تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 111

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 111

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 111، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام الإضرار بالكاتب والشهيد وسقوط وجوب الكتابة

يشرح المقطع قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" في سياق آية الدين، مبينًا تحريم إضرار المتعاملين بالكاتب أو الشهيد، وتحريم إضرار الكاتب والشهيد بالمتعاملين. كما يوضح أن وجوب الكتابة والشهادة يسقط إذا ترتب عليهما ضرر يطال الضرورات الخمس، مع جواز الإقدام طواعية إذا كان التهديد غير حقيقي.

أحكام الكتابة والشهادة في الديون وحفظ الحقوق

يبيّن المقطع وجوب تجنب الإضرار بالكاتب والشاهد والدائن لأنهم محسنون، ويوضح جواز أخذ الأجر على الكتابة والشهادة إذا لم تكن واجبة عيناً. كما يؤكد أن اتباع هذه الإرشادات يحقق العدل ويحفظ الحقوق ويقطع التنازع، وأن تعلم الكتابة من الأمور الدينية المهمة لحفظ العلم والدين.

أهمية تدوين العلم ووجوب نفع المسلمين به

حث السلف على تدوين العلم لأن الحفظ قد يخون، واعتبروا الكتابة قيداً للفوائد وحفظاً لها. وبين أن شكر نعمة العلم -شرعياً كان أو دنيوياً- يكون بنفع المسلمين به، لا بالبقاء في بلاد الكفر لخدمتهم، فهذا جهل وكفران للنعمة.

