الدرس في شرح العقيدة الواسطية 31، ألقاها
يتناول هذا الفصل تفسير آية قتل المؤمن عمدا، موضحا أن الجزاء هو جهنم والخلود فيها وغضب الله ولعنه مع وجود احترازين في الآية. يُبرز أهمية فهم هذه الآية في سياقها الشرعي.
يستعرض هذا الفصل آراء العلماء في تفسير خلود القاتل عمدا في النار، ويقدم ردودا على الشبهات حول هذا الموضوع، مشيرا إلى أن وجود مقتضي العقوبة لا يعني بالضرورة وقوعها لوجود الموانع.
يفسر هذا الفصل الحديث الذي يرويه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حول رجلين يقتل أحدهما الآخر ويدخلان الجنة، ويبرز التأمل في قدرة الله وعفوه.
بسم الله والحمد لله، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمْ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَقَوْلُهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهُ وَكَرِهُوا رِضْوَانًا وَقَوْلُهُ فَلَمَّا أَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا الْآيَةِ، فَقَدْ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مُؤْمِنًا عَنْ قَتْلِ الْكَافِرِ، وَبِقَوْلِهِ مُتَعَمِّدًا، أَيْ قَاصِدًا لِذَلِكَ بِأَنْ يَقْصِدَ مَنْ يَعْلَمُهُ آدَمِيًّا مَعْصُومًا فَيَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِ مَوْتُهُ بِهِ، عَنِ الْقَتْلِ الْخَطَأِ. فَالْآيَةُ فِيهَا احْتِرَازَانِ: الْأَوَّلُ قَوْلُهُ مُؤْمِنًا، فَخَرَجَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ فِي الْعُقُوبَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَوْلُهُ مُتَعَمِّدًا، كَذَلِكَ خَرَجَ غَيْرُ الْمُتَعَمِّدِ فِي تِلْكَ الْعُقُوبَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، وَهَذِهِ خَمْسُ عُقُوبَاتٍ لِقَاتِلِ النَّفْسِ الْمُؤْمِنِ مُتَعَمِّدًا. قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، أَيْ مُقِيمًا عَلَى جِهَةِ التَّأْبِيدِ. وَقِيلَ: الْخُلُودُ الْمُكْثُ الطَّوِيلُ. وَاللَّعْنُ هُوَ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا لَا تَوْبَةَ لَهُ وَأَنَّهُ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، وَهَذَا مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فَالْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذَكَرُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَوْجِيهَاتٍ مِنْهَا: أَنَّ هَذَا جَزَاءُ مَنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا لِقَتْلِ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا، وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ. وَمِنْهَا: أَنَّ هَذَا هُوَ جَزَاؤُهُ الَّذِي يَسْتَحِقُهُ لَوْ جُوزِيَ، مَعَ إِمْكَانِ أَنْ لَا يُجَازَى بِأَنْ يَتُوبَ أَوْ يَعْمَلَ صَالِحًا يُرَجِّحُ عَمَلَهُ السَّيِّئَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ مَوْرِدَ التَّغْلِيظِ وَالزَّجْرِ، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخُلُودِ الْمُكْثُ الطَّوِيلُ. وَقَدْ أَجَابَ الْعَلَامَةُ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَدَارِجِ، أَنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ وَأَمْثَالَهَا مِمَّا ذُكِرَ فِيهِ الْمُقْتَضِي لِلْعُقُوبَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ مُقْتَضِي الْحُكْمِ وُجُودُهُ. فَالْحُكْمُ إِنَّمَا يَتِمُّ بِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ. وَالتَّوْبَةُ مَانِعٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَالتَّوْحِيدُ مَانِعٌ بِالنُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَالْحَسَنَاتُ الْعَظِيمَةُ الْمَاحِيَةُ مَانِعَةٌ، وَالْمَصَائِبُ الْكِبَارُ الْمُكَفِّرَةُ مَانِعَةٌ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الدُّنْيَا مَانِعَةٌ بِالنَّصِّ. وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ». سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.