أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 130

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 130

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 130، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أنواع الحساب يوم القيامة ومن يستثنى

ينقسم الحساب إلى قسمين: حساب عرض يسير يُسامح فيه العبد، وحساب مناقشة دقيق يؤدي إلى العذاب. ويستثنى من الحساب الأنبياء، والشهداء، وسبعون ألفاً من الأمة يدخلون الجنة بغير حساب.

الرقية وحساب الكفار وأولويات المحاسبة

يبيّن الفرق بين طلب الرقية المنهي عنه وقبولها دون طلب، ويوضح صفات السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب. كما يوضح أن الكفار يُحاسبون سؤال تقريع وتوبيخ بينما المؤمن يُحاسب استعلام وتذكير، مع أولوية هذه الأمة في الحساب وأول الأعمال المحاسب عليها الصلاة وأول المظالم الدماء.

العرض والحساب يوم القيامة وأدلة القرآن

تستعرض الآيات عرض الخلائق على الله وصفوفهم للحساب، وتفريق الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم، وإثبات الحساب الدقيق حتى لمثقال ذرة. ويبين الفرق بين حساب المؤمن والكافر، ودعاء النبي ﷺ بالحاسب اليسير الذي يعرض فيه العمل ولا يؤاخذ عليه العبد.