تحريم تخصيص العلم لنفع الكفار واعتباره كفران نعمة

يبيّن المقطع أن جعل العلم المكتسب كله في خدمة الكفار ومنفعتهم باطلٌ شرعًا، ويُعد من جحود نعمة الله تعالى. ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر على أن يُكمل في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في ذكر فوائد سورة الدين أو آية الدين: قالوا منها: لا يحل الإضرار بالكاتب ولا بالشهيد، بأن يدعي في وقت أو حالة تضرهما. وكما أنه نهي لأهل الحقوق المتعاملين أن يضاروا الشهود والكتاب، فإنه أيضًا نهي للكاتب والشهيد أن يضار المتعاملين أو أحدهما. وهذا أيضًا مما يدخل في قاعدتي: لا ضرر ولا ضرار، وأن الضرر يزال. فلهذا لا يجوز في الكتابة أو في الشهادة أن يضر بالكاتب أو بالشهيد، ولا أيضًا أن يضر الكاتب بأحدهما أو بالمتعاقدين، مثلًا يكتب كما ذكرنا قبل: يكتب أكثر مما يذكرانه أو أقل تواطؤًا مع أحدهما. وكذلك الشهيد أيضًا لا يجوز له أن يضر المتعاقدين، ولا أيضًا المتعاقدان يضران به. أنا مثل ما ذكر الشيخ: أن يدعي في وقت أو حالة تضرهما. أنا في وقت مثلًا اختلاف بين الدائن والمدين، وصار هذا الاختلاف فيه شيء من المضاربة أو من رفع السلاح أو غيره، فيدعيان بعد ذلك الشهيد لأجل أن يشهد في وقت هذه الخصومة وفي وقت غضب أحدهما وكليهما؛ فإنه في تلك الحالة قد يضر بالشهيد، أو أقصد بالشاهد. أنا الشهيد هنا الشاهد. فلهذا فلا بد أن يراعى أيضًا، يراعى الكاتب والشهيد، فلا يدعيان في وقت يضرهما. أو مثلًا هذا الشاهد عنده عمل، عنده عمل مهم لا يستطيع أن يتركه، وإن تركه قد يتضرر لما عمله أو هو، فهنا يؤجل هذه الشهادة لأنه ستضر به في عمله، أو كذلك يضر بعمله. قالوا: كما أنه نهي لأهل الحقوق المتعاملين أن يضر الشهود والكتاب، فإنه أيضًا نهي للكاتب والشهيد أن يضر المتعاملين أو أحدهما. وفي هذا أيضًا: أن الشاهد والكاتب إذا حصل عليهم ضرر في الكتابة والشهادة أنه يسقط عنهما الوجوب. أنا إذا كان سيتضرر في أن يكتب هذا العقد يصيبه شيء من الضرر سقط عنه الوجوب إذا كان واجبًا، كما تقدم. أنا يقول الشيخ: أن هناك حالات يجب فيها الكتابة، وحالات أيضًا يجب فيها الشهادة، كما تقدم؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿مَن يَكْتُمُهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. فالشهادة في حقوق الناس، وخاصة إذا تعينت، فتكون من الواجبات. لكن إن كان عليه ضرر، أنه مثلًا هدد وسيقتل إذا شهد، فهذا يسقط عنه الوجوب، يسقط عنه الوجوب على الصحيح. خاصة مثلًا إذا كان هذا التهديد بالقتل، أو بقطع شيء من أعضائه، أو بأخذ ماله، أو بشيء مما يعود إلى الضرورات الخمس، فإنه يسقط عنه هذه الشهادة، تسقط عنه هذه الشهادة أو الكتابة، أي وجوبها يسقط وجوبها. فإن غامر وجاء فهذا جائز، جائزًا يغامر إذا كان الأمر فيه تهديد فقط، ويعلم أنهم لا يكلمونه وإنما يهددون ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا. وأما إن كان يعلم أنهم أهل شر وأهل أيضًا كذلك سوابق، فلا يضع نفسه في مثل هذا الموقف؛ لأنه قد تذهب نفسه بأجل هذا، فيؤخر حتى تأتي الفرصة، فبعد ذلك يشهد أو يكتب. قالوا فيها: التنبيه على أن جميع المحسنين الفاعلين للمعروف لا يحل إضرارهم وتحميلهم ما لا يطيقون. ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. أن هذا الدائن هو محسن أصلًا، وكذلك الكاتب هو محسن، وكذلك الشهيد هو محسن. فلماذا يأتي إليهم بالضرر وهم محسنون؟ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ بدل مثلًا أن يعطونا مثلًا من المال، أو يعطونا من المكافآت، أحيانًا معنا في بعض الصور، أو أيضًا أن يكرمون بالاحترام وغيره، فيقابلون بالغضب، يقابلون كذلك بما هو يضرهم، أحيانًا من الضرب وغيره. قالوا: كذلك على من أحسن وفعل معروفًا أن يتمم إحسانه بترك الإضرار القولي والفعلي بمن أوقع به المعروف. لا يقول مثلًا: أنا أحسنت إليك، فيقوم ويضر عليه، يضر على أحد المتعاقدين مثلًا، سواء كان الدائن أو المدين، أو البائع أو المشتري، فإنه لا ينبغي أن يفعل ذلك. قال: فإن الإحسان لا يتم إلا بذلك، أن الإحسان يتم بعدم الإضرار بالغير. قالوا منها: أنه لا يجوز، يجوز أخذ الأجر على الكتابة والشهادة حيث وجبت؛ لأنه حق وجبه الله على الكاتب والشهيد، ولأنه من مضارة المتعاملين. وذكرنا قبل أنه في بعض الصور يجوز أن يأخذ الأجر على ذلك، أما إذا تعينت عليه وصار حقًا واجبًا عليه فهذا لا يجوز له أن يأخذ الأجر عليه. عن الكاتب مثلًا أو الشهيد في بعض الصور إذا كان ليس فيه وجوب عليه، وأيضًا لأجل مثلًا أنه سيطرق عمله، ولأجل أنه مثلًا يأتي من مكان بعيد يحتاج حق المواصلات ويحتاج كذا، فيعطى أجره لأجل هذا، ما في شيء، وخاصة الكتابة. قالوا منها: التنبيه على المصالح والفوائد المترتبة على العمل بهذه الإرشادات الجليلة، وأن فيها حفظ الحقوق والعدل، وقطع التنازع، السلامة من السهو والذهول. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا﴾. قالوا: هذه مصالح ضرورية للعبد. وهذا لأن فيه حفظ حقوق الناس، فيه حفظ حقوق الناس، فلهذا كان أقوم للشهادة وأقسط عند الله عز وجل، أن الإنسان يشهد بالحق ويشهد بما أمر، بما علم. قالوا منها: أن تعلم الكتابة من الأمور الدينية؛ لأنه وسيلة إلى حفظ الدين والدنيا، وسبب للإحسان. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمر بعض الصحابة بالتعلم، كما أمر زيد بن ثابت، وأمر كذلك المرأة التي دخلت على أم سلمة وعلمتها الرقية، فقال: «علّميها الكتابة كما علمتيها الرقية». والكتابة أيضًا أمرها ضروري لطالب العلم حتى يستفيد في طلبه العلم، فيكتب ويقيد الفوائد والمسائل، وأيضًا حتى يراجعها إذا متى ما أراد. لأن الإنسان كما قال بعض الأئمة: إما أنه أبو زكريا وغيره، إلى متى يحفظ الإنسان؟ أو قال: كم سيحفظ الإنسان؟ وهو الظاهر لإمام أحمد: إلى كم سيحفظ؟ سيحفظ، سيحفظ، سيضيع. لكن هذه الكتابة تحفظ له ما قد سمعه، هذه الكتابة تحفظ له ما قد سمعه. لهذا كان السلف، خاصة أهل الحديث، يذمون الرجل يأتي بلا دفتر وقلم في مكان في مجلس العلم. وقد قال أبو زكريا يحيى بن معين رحمه الله: «من أراد أن يكذب فليأت مجلس العلم دون كراس ولا قلم». أنا يكتب لحديث، فإنه قد يحفظ ويضيع. أراد يكذب أن يكذب بوهمه، أنا يهم ويخطئ. لأن الحفظ خوان، كما يقول الأئمة: الحفظ خوان، أحيانًا يخونك الحفظ. لكن عندما تكتب، فإن هذا الكتاب قيد وصيد لهذه الفوائد، وكذلك بقاء لها. قالوا ومنها: أن من خصه الله بنعمة أو بنعمة من النعم يحتاج الناس إليها، فمن تمام شكر هذه النعمة أن يعود بها على عباد الله، وأن يقضي بها حاجاتهم. لتعليل الله النهي عن الامتناع عن الكتابة بتذكير الكاتب بقول: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾. ومع هذا: من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. وهذا أيضًا مهم جدًا، سواء كان لأهل العلوم الدينية أو لأهل العلوم الدنيوية. سواء كان طالب علم في علم الشريعة، أو طالب علم في العلوم الأخرى التي ينتفع بها الناس كعلم الطب والهندسة وغيرها، فإن الناس ينتفعون بهذا. طالب العلم الذي قد تعلم العلوم الشرعية لا يختزن هذا العلم لنفسه، لا يختزن هذا العلم لنفسه، بل يدعو ويعلم الناس. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». تعلم القرآن وتعلم تفسيره، وتعلم ما يحتاج إلى معرفته من الحديث وغيره، ثم يعلم الناس، يعلم هذا الذي تعلمه. فهذه البركة، هذه بركة العلم بنشره وبالعمل به. فلهذا فإنه قال: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، فليكتب، وليملل الذي عليه الحق. قول: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، أي هذه نعمة من علمه الله عز وجل هذه الشريعة، فإنه ينبغي عليه أن يشكر نعمة الله عليه. ومن شكر النعمة أنه يدعو إلى هذا العلم العظيم، يدعو إلى هذا الدين. فهذا من شكر هذه النعمة أن علمه الله. كذلك أيضًا مثلًا من العلوم هذه، كما قلنا، التي يحتاج الناس إليها وينتفع الناس، فتجد بعض الناس مثلًا يذهب ويتعلم، ويذهب إلى دولة كذا ودولة كذا، ويأتي بالدكتوراه، ويأتي أيضًا بغيرها، بروفيسور وكذا، لكن ما ينتفع منه إلا الكفار. فيبقى في بلاد الكفر، ويبقى عندهم في أحضانهم، وينتفع به أولئك الكفار، ولا ينتفع به أهله ولا بقية المسلمين. وهذا من الجهل. وهذا أيضًا كذلك من الأمور التي أردت كثير من هؤلاء من شباب المسلمين، بسبب أنهم عاشوا مع الكفار، فتجد أنه لا يفرق بين الكافر والمسلم. بدل ما يعود إلى أهله ويعلمهم وينتفعون به، يعني ينتفعون بهذا الطب مثلًا أو بهذه الهندسة، بدل ما يفعل ذلك يجعل هؤلاء الكفار ينتفعون به، وكذلك يذهب وينفعهم بهذا الذي تعلمه. فهذا ما شكر نعمة الله عز وجل عليه بتعليمه. فلهذا قال المؤلف رحمه الله: وهذا من الاستنباط العظيم. فمن تمام شكر هذه النعمة أن يعود بها على عباد الله، أي أهل الإسلام، وأن يقضي بها حاجاتهم. ليس أنه مثلًا يعالج بعض الكفار وكذا، لكن يجعل هذا العلم الذي تعلمه كله للكفار ومنفعة الكفار، فهذا من الباطل. وأيضًا من عدم شكر النعمة التي أنعم الله عز وجل بها. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، ونكمل في درس لاحق.