الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 25، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
النفاق الأكبر هو كفر مخرج من الملة يتمثل في إبطال الكفر وإظهار الإسلام، وقد ورد في حقهم أنهم في الدرك الأسفل من النار. ويختلف عن النفاق الأصغر الذي لا يخرج صاحبه من الملة، حيث يكون الزنديق ورؤوس البدع غالباً منافقين زنادقة.
النفاق العملي لا يُخرج من الإسلام بل يصاحبه إيمان، وتتمثل علاماته في الكذب وإخلاف الوعد وخيانة الأمانة والغدر. وقد يؤدي استحكام هذه الخصال إلى النفاق الاعتقادي، لذا تُطلق أحاديث الوعيد على ظاهرها للردع والزجر.
أهل السنة يحملون الأحاديث ظواهرها التكفير على الكفر العملي والوعيد الشديد لا الكفر الاعتقادي المخرج من الملة. ويستدلون بالقرآن والسنة وأقوال الصحابة وابن القيم، وتُرْوَى على ظاهرها للزجر في المواعظ وتُفصل في مجالس العلم.
يدعو المتحدث الله أن يوفقه للطاعة والرضا، وأن يحييه ويميته على طريق الصحابة وعقيدتهم ونهجهم. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في رسالة أصول السنة لإمام أهل السنة والجماعة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئتين للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. قال رحمه الله تعالى: والنفاق هو الكفر، أن يكفر بالله ويعبد غيره، ويظهر الإسلام في العلانية، مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذه الأحاديث التي جاءت، جاءت ثلاث: «من كن فيه فهو منافق»، هذا على التغليظ، نرويها كما جاءت ولا نفسرها. وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارا ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض». ومثل: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». ومثل: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر». ومثل: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما». ومثل: «كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق». ونحو هذه الأحاديث مما قد صح وحفظ، فإنا نسلم له، وإن لم نعلم تفسيرها، ولا نتكلم فيه، ولا نجادل فيه، ولا نفسر هذه الأحاديث إلا بمثل ما جاءت به، ولا نردها إلا بأحق منها. وهذه مسألة مهمة ساقها الإمام أحمد رحمه الله في آخر هذه الرسالة التي تعد من أفضل الرسائل في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد تقدم أن إسنادها ثابت كما في أول المجالس. وشرع رحمه الله في الكلام على النفاق، فقال رحمه الله: والنفاق هو الكفر. والنفاق اسم شرعي، لفظ النفاق اسم من الأسماء الشرعية، يعني التي جاءت بها الشريعة في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومعنى النفاق مأخوذ من النفاق، وهو المدخل أو السرب في الأرض يكون له مدخل ثم يكون له مخرج، هذا النفاق، ومنه كلمة النفاق، واشتهر الدويبة تسمى باليربوع، كالفأر، يحفر حفراً ثم يجعل له مخارج في أكثر من مكان، فإذا جاء لمسكه من مكان وإذا به يخرج من مكان آخر. قالوا: النفاق هو الكفر، النفاق أن يكون باطنه خلاف ظاهره، هذا هو النفاق. النفاق في الشرع أن يكون باطنه خلاف ظاهره، سواء كان باطنه الكفر أو كان باطنه المعاصي وغيرها. والمصنف رحمه الله الإمام أحمد بيّن النوع الأكبر، فالنفاق نوعان: نفاق أكبر، وهذا كفر ورد عن الدين، ونفاق أصغر لا يخرج صاحبه عن الملة. النفاق نوعان: نفاق أكبر مخرج عن الملة، ونفاق أصغر لا يخرج عن الملة. قال: والنفاق هو الكفر، أي الأكبر، أن يكفر بالله ويعبد غيره ويظهر الإسلام في العلانية، هذا هو النفاق الأكبر المخرج عن الملة. قال رحمه الله: مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيا كان ما أبطنه، فإنه إذا أبطن الكفر وأظهر الإسلام يصير منافقاً نفاقاً اعتقادياً ونفاقاً أكبر، سواء أبطن اليهودية أو أبطن النصرانية أو أبطن المجوسية أو أبطن الإلحاد واللادينية أو أبطن الكفر بالرب عز وجل، كل هذا بأنواع الكفر إذا وجد في صدره وباطنه، وأظهر للناس أنه مسلم وأنه مؤمن، وأنه يشهد أن لا إله إلا الله، ويشهد أن محمداً رسول الله، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويبذل شرائع الإسلام، غير أن في باطنه دينا غير دين الإسلام الظاهر، إما يهودية أو نصرانية أو جحود للرب عز وجل، فهذا نفاق أكبر. والله عز وجل قال في هؤلاء: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾. هذا الصنف الذي يبطن الكفر بأنواعه، أي كان نوع الكفر، ويظهر الإسلام في العلانية، فهذا كما قال الله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، هم تحت الكفار في العذاب، في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيراً. الله جل وعلا يعلمه، ونحن لا نعلمه، ورسول الله قد لا يعلم كثيراً منهم، كما قال عز وجل: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ الآية. فربما يخفى أمر المنافقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بغيره من آحاد المؤمنين من العلماء أو من عامة الناس؟ نحن هنا نغتر بالظاهر، ولهذا جعل الله عقاب هؤلاء شديداً، فقال: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾. ويدخل في هذا عند الفقهاء الزنديق، فالزنديق يبطن الكفر والإلحاد وإنكار الرب وإنكار الموجد الصانع أو الشك في وجوده، هذا الزنديق وهو منافق في عرف الفقهاء، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان الكبير: «أن الزنديق في عرف الفقهاء هو المنافق الذي كان على عهد النبي، على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». فكل من أبطن كفراً أياً كان الكفر الأكبر، فإنه يعتبر من المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيراً، وهذا أمر عظيم، نسأل الله العافية والسلامة. وأهل الأهواء والبدع، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن تدبر هذا علم أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمناً مخطئاً جاهلاً ضالاً عن بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد يكون منافقاً زنديقاً يظهر خلاف ما يبطن. قد يكون أهل البدع على حالين: منهم الجاهل الضال، ومنهم الزنديق، وعامة البدع رؤوسها من المنافقين، رؤوس البدع في الغالب الأعم من المنافقين. عبد الله بن سبأ كان من المنافقين، ورؤوس الروافض من المنافقين، وغيرهم من أهل البدع والضلال، الغالب في الرؤوس أنهم يقصدون بغض الدين وزوال الملة وإضعاف الحنيفية ونشر الضلال والفرقة وتمزيق الأمة، هذا الغالب الأعم على رؤوس أهل الأهواء والبدع، وإن كان الأتباع يتفاوتون. يقول الإمام رحمه الله: وهذه الأحاديث التي جاءت: «ثلاث من كن فيه فهو منافق». انتقل رحمه الله إلى ذكر النفاق العملي أو النفاق الأصغر، والنفاق العملي لا يخرج صاحبه في أصله من الإسلام، بل قد يكون فيه شعبة من شعب النفاق أو شعب من شعب النفاق، ومعه إيمان بالله عز وجل، فيكون مؤمناً ومنافقاً نفاقاً عملياً أصغر. مثل هذا الحديث الذي ذكره المصنف رحمه الله: «ثلاث من كن فيه فهو منافق»، والحديث أخرجه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة، ولفظه: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان. فهذا يدل، لو تأملنا هذا الحديث، على أن ظاهره يخالف باطنه، فهو إذا حدث يتعمد الكذب والإخبار بخلاف الحال، فباطنه الكذب وظاهره يظهر الإخبار بالصدق. إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، يحتمل أن يكون إذا وعد قصد في قلبه عند الوعد إخلاف الوعد، هذا شديد جداً، أن يكون حين يعد ما ينوي أصلاً الوفاء أبداً، حينما يعدك بشيء ليس في نيته أي نية للوفاء، بل في نيته إخلاف الوعد، هذا شديد. ويحتمل أنه في نيته الوفاء، في نيته أن يفي، ولكنه لأدنى عارض يمكن دفعه يتعذر ولا يفي، هذا كله يدخل في صفة النفاق. إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، قد يكون الخيانة في قلبه عند الائتمان، وقد تكون الخيانة طرأت عليه بعد ذلك. الشاهد أن هذه أيضاً من صفات المنافقين. والحديث أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق أربع: من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر». هذه الرابعة: إذا عاهد غدر، قد يكون إذا عاهد في نيته عند العهد الغدر، وهذا شديد، وقد يغدر لأي عارض يعرض له. فهذا الحديث وأمثاله يدل على أن هذا الصنف من الناس باطنه الكذب، باطنه الخداع، باطنه إخلاف الوعد، باطنه الخيانة، ويظهر الصدق، ويظهر الحفظ والأمانة، ويظهر الوفاء بالوعد، ويظهر الالتزام بالعهد، فباطنه خلاف ظاهره، نسأل الله العافية والسلامة. ولكنه هل يحكم عليه بالكفر؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً». من أهل العلم من يقول: قد يكفر بالله، فيكون حكمه حكم الكفار، إذا كان وحكم المنافق الاعتقادي إذا استحكمت وصارت عادة له، فهذه لا تكاد