دعاء الحساب اليسير وفضله

يُبرز نعمة الله على المؤمن بدعاء «اللهم حاسبني حساباً يسيراً» بوصفه دعاء قصير عظيم الأثر. ويدعو المسلمين إلى الإكثار منه وسؤال الله أن يحاسبهم حساباً يسيراً.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد تقدم الكلام على العرض، وهذا الذي يكون بعد الشفاعة، وهو عرض جميع الأولين والآخرين على رب العالمين. ثم يأتي الحساب، وقلنا: الحساب ينقسم إلى قسمين: حساب عرض، وحساب مناقشة. فأما حساب العرض فهو الحساب اليسير، وهو أن تعرض أعمال الإنسان عليه فيعرف منة الله سبحانه وتعالى عليه وستره عليه، ثم إنه يسامح. ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم حاسبني حساباً يسيراً». وأما النوع الثاني من أنواع الحساب فهو حساب المناقشة، الذي هو بمعنى التدقيق وعدم المسامحة، أن يكون هناك عرض للأعمال ومساءلة وتدقيق عليها، نعم، وتوقيف عليها. فإذا حُسِب الإنسان حساباً كهذا فإنه هالك ولا بد. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من نوقش الحساب عُذِّب، من نوقش الحساب عُذِّب». وفي رواية: «ليس أحد يناقش إلا هلك، إلا هلك». لأن الوقوف على ما عمل الإنسان وما فرَّط وقصَّر، فهذا لا يسلم منه أحد. من ذا الذي انتهى عن كل ما نهى الله عنه؟ ومن الذي أتى بكل ما أوجب الله عز وجل عليه؟ ومن الذي قام بشكر الله على كل نعمة؟ لا شك أن التقصير هو الغالب على ابن آدم، فلذلك من نوقش الحساب عُذِّب. إذن الحساب ينقسم إلى قسمين: حساب عرض، وحساب مناقشة. وهناك طائفة من المؤمنين ليس عليهم حساب، وليس لهم حساب، فيدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. أما العرض الذي هو بعد نزول الرب وشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا عام، يعرض الناس جميعاً على الله سبحانه وتعالى. أما الحساب فهناك من يستثنى منه. فممن يستثنى من الحساب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنهم لا يحاسبون على أعمالهم، وإنما يسألون عن تبليغهم الدعوة، عن تبليغهم الدعوة. وهذا السؤال إنما هو من أجل إقامة الحجة على أقوامهم، أن الله عز وجل أرسل إليهم رسلاً بلغوهم، فيسأل الرسل عن بلاغهم لأقوامهم، فيجيب الأنبياء: أن نعم قد بلغنا البلاغ التام. فحينئذ تقام الحجة على أقوامهم الذين لم يؤمنوا بهم ولم يتبعوهم. إذن أول من يستثنى من الحساب الأنبياء. وكذلك ممن يستثنى من الحساب الشهداء، فإنهم لا يحاسبون، كما جاء عند الحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الشهداء يدخلون الجنة بغير حساب، بغير حساب. وهكذا ممن يدخل الجنة بغير حساب المؤمنون الذين اتصفوا بالصفات الأربع التي جاءت في حديث ابن عباس في السبعين ألفاً من أمة النبي صلى الله عليه وسلم الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء فقال: «هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». فهذه الصفات الأربع، من اتصف بها من المؤمنين لا يحاسب، بل يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب. وإذا تأملت هذه الصفات الأربع لوجدت أنها جامعة بين تحقيق كمال التوحيد الواجب وتحقيق كمال التوحيد المستحب. ففي قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون»، هذا فيه تحقيق كمال الإيمان الواجب، فإن عدم التطير واجب لأنه محرم، والتطير محرم بمعنى التشاؤم، وهو منكر، بل يصل إلى الشرك الأصغر لما فيه من منافات التوكل على الله سبحانه وتعالى. ولا شك أيضاً أن التوكل على الله أمر واجب على وجه العموم. وأما تحقيق التوحيد المستحب ففي قوله: «ولا يكتوون، ولا يسترقون»، لأن الكي ليس بمحرم، بل يكون من التداوي، لكن من توكل على الله وصبر على مرضه توكلاً على الله ولم يكتوِ، فهذا دليل على كمال توكله المستحب، كمال توكله المستحب، أو كمال إيمانه المستحب. وهكذا مثله طلب الرقية، وهو معنى قوله: «ولا يسترقون». لا يسترقون، أي لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، أن يرقيهم. أما إذا جاء الإنسان من تلقاء نفسه ورقى لأخيه المسلم، فهذا لا يدخل المريض في هذا، ماذا في هذا الأمر، بل لا يطلق عليه أنه استرقى، وإنما يطلق عليه أنه استرقي، استرقي ولم يسترقِ، أي لم يطلب هو، لم يطلب هو. فإذا أرقى الإنسان غيره فهذا لا يسمى قد استرقى. وأيضاً لا يدخل في النهي، لا يدخل كذلك في أنه رقى الإنسان نفسه، أن يرقي الإنسان نفسه. بل كان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أكمل الناس توكلاً، عليه الصلاة والسلام، كان يرقي نفسه، عليه الصلاة والسلام، فهذا كذلك لا يدخل في معنى قوله: «يسترقون». نعم، وجاءت في رواية خارج الصحيحين عند أحمد وغيره، صحيح العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومع كل ألف سبعون ألفاً»، وهي رواية كما تقدم حسنها العلامة الألباني. فصار العدد تقريباً خمسة ملايين، هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب من هذه الأمة، ممن يتصفون بهذه الصفات الأربع: لا يكتوون، ولا يتطيرون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون. هذا حاصل ما ذكر في من لا يحاسب. وهنا مسألة أخرى في محاسبة الكفار: هل يحاسب الكفار أم لا يحاسبون؟ لأن الله عز وجل قال في آية في كتابه: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾، المجرمون لا يسألون، هذه ظاهر الآية. وجاءت آيات أخرى فيها سؤال الكفار، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾. فقد جمع أهل العلم بين الآيتين بأن يقال: إن الكفار لا يحاسبون ولا يسألون سؤال استعلام، ومعنى سؤال استعلام يعني تقرير أو محاسبة ومجازاة. على هذا السؤال ليس من أجل أن يعلموا، ليس من أجل أن يعلموا ما هم عليه من الكفر أو من الفساد، وإنما يسألون، وكذلك يحاسبون سؤال تقرير وتقريع وتوبيخ. فتحمل الآية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، أي سؤال تقرير وتقريع وتوبيخ. وتحمل الآية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾، أي سؤال استعلام، ليس من أجل أن يعلموا بما هم عاملون في هذه الحياة، في هذه الحياة. فهكذا جمع أهل العلم بين الآيتين. أما المؤمن فإنه يحاسب محاسبة استعلام، فيتذكر له ذنوبه ليعلمها، ولي كذلك يتذكرها، ثم يحاسب عليها، ثم يحاسب عليها. وأيضاً مما يذكر في هذا: أول الأمم محاسبة هي أمة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما عند ابن ماجة بإسناد صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نحن الآخرون الأولون في الأمم، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟» فنحن الآخرون الأولون. ومعنى الآخرون في الزمن، فإن هذه الأمة آخر الأمم، آخر الأمم، فلا أمة بعدها، وقد سبقت هذه الأمة أمم كثيرة. وأما قوله الأولون، أي في الحساب، أي في الحساب. فقوله عليه الصلاة والسلام: «نحن الآخرون» أي في الزمن، و«الأولون» أي في الحساب، أي في الحساب. هذا أيضاً مما يذكر في هذا المقام، مقام المحاسبة. وأيضاً مما يذكر في مقام المحاسبة: أن أول الأعمال محاسبة الصلاة، فإذا صلحت صلح جميع الأعمال، وإذا فسدت فسدت جميع الأعمال. وهذا يحثنا جميعاً على الاعتناء بأمر هذه الصلاة، كما جاء عند بعض أهل السنن وغيرهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أول ما يحاسب عليه الإنسان يوم القيامة الصلاة». وهكذا أول ما يقضى فيه بين العباد من المظالم في الدماء، ثم في غيره من المظالم، أو ثم في غيرها من المظالم. وهذا كذلك يدعونا جميعاً إلى أن نحذر من هذه المظالم التي تكون بينك وبين العباد. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعض الآيات. قلنا: الآيتان الأوليان ذكرهما المؤلف ليستدل بهما على العرض الذي يكون بعد الشفاعة ونزول الرب سبحانه وتعالى، وهو قوله عز وجل: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. ﴿صَفًّا﴾ اختلف العلماء في المراد به، أهل التفسير، فمنهم من قال: إن جميع أهل الموقف يكونون صفاً واحداً فيعرض عليهم الرب سبحانه وتعالى. وقيل: المراد بصفاً أي صفوفاً، أي صفوفاً. وهذا له نظير في اللغة العربية، فمعنى صفاً أي صفوفاً. وقيل غير ذلك. ثم ذكر آيات في الحساب، في الحساب، منها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. ومعنى يُوزَعُونَ أي يحبسون ويوقفون. وهذا يدل على وقوع الحساب على الكفار، لأنه قال بعدا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وهذا يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ كما تقدم معنا. ووقع القول عليهم بما ظلموا، ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾، فهم لا ينطقون لتوبيخ الله عز وجل لهم. ثم ذكر الآية الأخرى في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾. يصدر الناس يعني يرجعون بعد الحساب، لأن الصدر بمعنى الرجوع، الصدر بمعنى الرجوع. فهم بعد الحساب يصدر الناس أشتاة، ومعنى أشتاة أي مختلفين متفاوتين، فمنهم من هو مع أهل النعيم، ومنهم من هو مع أهل الجحيم والعياذ بالله. وقد قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَصْدَعُونَ﴾، ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. امتاز يعني انفصلوا عن غيركم ممن لم يكن مجرماً، ممن لم يكن مجرماً. فقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾، أي جماعات مختلفين ومتفرقين، ومتفرقين ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾، أي ليرى كل واحد منهم عمله. وهذا يدل على أن الحساب يقع، ثم يصدر الناس أشتاة، ثم يصدر الناس أشتاة، لأن قول الله عز وجل: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾، هذه المحاسبة يطلع كل واحد على عمله، ثم بعد هذا الحساب، ثم بعد هذا الحساب يكون الصدور إلى المكان الذي يستحقه، إما من جنة أو من نار. لذلك قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، يعني في هذا الحساب كل ما تعمله في هذه الدنيا فإنه يعرض عليك، وإنه كذلك تحاسب عليه، ولو كان هذا الشيء مثقال ذرة من خير أو مثقال ذرة من شر. والمثقال هو الجزء الصغير الذي يضرب به المثل في الصغر، الشيء يقال له مثقال ذرة، مثقال ذرة، أي شيء يسير وشيء قليل جداً. فهذا يدل على الحساب، يدل على إثبات الحساب. وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فالمؤمن يُسْأَلُ عَمَّا عَمِلَ مِنْ بَابِ الْحِسَابِ، وَمِنْ بَابِ كَذَلِكَ عَرْضَ الْأَعْمَالِ الَّتِي عَمِلَهَا عَلَيْهِ. وأما الكافر كما تقدم فتعرض عليه الأعمال ويسأل سؤال توبيخ وتقرير وتقريع. وقال سبحانه وتعالى أيضاً: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، أي كل واحد سيوقف ويسأل ويعرض عليه عمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. فكل هذه الآيات تدل على إثبات الحساب لذلك اليوم العظيم. فالواجب على المسلم أن يعد لهذه الأسئلة جواباً، وأن يكون الجواب صواباً. نسأل الله أن يرحمنا وإياكم، وأن يحاسبنا حساباً يسيراً. وذكرنا أيضاً أن من أسباب عدم الحساب، أو أن يحاسب المرء حساباً يسيراً، أن يدعو الله، أن يدعو الله كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام يدعو في صلاته. ولذلك استحب العلماء أن المصلِّي يدعو بهذا الدعاء، سواء كان في سجوده أو قبل السلام من صلاته، فيدعو بهذا الدعاء: «اللهم حاسبني حساباً يسيراً». وعرفنا ما معنى الحساب اليسير، وهو أن يعرض العمل على العبد ثم لا يؤخذ عليه، بل يسامحه الله سبحانه وتعالى، ويمرر عليه أعماله مروراً سريعاً. فهذا من نعمة الله عز وجل على العبد المؤمن، فينبغي للمسلم أن يكثر من مثل هذا الدعاء، وهو دعاء قصير ولكنه عظيم: «اللهم حاسبني حساباً يسيراً». نسأل الله أن يحاسبنا وإياكم حساباً يسيراً. إلى هنا، والله تعالى أعلم.