الذي لا يعرف عنه فسق. والثاني لا يدخله. معنى التعريف الثاني وهو قول الجمهور لا يدخله. لكن تعريف الحنفية يدخل المجهول في الشهادة. وكثير من هذا العلم الآن يستدلون بكلام الحنفية؛ لأن هذا الوقت غالبًا حصل فيه كثرة الفساد وكذا، وأيضًا قلة الشهود، فلو أخذنا بقول الجمهور لما وجدنا الشهود إلا قليلاً. قالوا: منها أن الشهادة لا بد أن تكون عن علم ويقين، لا عن شك. هذا تقدم معنا، لا بد أن تكون على علم ويقين، إما سماع أو مشاهدة. فمتى صار عند الشاهد ريب في شهادته، ولو غلب على ظنه، لم يحل له أن يشهد إلا بما يعلم. فغلبة الظن لا يشهد بها الشخص؛ لأن الشهادة كما قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. إلا من شهد بالحق وهم يعلمون. لا بد أن يكون عنده علم بهذه الشهادة، وإلا كانت شهادة زور، وإلا كانت شهادة زور. ولهذا العلماء يستدلون بهذا على اشتراط العلم في الشهادة. فإن الرجل إذا لم يكن على يقين في شهادته لله عز وجل، أنا في الشهادة أشهد أن لا إله إلا الله، لا بد أن تكون عن يقين، عن علم. فإذا كان عن ظن أو غلبة ظن وهو في شك من أمره، فإنه لا يقبل منهم هذه الشهادة، تكون غير صحيحة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، أي لم يشكوا في شيء من ذلك، بل على يقين. وكذلك الشهادة التي يشهد بها على حقوق الناس، فإنه لا بد أن تكون عن يقين، ما تكون عن غلبة ظن. أنا أقول: «أظن أن هذا الرجل أخذ من هذا»، لا، هذا ما... أو يعتمد على خبر وليس عن رؤية أو سماع. فلذلك فلا بد من الشهادة فيها يقين. قال: «فمتى صار عند الشاهد ريب في شهادته، ولو غلب على ظنه، لم يحل له أن يشهد إلا بما يعلم». طيب، قال: آخر مسألة إن شاء الله نأخذها. قال: «ومنها أن الشاهد ليس له أن يمتنع إذا دعي للشهادة، سوى دعي للتحمل أو للأداء. وأن القيام بالشهادة من أفضل الأعمال الصالحة، كما أمر الله بها وأخبر عن نفعها ومصالحها». هذه المسألة: مسألة الشهادة إذا دعي إليها. إذا دعي إلى الشهادة في حقوق الناس، فإجماع أهل العلم أنه إما أنها تجب أو تستحب. وأما إن كانت في حقوق الله فقلنا: أحيانًا لا تستحب، بل الذي ينبغي أن يستر على أصحابها، إلا إذا كان فيه ضرر على الآخرين، ولا ضرر ولا ضرار. طيب، وهنا أيضًا كذلك إذا كانت في حقوق الناس فإنه كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. لا يرفض الشاهد إذا دعي للشهادة، وخاصة إذا كان فيه حق من حقوق الله، فإنها على الصحيح أنها تجب عليه؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿مَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. من يكتم هذه الشهادة فإنه آثم قلبه، فهو يأثم إذا كان في حق من حقوق الله يضيع، في حق من حقوق الله يضيع إذا لم يشهد، فإنه يجب عليه أن يشهد، يجب عليه أن يشهد. وهل له أن يشهد دون أن يستشهد؟ هل له أن يشهد دون أن يستشهد؟ نعم، يجوز أن يشهد دون أن يستشهد. فقد جاء في الحديث الذي في البخاري: «سيد الشهداء من يشهد قبل أن يستشهد». وكيف نجمع بينه وبين قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عمران: «ثم يخلف قومًا يظهر فيهم السمن، ويشهدون دون أن يستشهدوا، دون أن يطلب منهم الشهادة»؟ فالجمع: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيد الشهداء من شهد قبل أن يستشهد». شهد قبل أن يستشهد، كيف شهد؟ شهد لحق، فإنه رأى أن هذا الحق قد يضيع على صاحبه، فيشهد دون أن يستشهد. أو يقول لصاحب الحق مثلًا: هو يعرف أن هذا البيت نصفه لفلان، وأنه ليس لهؤلاء الذين هم الآن فيه، مثلًا مثل ما حصل في أيام الحزب الاشتراكي هنا عندنا، أخذوا بيوت الناس وعطوها لآخرين. فهناك بعض الناس يعرف ذلك، فتجد أن الناس يرون أن هؤلاء ساكدوا معناهم الذين يسكنون في هذه البيوت، فيقولون: «هذا حقهم»، وهو ليس حقًا لهم، يعرفون أنه ليس حقًا لهم، فيضيع حق الناس. وهذا شاهد يعرف هذا، فيقول لصاحب الحق: «أنا سأشهد لك على ذلك»، فيشهد عند المحكمة على ذلك دون أن يستشهد. فهذا يعتبر من باب الأمر بمعروف، فيرد الحق إلى أهله، يرد الحق إلى أهله. وأيضًا من إنكار المنكر، لأن أولئك الذين في هذا البيت، هذا البيت مغصوب، فهم يجلسون في بيت مغصوب، فلذلك فيشهد على ذلك. وأما الشهادة التي ذكرها في حديث عمران وبالمسعود، أنهم يشهدون دون أن يستشهدوا، فهذا المراد به أنهم يشهدون بالظن، يشهدون بالظن، أو يشهدون لأجل أخذ الأموال، أو يشهدون بغير الشهادة الصحيحة، وغير من هذا الذي قد يفسر على أنهم يستعجلون في الشهادة دون أن يتأكدوا، ودون أن يكون عندهم يقين، وإنما همهم الأموال وغيرها. فخلاصة الأمر: أن الإنسان إذا دعي للشهادة، سوى دعي للتحمل أو للعداء. تحمل شهادة، مثلًا يقول له مثلًا إنسان سيشتري ويبيع، أو إنسان سيتدين، يقول له: «انتظر يا فلان، تعال اشهد، هذا الشخص يريد دين مني كذا وكذا». وهنا تشهد، لا تتابع، لا ينبغي أنك تتابع، مادام أنه شيء معروف وأمامك. أما مثلًا شيء ليس أمامك، أو شهادة على شيء غائب، مثلًا يقول له: «اشهد أني سأعطيه كذا»، اشهد على أني سأعطيه كذا، هذا ليس شهادة صحيحة. لماذا؟ لأن شيء هذا غائب، ممكن يعطيه، ممكن لا يعطيه. فلذلك يشهد على شيء موجود، يراه أو سمعه. يقول مثلًا: «هذا، اشهد يا فلان أني أعطيت فلانًا كذا»، فيقول ذاك: «نعم»، يشهد على إقراره. أو يراه أنه يعطيه، يراه أنه يعطيه، فيشهد على هذا الأمر. أو كذلك في الأداء، إذا عنده الشهادة يؤديها. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر اشتركوا في القناة