الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 128، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أحاديث تصف دنو الشمس من الخلائق يوم القيامة حتى تكون على قدر ميل أو ميلين، مما يسبب شدة حر وعرق يتفاوت الناس فيه حسب أعمالهم، فمنهم من يبلغ العرق كعبيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً حتى يصل إلى فيه.
يبين المقطع اختلاف مدة يوم القيامة بين آية المعارج (خمسين ألف سنة) وآية السجدة (ألف سنة)، موضحاً أن أهل العلم جمعوا بينهما بأن اليوم واحد لكن طوله يختلف حسب حال الناس: فيطول على الكافرين ويخفف على المؤمنين حتى يكون كقدر ما بين الظهر والعصر.
يصف المقطع طول يوم القيامة ومواقف الناس فيه، مبيناً أن وقوف المؤمن يهون عليه بينما يشتد على الكافر، ثم يستعرض الأصناف السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، داعياً إلى الحرص على الأعمال الموجبة لذلك.
يؤكد المتحدث على الحرص على الأعمال الصالحة لتكون ذخراً وسعادة في الدنيا وفي القبر ويوم القيامة، ويختتم الجلسة بالحمد لله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: نقول: الشيخ حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة"، السؤال 116: كيف صفة الموقف من السنة؟ قلنا: هذا الأكثر في المؤلف رحمه الله تعالى؛ حينئذ يذكر الدليل من القرآن، ثم الدليل من السنة. فلما ذكر صفة الموقف من الكتاب، انتقل إلى ذكر صفة الموقف من السنة. قال: الجواب: فيها أحاديث كثيرة، منها -أي بعض هذه الأحاديث- عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يوم يقوم الناس لرب العالمين، قال: يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه». والرشح: المراد به العرق. أي: في ذلك اليوم يتفاوت الناس في تلك الأهوال وتلك الشدائد. فمما يكون في ذلك اليوم: دنو الشمس من أهل الموقف، وكما جاء تفصيل ذلك في حديث المقداد بن الأسود في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشمس لتدنو» -أي تقرب- «من الخلائق يوم القيامة حتى تكون منهم على مقدار ميل أو ميلين». يقول سليم بن عامر الراوي عن المقداد بن الأسود: «فوالله لا أدري أراد ميل المسافة أم ميل المكحلة». وعلى كلا التفسيرين أو التقديرين: فيدل ذلك على قربها من أهل الموقف. لأن الميل -ميل المسافة- يقدر بألف وستمائة متر. ألف وستمائة متر مسافة يسيرة. الآن: كم تبعد عنا الشمس؟ ربما مليارات. ومع هذا في أوج حرارتها، وفي وقت الصيف يعاني كثير منا من حرارة هذه الشمس، فيزداد العرق في الناس، وربما يقطر أحدنا عرقاً، وهي بتلك المسافة الشاسعة، المسافة الطويلة. فكيف لو دنت الشمس مقدار ميل؟ سواء كان ميل المسافة الذي يساوي ألف وستمائة متر -قليل، حاجة يعني لا تقارن بمسافتها اليوم- وقد يحتمل أيضاً أن يكون ميل المكحلة: هذا الميل الذي يكون من نحاس أو نحوه، يدخل في المكحلة كي تكحل به العين. كم مقدار طوله هذا الميل؟ فربما ما يساوي خمسة عشر سنتيمتراً أو عشرين سنتيمتراً، شيء يسير جداً. ففي يوم القيامة يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشمس تدنو من الخلائق. يقول الراوي سليم بن عامر: «فوالله لا أدري أراد ميل المسافة أم ميل المكحلة». قال عليه الصلاة والسلام: «فيأخذهم العرق» -أي على حسب أعمالهم، على حسب أعمالهم يتفاوتون في مقدار هذا العرق الذي يأخذهم. قال عليه الصلاة والسلام: «فمنهم من يبلغ به العرق إلى كعبين». الكعب: هو المفصل الذي يكون بين القدم والساق. فبعضهم يصل به العرق إلى كعبين. «ومنهم من يأخذه العرق إلى ركبتيه» -المفصل ما بين الساق والركبة، أو العضب، نعم: المفصل الذي يكون بين الساق والعضد أو الفخذ، بين الساق والفخذ. قال: «ومنهم من يأخذه العرق إلى حقويه». والحق: هو معقد الإزار من الإنسان الذي يكون في الوسط، معك سبته، معك شيء تربط به إزارك، هذا الموضع هو موضع الحق. فمنهم من يصل العرق إلى حقويه. قال: «ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً». وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى فيه، يعني: يصل إلى الفم. خلاص، إيش بعد الفم؟ يلجمه إلجاماً، هذا العرق. فهذا الحديث فيه تفصيل لما يكون في ذلك اليوم من أحوال الناس في ذلك العرق. وفي هذا الحديث -حديث ابن عمر- يقول عليه الصلاة والسلام: «يقوم أحدهم في رشحه» -يعني في عرقه- «إلى أنصاف أذنه». هذا هو الإلجام، بمعنى أن هذا العرق يلجمه إلجاماً. قال: وحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً». سبحان الله! بكثرته يصل في أسفل الأرض سبعين ذراعاً. سبعين ذراعاً. قال: «ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم». وهو بمعنى الحديثين المتقدمين. قال: وهذه في الصحيح، وغيرها كثير. يعني: هذه الأحاديث في الصحيحين: صحيح البخاري وصحيح مسلم، كما أشار عندكم المعلق حفظه الله. وتقدم أيضاً من أهوال ذلك اليوم: أن مقداره خمسين ألف سنة. وهذا جاء في بعض الأحاديث، منها: حديث: «من لا يخرج زكاة ماله من الذهب إلا صفحت له صفائح يوم القيامة من نار، فيكوى بها ظهره وجنبه في يوم مقداره خمسين ألف سنة». أكد جاء الحديث. وهنا إشكال قد يرد على أذهان بعضكم: أنه في بعض الآيات جاء أن هذا اليوم مقداره خمسين ألف سنة، وفي بعض الآيات جاء أن مقداره ألف سنة. فقال سبحانه وتعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4]. وقد مر معنا ذلك في دليل القرآن في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. وفي سورة المعارج. وقال سبحانه وتعالى في سورة السجدة: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5]. ففي سورة المعارج: خمسين ألف سنة، وفي سورة السجدة: ألف سنة. وكلام أهل التفسير يدل على أن المراد باليومين في سورة المعارج وفي سورة السجدة: هو يوم القيامة، هو يوم القيامة. فكيف الجمع؟ جمع أهل العلم بين هاتين الآيتين: أن خمسين ألف سنة وألف سنة كلها في يوم القيامة، فيكون يوم القيامة على بعضهم ألف سنة، وعلى بعضهم خمسين ألف سنة. واليوم هو يوم واحد، يوم القيامة يوم واحد، لكن يكون طوله على حسب ما يلاقي أهل الموقف من العذاب. فالكافر يكون عذابه عسيراً وشديداً، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: 26]. وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: 9-10]. فبالنسبة للكفار: فقد يكون في حق بعضهم ذلك اليوم مقداره خمسين ألف سنة، وبعضهم يكون ذلك اليوم في حقه ألف سنة. وأما المؤمن: فيكون أقل من ذلك بكثير، يكون عليه هذا اليوم يسيراً. المؤمن. ومما يدل على ذلك: هاتان الآيتان. فكون ذلك اليوم عسيراً على الكافرين، فمفهوم الآية أنه يسير على المؤمنين. وقد جاءت الأحاديث التي تؤيد هذا المعنى. فقد جاء عند الحاكم، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يوم القيامة كقدر ما بين الظهر والعصر». شرع هذا الحديث: أي هذا بالنسبة للمؤمن، هذا بالنسبة للمؤمن يكون عليه يوم القيامة كقدر ما بين الظهر والعصر. ومما يؤيد هذا المعنى أيضاً: ما جاء عند ابن حبان، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يوم القيامة: أن يوم يقوم الناس لرب العالمين مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة، فيهون ذلك على المؤمن، فيهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب». يعني: يكون هذا اليوم -هو الوقوف- يكون هو على المؤمن حتى يكون في حقه كتدلي الشمس للغروب. يعني: لما توشك الشمس أن تغرب، كم تجلس فترة يسيرة حتى يسقط قرصها؟ حتى يسقط قرصها. فذلك اليوم: يوم يقوم الناس لرب العالمين، مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة. يعني: يوم القيامة خمسين ألف سنة، والوقوف منه؛ لأن يوم القيامة ليس وقوفاً فحسب، أعمال يعني: أمور كثيرة، الوقوف، الحساب، الميزان، يعني: أشياء كثيرة. فالوقوف يوم القيامة لرب العالمين: نصف يوم من خمسين ألف سنة، بمعنى: خمساً وعشرين ألف سنة، هذا الوقوف. ثم المؤمن: وقوفه كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب، إلى أن تغرب. يعني: يهون الله عز وجل ذلك الوقوف على المؤمن. بل بعض المؤمنين لا يشعر بذلك الوقوف، خصوصاً ما يكون فيه من الشدائد والأهوال، كالسبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظله إلا ظله. وهكذا كالمتصدق الذي تظله تلك الصدقة في ذلك الموقف، وفي ذلك اليوم، وفي ذلك اليوم. فإذن: الناس يتفاوتون، يتفاوتون في ذلك اليوم. فالكافر يكون وقوفه عسيراً، والمؤمن على وجه العموم يكون وقوفه يسيراً. وكذلك أهل الإيمان يتفاوتون في ذلك الوقوف: فمنهم من ينجى ويعصم من شدائد ذلك اليوم بأعماله الصالحة التي هي سبب لأن يظل في ظل الرحمن سبحانه وتعالى. وهكذا في غيرها من الأعمال. ومنهم من يكون وقوفه يسيراً من أهل الإيمان. فهذا كله يدعونا أيها الإخوة إلى أن نحرص على أن نكون ممن يظلهم الله في ذلك اليوم، وممن يهون الله عز وجل عليهم وقوف ذلك اليوم. ولا يكون ذلك إلا بالأعمال الصالحة، ومنها تلك الأعمال التي ذكرت في حديث أبي هريرة فيمن يظلهم الله في ظله يوم لا ظله إلا ظله. فكما تقدم ذكر منهم: الإمام العادل. وهكذا: شاب نشأ على طاعة الله. هنيئاً لشاب منذ نعومة أظفاره وهو على الاستقامة، وهو على المحافظة على الصلاة، وهو على البعد عن المعاصي، وهو محافظة على طلب العلم والحرص على ذلك. والله: هذه نعمة عظيمة. يوم أن ترى شباباً في أول سن التكليف وهم على استقامة وعلى خير، فيرجى أن يكونوا من هذا الصنف: شاب نشأ في طاعة الله. وهكذا: رجل قلبه معلق بالمساجد. هنيئاً لمن يحب التردد إلى المساجد لأداء الفرائض، لأداء الصلوات الخمس في جماعة، لطلب العلم، لحضور الذكر، ومجالس القرآن، ومجالس العلم. فهذا والله نعمة عظيمة، يرجى من أصحاب هذه المساجد أن يدخلوا في مثل هذا الحديث. وأولى الناس بذلك هم طلاب العلم، الذين المسجد هو يعني بيتهم، وهو مستقرهم، وهو يعني مكان مكوثهم. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من هؤلاء. كذلك: المحبة في الله. رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه. أن يحب المرء أخاه لله عز وجل لما فيه من الخير، ولما فيه من الصلاح، ولما فيه من التقوى. فتكون المحبة لله عز وجل. فهذا أيضاً من أولئك الأصناف. وهكذا: من يعني يخشى الله ويراقب الله عز وجل، فإذا تعرضت له فتنة النساء دفعها، وراقب الله عز وجل، وامتنع عن الوقوع فيها. ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: «إني أخاف الله». وهكذا: رجل ذكر الله خالياً ففاضت عينه. يوم تكون في مكان لا يراك أحد، إنما تكون بينك وبين الله عز وجل. هذه الخبيئة. فتذكر عظمة الله، تذكر جلال الله، تذكر كذلك رحمة الله عز وجل بعباده، وتتفكر في آلاء الله عز وجل، فيخشع قلبك وتدمع عينك من إجلال الله عز وجل وتعظيمه. فيرجى أن تكون من هذا الصنف. وهكذا: الصدقة في السر. أن تكون من أهلها، أن تتصدق ولا يراك أحد، ولا يعلم بك أحد، تكون خبيئة بينك وبين الله. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. وهكذا المرء في ظل صدقته يوم القيامة. فنحرص أن نكون من هؤلاء الأصناف. وعلى العموم: نحرص على الأعمال الصالحة التي تكون لنا ذخراً وسعادة في دنيانا، وعند دخولنا إلى قبورنا، ويوم حشرنا ووقوفنا بين يدي الله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا اليوم. إلى هنا، والحمد لله رب العالمين.