تصدر من مؤمن، إذا صارت هذه عادة له واستحكمت فيه، فقد نحن نقول بلفظ «قد»: قد يكون هذا نفاقاً اعتقادياً وكفراً باطنياً. لقوله عز وجل: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. فالنفاق المراد في هذا الموضع، كما حدثني بعض الأشياء، المراد به النفاق الاعتقادي، فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم، أي نفاق كفر ونفاق اعتقاد، فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون. فمن استحكمت فيه صار في خطر عظيم، وهذا ذكره ابن القيم في كتابه القيم «الصلاة وحكم تاركها»، وذكره أيضاً الإمام الخطابي رحمه الله في شرحه على البخاري وغيره. قال: ما لم تكن له عادة، فإذا صارت عادة قد يحكم عليه بمقتضاها وأنه منافق نفاقاً أكبر. يقول الإمام أحمد رحمه الله: وهذه الأحاديث التي جاءت: «ثلاث من كن فيه فهو منافق»، هذا على التغليظ، نرويها كما جاءت ولا نفسرها، أي للعوام، فإن القصد عندنا هو الردع والزجر، فالأنفع للمسلمين وللعامة أن يطلق الحكم دون تفصيل كما أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا كان من فقه السلف كالإمام أحمد أن يقول: نرويها كما جاءت، أي للعامة، ولا نفسرها، أي للعامة، حتى يحصل الردع والزجر عن هذه الخصال الذميمة من الناس، من لو علم التفصيل، تفصيل الحكم، قد يتهاون ويقول: أنا مؤمن وإن كنت أكذب، فيتعود على الكذب، وربما لو صار له عادة واجتمعت فيه سائر الصفات قد يخرج من الإسلام، عياذاً بالله. فكانت المصلحة في إطلاق هذه الأحاديث كما أطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الإمام أحمد رحمه الله: وقوله صلى الله عليه وسلم، أي ومن هذا الباب، باب الزجر والتغليظ، ورواية أحاديث الوعيد على ظاهرها عند العامة دون تفسير، بنية الردع والزجر عنها. قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارا ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض». قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، رواه جماعة منهم جرير بن عبد الله في الصحيحين، وابن عباس عند البخاري، وابن عمر في الصحيحين، ويوجد أيضاً خارج الصحيح بطرق أخرى. «لا ترجعوا بعدي كفارا»، نقول عند الوعظ للناس: لا ترجعوا كفاراً نقتل المسلمين، هذا أنفع للناس، مع علمنا أن هذه الخصلة لا توجب الكفر الأكبر والإخراج عن الملة بالكلية، بل قد يكون صاحبها مؤمناً مسلماً، وإن كان قاتلاً ظالماً، كما سنذكر بعد قليل إن شاء الله تعالى. قالوا: مثل «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، حديث ثابت في الصحيحين. فحكم صلى الله عليه وسلم على القاتل أنه في النار، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل، فبِمَ المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه، عنده عزم مصمم على ارتكاب الجريمة، لكن ما تيسرت له، فغلبه هذا القاتل فقتله»، كلاهما في النار. نروي الأحاديث كما جاء، وظاهر هذا أنه كافر، ولكنه ليس بكافر كما سيأتي. ومثل: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، من حديث ابن مسعود، متفق عليه عند البخاري ومسلم. سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، سيأتي تفصيل هذا. ومثل: «من قال لأخيه يا كافر فإن كان كما قال وإلا فقد باء بها أحدهما»، حديث في البخاري وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. ومثل: «كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق»، هذا حديث حسن، أخرجه الإمام أحمد في المسند من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، وهذا إسناد حسن. وهذا كله من كفر النعم كما سيأتي. ونحو هذه الأحاديث مما قد صح وحفظ، فإنا نسلم له، أي لا نجادل فيه، وإن لم نعلم تفسيرها، ولا نتكلم فيه، أي بما يؤدي إلى التهاون فيها عند بعض الناس وبعض العوام، ولا نتكلم فيه، ولا نجادل فيه، فيكون الجدال فيها سبباً لضعف العمل بها، فإن الجدال من أعظم أسباب ضعف العمل بالعلم. ولا نفسر هذه الأحاديث إلا بمثل ما جاءت، هذا منهج أهل السنة والجماعة، ولا نفسر هذه الأحاديث إلا بمثل ما جاءت، ولا نردها إلا بأحق منها. أي منهج أهل السنة والجماعة: تفسير هذه النصوص بأخواتها من النصوص، والجمع بين الأدلة، وتفسير بعضها ببعض، ولزوم جادة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. نرجع إلى الأحاديث: قال صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرع بعضكم رقاب بعض». ففي هذا ظاهر هذا الحديث أن اقتتال المسلمين بعضهم مع بعض يكون القاتل والمقتول كلاهما كافرين، عياذاً بالله. لكن هذا يعارضه قول المولى جل جلاله: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، فسماهم الله مؤمنين مع وجود الاقتتال بينهم. ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، فسماهم مؤمنين. فهذه الآية تفسر أن مجرد اقتتال المسلم مع المسلم لا يوجب كفراً أو خروجاً عن الإسلام، بل وعن الإيمان، بل قد يكون قاتلاً مسلماً وقتيلاً مؤمناً، فيجتمع المعصية أو شعبة من شعب المعاصي والكفر مع الإيمان. هذه الأحاديث: «لا ترجعوا بعدي كفارا»، معناها: أنكم لا تكونوا كالكفار في أخذ خصائص الكفار، فإن من خصائص الكفار أن يقتل الكافر الكافر، ولكنك مسلم وهذا مسلم، وأنت مؤمن وهذا مؤمن، فلم تقتل أخاك المؤمن ولم تقتل أخاك المسلم؟ هذا من علامات الكفار ومن خصائصهم. هذا معناه عند الصحابة ومن بعدهم. ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، كذلك ظاهره أنهما كافران، ولكنه ليس على ظاهره. ومثل: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، كذلك قتاله كفر عملي لا يخرجه عن الملة، فهو مسلم وقاتل، عياذاً بالله. ومثل: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»، نفس الحديث فيه ما يفسر الحديث، ففيه: «من قال لأخيه يا كافر»، فكونه قال لأخيه يا كافر، إن قلنا على ظاهر الحديث وأن من قال لأخيه يا كافر فإن كان كما قال وإلا صار كافراً، لم يكن أخاً له، إذا كان على ظاهر الحديث: «من قال لأخيه يا كافر فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه»، هل يصير بعد أن ترجع عليه أخاه؟ هل يصير أخاه بعد أن ترجع إليه؟ الجواب: لا. ففي نفس الحديث جعلوا هذا الذي يحكم على الناس بالكفر أخاً للمحكوم عليه، وهذا يدل على أنه لم يخرج عن الإسلام. نفس الحديث كما قال الأئمة رحمهم الله: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهم»، يحمل على التغليظ والوعيد. ومثل: «كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق»، هذا أيضاً جاء في آية منسوخة تلاوة ومعنى. كل هذه الأحاديث تحمل على التغليظ والزجر، نرويها على ظاهرها تغليظاً وزجراً. لكن الخوارج يرون أن هذه المعاصي توجب الكفر، وضلوا بذلك ضلالاً بعيداً. ولهذا في أحاديث القتل: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهما أدنى الطائفتين من الحق»، فطائفتان تقتتلان، ومع هذا كلاهما يعتبر مسلماً. وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: «تقتلك الفئة الباغية»، ولم يقل الفئة الكافرة، فهي باغية مسلمة، ولكنها لا تكون كافرة. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ابن هذا سيء، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، فسماهم مسلمين مع وجود الاقتتال بينهم. فبان بهذا أن هذه الأحاديث يجب فهمها على ما فهمه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وهنا كلمة لابن القيم جليلة، قال رحمه الله: «إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب للخمر من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان». وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما. وهذا القول وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم، فانقسموا إلى فريقين: فريقاً أخرجوا من الملة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقاً جعلوهم مؤمنين كامل الإيمان، فهؤلاء غلوا وهؤلاء جفوا، وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل. فها هنا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وفسوق دون فسوق، وظلم دون ظلم. انتهى من كتابه «الصلاة وحكم تاركها» صفحة الرابعة والسبعين. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، مع أننا نمرها كما جاءت عند العامة ولا نفسرها بهذه التفاسير إلا في مجالس العلم، وأما عند الخطب والمواعظ التي يقصد بها الزجر والردع، فإننا نرويها على ظاهرها مع علمنا بما فيها من التفصيل الذي قاله الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فأسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لطاعته ورضاه، وأن يحيينا على طريق الصحابة وعقيدتهم ونهجهم وفهمهم وسلوكهم، وأن يميتنا على ذلك، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.