الدرس في شرح العقيدة الواسطية 47، ألقاها
أهل السنة والجماعة يؤمنون بما جاء عن الله ورسوله، يثبتون ما أثبت الله لنفسه وينفون ما نفاه. يفوضون المعاني الباطنة لله تعالى مع إثبات المعاني الظاهرة للصفات.
يتناول المقطع موقف أهل السنة والجماعة من صفات الله، مستدلين بأثر الإمام مالك. يوضح الفرق بين القول بأن الكيف مجهول والقول بأنه معدوم، وينتقد منهج أهل التعطيل.
يتناول المقطع ردود الشيخ على شبهات المعطلة حول استواء الله على العرش، مبيناً اختلاف استواء الله عن استواء المخلوقين، مستدلاً بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
الجواب على سؤال حول لزوم لازم باطل هو النفي، ثم ختم بالذكر والدعاء، ليشمل الردود والختام.
قال الشارح رحمه الله تعالى: فأهل السنة والجماعة يؤمنون بما أخبر به سبحانه عن نفسه من أنه مستوى على عرشه، بائن من خلقه، بالكيفية التي يعلمها هو جل شأنه، كما قال مالك وغيره: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول». طيب، قوله رحمه الله تعالى: فأهل السنة والجماعة يؤمنون بما أخبر به سبحانه عن نفسه أنه مستوى على عرشه، بائن من خلقه، إلى آخر كلام رحمه الله. أهل السنة والجماعة قاعدة في هذا الباب، كما مر معنا مرارًا وتكرر، أنهم يؤمنون بما جاء عن الله عز وجل على المراد به، ويؤمنون بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على مراد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فيثبتون ما أثبت الله عز وجل لنفسه، وينفون ما نفى الله عز وجل عن نفسه. وأهل السنة والجماعة في ذلك يثبتون ما أثبت الله عز وجل؛ يثبتون الألفاظ، ويثبتون ما دلت عليه تلك الألفاظ من المعاني الجليلة الواضحة التي هي معلومة في لغة العرب. وأما المعاني الباطنة، التي هي بمعنى الكيف والكن، فإنهم لا يعلمونها، بل يفوضونها إلى الله عز وجل. فالمعنى، كما يقول من يقول من أهل العلم، على قسمين في نصوص الصفات: المعنى على قسمين. معنى ظاهر يجب إثباته لله عز وجل، وهذا معلوم لعموم الأمة. وهو معنى اللفظ بحسب وضعه في لغة العرب؛ معناه المتبادر إلى الأذهان أول سماع الإنسان له. الإنسان إذا سمع «ينزل ربنا» يعلم معنى النزول، إذا سمع «استوى على العرش» يعلم معنى الاستواء، إذا سمع «وجاء ربك» يعلم معنى المجيء، إذا سمع «بل يداه مبسوطتان» يعلم معنى اليدين، وهكذا قل في بقية الصفات. فهذا هو المعنى الظاهر الذي يتبادر إلى الذهن أول ما يسمع به السامع، وهو الموافق للغة العرب. هذا المعنى الظاهر مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الحق الذي لا محيص عنه، ولا ريب ولا شك أنهم يثبتون هذا المعنى الظاهر. ويقابلهم في هذا الباب المفوضة الذين لا يثبتون لله عز وجل لهذه الصفات معنى؛ لا يثبتون لهذه الصفات معنى أصلا، لا ظاهرا ولا باطنا. فيقولون: نؤمن بما جاء عن الله وعن رسوله على مراد الله ورسوله، ولا نعلم لهذه الألفاظ لا معنى ظاهرًا ولا معنى باطنًا. فهؤلاء في عرف السلف العلماء يقال لهم: مفوضة. ومذهب التفويض، كما يقول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى: من شر مذاهب أهل الأهواء. فأهل التفويض يقولون: نحن لا نعلم شيئًا من النصوص. فيجعلون نصوص الكتاب والسنة كأنها ألفاظ أعجمية عند إنسان لا يعلم معانيها. والله عز وجل قد حث على تدبر القرآن وتعقل معناه في آيات كثيرة، فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، ومدح من يستنبط من القرآن، وأثنى على الذين يعقلون القرآن، وصفهم بأنهم «أولو الألباب»، وأنهم كذلك يعقلون. ولكن هؤلاء يقولون: القرآن بالنسبة لنا كالكلام الأعجمي. فماذا يصنعون؟ يفوضون المعاني الظاهرة والباطنة. قلنا: أهل السنة والجماعة -أو كما ذكر من ذكر من أهل العلم- أن المعنى على قسمين: معنى ظاهر يثبت لله عز وجل من النصوص، وهو ما كان متبادرًا إلى الذهن، وهو ما كان موافقًا للغة العرب، كما ذكروا مثلًا. ومعنى باطن، والمعنى الباطن هو بمعنى الكن والكيف، بمعنى الكن والكيف والهيئة. وهذا لا يعلمه إلا الله عز وجل. وهذا المعنى لا يعلمه إلا الله عز وجل؛ أي لا يعلم كيفية صفاته ولا كيفية ذاته إلا هو سبحانه وتعالى. لذا أهل السنة والجماعة في هذا المقام يذكرون مثل هذا الأثر الجليل عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، حينما سئل عن الاستواء، فقال: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول». قوله: «الاستواء معلوم» هذا باعتبار المعنى الظاهر، وقوله: «والكيف مجهول» هذا باعتبار المعنى الباطن. واضح. قوله رحمه الله تعالى: «والكيف مجهول» يدل على أن لهذا الاستواء -أي استواء الله عز وجل على عرشه- كيفية معلومة لله، كيفية معلومة تليق بالله جل وعلا، ولكن هذه الكيفية يعلمها الله عز وجل، ونجهلها نحن. فما علينا إلا التسليم. فقول الإمام مالك رحمه الله تعالى: «الاستواء معلوم» هذا باعتبار المعنى الظاهر، وقوله: «والكيف مجهول» هذا بمعنى المعنى الباطن الذي هو معرفة الكيفية. فهذا بالنسبة لنا مجهول. وإذا كان مجهولًا، فهل أهل السنة والجماعة في مثل هذا المقام يفوضون الكيفية إلى الله عز وجل؟ فيقولون: الله عز وجل استواء يليق به سبحانه وتعالى، كيف شاء؟ الاستواء معلوم، والكيف مجهول. قلنا: وفرق بين أن يقال: «والكيف مجهول»، وبين القول: «والكيف معدوم». ما هو الفرق بينهما؟ الجواب: أن القول بأن الكيف مجهول يدل على أن بهذا الاستواء كيفية معينة يعلمها ربنا جل وعلا، ولكنها بالنسبة لنا مجهولة. وأما إذا قيل: «الكيف معدوم»، فهذا يلزم منهم أن هذه الصفة معدومة؛ إذ ما كان ليس على كيفية معينة، أو كان كيفيته معدومة، فحقيقته كذلك معدومة. وأثر الإمام مالك رحمه الله تعالى هذا ثابت عنهم، فقد رواه عنه الإمام البيهقي رحمه الله تعالى في «الأسماء والصفات» في المجلد الثاني، صفحة ثلاثمائة وخمسة، وغيره. كذلك رواه الدالُمي في «الرد على الجهمية» صفحة ستة وستين، وذكره الذهبي في «كتاب العلو». وهو أثر صحيح مشهور، صححه شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، والحافظ الذهبي، وكذلك الشيخ الألباني رحمه الله تعالى أجمعين. فهؤلاء رحمه الله تعالى صححوا هذا الأثر. وكما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: أن هذا الأثر من الإمام مالك رحمه الله تعالى يكون جوابًا على كل من سأل عن هذه الصفات؛ يكون جوابًا عن كل مسألة يسأل فيها عن باب الصفات. قال رحمه الله: وأما ما يشغب به أهل التعطيل من إيراد اللوازم الفاسدة على تقرير الاستواء، فهي لا تلزمنا؛ لأننا لا نقول بأن فوقيته على العرش كفوقية المخلوق على المخلوق. اللوازم الفاسدة -كما أشرنا إليها- ناتجة عن عدم تسليم تام للنصوص. هذه الأشياء التي تحصل من هؤلاء المعطلة ناتجة عن عدم التسليم التام لنصوص الكتاب والسنة؛ وذلك لأنهم جعلوا بينهم وبين نصوص الكتاب والسنة حاجزًا، وهو العقل. فقالوا: ما أدركه العقل فهو الحق، وما لم يدركه العقل فلا يكون حقًا. ثم عارضوا دلالة العقل بدلالة النقل؛ فما رأوه مخالفًا للعقل من النقل انطلقوا مباشرة إلى تحريفه، وسموه «تأويلًا». لماذا؟ بحجة أن العقل لا يقبله، والعقل ينفيه. ولسان حال هؤلاء أنهم يقولون: لله عز وجل لا حاجة لنا في إثبات ما نثبته لك، أو ما ننفيه عنك، إلى كتاب ولا إلى سنة؛ لأن ما أثبته العقل أثبتناه، وإن خالفه النقل، وما نفاه العقل نفيناه، وإن خالفه النقل. فالحكم أولًا وآخرًا إلى العقل. وهؤلاء -كما ترون- بعد كل البعد عن مراد الله عز وجل، الذي أمرهم بالأخذ بكتابه والاكتفاء به. قال ربنا جل في علاه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾. فهؤلاء لم يكتفوا بكتاب الله عز وجل، ولا بسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بل جعلوا العقل حاكمًا على النقل. وكأن الشرع والنقل سببًا من أسباب الغواية، وسببًا من أسباب الضلال -كما صرح بذلك من صرح من أئمتهم-. فقال عبارة خبيثة بشعة: أن ظاهر نصوص الكتاب والسنة الكفر والتشبيه. أن ظاهر نصوص الكتاب والسنة الكفر والتشبيه. فإذا كان هؤلاء ينظرون إلى الظواهر الكتاب والسنة بهذا المنظار، فما ظنك بعد ذلك بهم في معاملتهم مع الظواهر الكتاب والسنة؟ ينظرون إلى الظواهر الكتاب والسنة أن ظاهرها الكفر والتشبيه. فإذا كان هذا في نظر هؤلاء هو الظاهر من كتاب الله وسنة رسوله، فما لا تتوقع بعد ذلك من أولئك القوم؟ قال رحمه الله: وأما ما يحاولون به صرف هذه الآيات الصريحة عن ظواهرها بالتأويلات الفاسدة التي تدل على حيرتهم واضطرابهم -كتفسيرهم باستولى، أو حملهم على معنى «إله»، واستوى بمعنى «قصد»- إلى آخر ما نقله عنهم حامل لواء التجهم والتعطيل، زاهد الكوثري. أشار الشيخ رحمه الله تعالى هاهنا إلى أن هذه اللوازم الفاسدة -أشار بقوله: اللوازم الفاسدة- إلى اللوازم من استواء المخلوق على المخلوق. فهؤلاء المعطلة يقولون: إذا كان الله عز وجل مستوى على العرش، لكان محتاجًا مفتقرًا إلى العرش. واضح يا جماعة. لكان محتاجًا مفتقرًا إلى العرش، مستندًا على العرش. واضح يا إخوان. قالوا: وهذا لازم باطل، ولازم الباطل باطل. واضح يا إخوة. فالشيخ رحمه الله تعالى قال: وأما ما يشغب به أهل التعطيل من إيراد اللوازم الفاسدة على تقرير استواء، فهي لا تلزمنا. لماذا؟ لأنهم يقولون: استواء يلزم من استواء الله عز وجل على العرش أن يكون محتاجًا مفتقرًا إلى العرش. فإذا كان مفتقرًا محتاجًا إلى العرش، فهذا يدل على افتقار الله عز وجل. وما كان مفتقرًا إلى غيره، فلا يصح أن يكون إلهًا. ولازم الباطل باطل. واضح يا إخوان. والجواب عن هؤلاء -كما ذكر رحمه الله- أن هذا لا يلزمنا؛ لأن هذا إنما يقال في حق استواء المخلوق. أما في حق الخالق سبحانه وتعالى، فليس كمثله شيء في سمعه وبصره، وليس كمثله شيء في استواءه، وليس كمثله شيء في نزوله، وليس كمثله شيء في مجيئه، وليس كمثله شيء في جميع صفاته سبحانه وتعالى. فلا يلزمنا من هذه اللوازم شيء. بل أهل الإسلام من أهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله عز وجل هو الذي يحمل العرش بقدرته سبحانه وتعالى وقوته، ويحمل السماوات والأرض بقدرته، ويمسك السماوات والأرض بقدرته سبحانه وتعالى. وكل شيء إنما هو بقدرة الله عز وجل. فالكل مفتقر إلى الله عز وجل، والله عز وجل هو الغني الحميد. فقولهم هذه، ولوازمهم هذه، إنما تكون في حق المخلوق الذي لا يقوم إلا بغيره. أما عن الله عز وجل الغني سبحانه وتعالى، فهذه اللوازم ليست بلازمة في حقه. بل يجب أن تصان عن هذه الظنون الفاسدة. نقول كما قال ربنا جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ استوى على العرش استواء يليق به، استواء ليس كمثله شيء. استصحبنا هذه الآية عند هذه الصفة، لزال الإشكال من أصله. استوى على العرش ليس كمثل استوائه شيء. هل بقي إشكال؟ الجواب: لا. واضح. هؤلاء يقولون: يلزم من استوائه على العرش أن يكون كاستواء المخلوق. أهل السنة والجماعة يقولون: استواء الله عز وجل على عرشه ليس كمثله شيء. هل يلزم بعد ذلك لازم باطل؟ الجواب: لا يلزم من ذلك لازم باطل. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.