الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 91، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
تناول المقطع الأول مسألة خلافية حول ما إذا كان الأمر يقتضي الفورية أم التراخي، واستدل بالآيات والأحاديث على أن الأصل هو الفورية. بينما ناقش المقطع الثاني دلالة الأمر على الفورية أو التراخي وتكراره.
ناقش المقطع الثالث حكم تأخير الزكاة وتقديمها عن وقت وجوبها، موضحًا أن الأمر للفورية في إخراج الزكاة وأن تأخيرها بدون عذر شرعي يُعتبر آثمًا.
شرح المقطع الرابع قاعدة فقهية وهي أن ما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به، مقيدًا ذلك بشرطين: أن يكون في مقدور العبد وأن يكون مما أمر به الشرع.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وبعد، فقد ذكرنا في الدرس الماضي بعض صيغ الأمر، ومنها الصياغة الأصلية لفعل الأمر، وهي «إفعل»، مثل ما جاء في قوله جل وعلا: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُكُوکِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، ومنها قوله جل وعلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، كقوله جل وعلا: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾، وغير ذلك من الأوامر الواردة في الكتاب والسنة. ومن صيغ الأمر التي ذكرناها الفعل المضارع المقرون بلام الأمر المجزوم بها، كقوله جل وعلا: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلِيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلِيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، «ليقضوا»، «ليطوفوا» هذه من صياغ الأمر، فعل مضارع مقرون بلام الأمر المجزوم بها، «لتؤمنوا بالله ورسوله»، «لينفق»، «لينفق ذو سعة من سعته»، كذلك. ومن صيغ الأمر التي ذكرناها لفظ «فريضة»، «فريضة من الله»، وكلفظ الإيجاب «وجب» أو «كتب»، كذلك، أو التصريح بالأمر «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها»، «إن الله يأمر بالعدل والإحسان»، قال أبي سلمة: «آمركم بأربع»، كل هذه من صياغ الأمر، فيها التصريح بالأمر، وهكذا. ومن صيغ الأمر اسم فعل الأمر، اسم فعل الأمر، كقوله جل وعلا: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، «عليكم» اسم فعل الأمر، وهكذا كقوله جل وعلا: ﴿حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ﴾، «حي على الصلاة» اسم فعل الأمر، «عليكم بسنتي»، كذلك. ومن صيغ الأمر المصدر النائب عن فعل الأمر، المصدر النائب عن فعل الأمر، ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾، «فضرب الرقاب»، «فضرب الرقاب» ضرب هنا مصدر نائب عن فعل الأمر، والمعنى «اضربوا الرقاب إذا لقيتم الذين كفروا»، «اضربوا الرقاب»، لكن جاء بالمصدر النائب عن فعل الأمر. ومنه كذلك مثله قوله جل وعلا: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، «وبالوالدين إحسانا»، مصدر نائب عن فعل الأمر، وهذا أيضا من صيغ الأمر، فالأمر له صيغ كثيرة، قد ذكر العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- إلى كثير منها في كتابه «بدائع الفوائد». ومما يتعلق بمسائل الأمر: هل الأمر يقتضي الفورية أم لا يقتضي الفورية؟ بمعنى أنه على التراخي، هذه المسألة فيها قولان، فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يقول: الأمر يقتضي الفورية، ومنهم من يقول: الأمر لا يقتضي الفورية، وإنما هو للتراخي، إنما هو للتراخي، المهم أن يأتي به. والصحيح في هذا: أن الأمر يقتضي الفورية، الدليل على هذا قوله جل وعلا: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَسَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، هذه النصوص فيها الأمر بالمسارعة وبالمبادرة. وقد تقدم معنا: أن الأمر الأصل فيه الوجوب، وهنا فيه أمر بالمسارعة والمسابقة، فدل هذا على أن الأصل في الأوامر الفورية، أي أن تفعل حالا، ولذلك لعن إبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾، لم يسجد، أمر بالسجود لآدم، فلم يسجد، لم يمتثل، كان الواجب عليه أن يمتثل حالا لأمر الله جل وعلا، فلعنه الله جل وعلا على ذلك. وما يدل على هذا: ما جاء في الصحيح -بخاري وغيره- في قصة الصلح -الحديبية- حين منع المشركون رسول الله -عليه الصلاة والسلام- من العمرة، ومنعوا أصحابه، فأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- الصحابة أن ينحروا وأن يحلقوا ويتحللوا، فكأن الصحابة أرادوا الكمال في هذا، وأن تتم هذه العمرة لهم، فلم يبادروا. فغضب النبي -عليه الصلاة والسلام-، ودخل على زوجه أم سلمة -رضي الله تعالى عنها وأرضاها-، فقالت: «يا رسول الله، ما لك؟»، قال: «كيف بي؟ آمر وآمر بالأمر، فلا يمتثل»، فأشارت إليه -رضي الله تعالى عنها- بأن ينحر هو أولا، ويحلق هو أولا، فنحر النبي -عليه الصلاة والسلام- وحلق، فتتابع الصحابة على ذلك، علموا أن الأمر ما سينزل فيه وحي؛ لأنهم يريدون أن ينزل وحيا، أن ينزل وحيا من الله جل وعلا، لعل الأمر يتغير. فالشاهد من هذا: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- غضب حين تأخروا، غضب حين تأخروا، هذا يدل على أن الأمر للفور؛ لأنه لو لم يكن على الفور لما غضب النبي -عليه الصلاة والسلام-، فهذه الأدلة دالة على أن الأصل في الأمر للفورية، والمراد بالأمر: الأمر المطلق. المراد بالأمر: الأمر المطلق، بخلاف الأمر الذي دل على الفورية، والأمر الذي دل على التراخي، هناك أوامر دلت النصوص على أنها للفورية، وهناك نصوص جاءت بالأوامر دلت على التراخي، ليس الخلاف هنا، ليس هذا موضع الخلاف بين أهل العلم في الأمر الذي دل الدليل على أنه للفورية، أو الذي دل على أنه للتراخي، وإنما الخلاف في الأمر المطلق، الذي لم يدل عليه الدليل أنه للفورية، ولم يدل عليه الدليل أنه للتراخي. وإلا هناك أوامر دل الدليل على أنها للفورية، مثلا: إذا دخل أحد المسجد، إذا دخل أحد المسجد وأراد أن يجلس، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، «فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، هذه الفورية، دخل المسجد، أراد أن يجلس حالا، يصلي ركعتين قبل أن يجلس، لا يقول: «أنا سأجلس بعد أن أصلي ركعتين»، لا، لا يجلس حتى يصلي ركعتين حالا، هذا لا خلاف فيه، وهو أن الأمر هنا للفورية. وهناك أوامر دلت دليل على أنها للتراخي، وهذا ليس هو موضع الخلاف، مثل قضاء صوم رمضان، قضاء صوم رمضان، دلت دليل على جواز تأخير القضاء، وأنه ليس للفورية، قضاء صوم رمضان، كما جاء عن عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت تؤخر قضاء رمضان إلى شعبان، قالت: «لمكان رسول الله -عليه الصلاة والسلام- مني»، فهذا يدل على أن الأمر بالقضاء ليس على الفورية، أي: جائز أن يؤخر، لكن لا شك أن الأبرأ والأحوط المبادرة. لكن هل نقول: فورا يجب؟ الجواب: لا، يجوز التأخير، لكن الأفضل المسارعة والمسابقة، وعائشة -رضي الله عنها- إنما كانت تؤخر لمقام النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- منها، فالخلاف فيما لم يدل الدليل عليه أنه للفورية، ولم يدل عليه الدليل أنه للتراخي، فهنا حصل الخلاف، فمنهم من قال: للفورية، وهو الصحيح، ومن العلم من قال: للتراخي. ولا شك أن الصحيح هو أن الأمر للفورية، يفيد الفورية بدلالة الشرع، ودلالة العقل، إذا قال السيد لعبده: «اذهب»، «اذهب إلى السوق»، أو «ائتني بكذا»، وتأخر هذا العبد، ما ذهب حالا، مذموم، وليس بمحمود، مذموم، لماذا؟ لأنه تأخر، لأن الأمر يقتضي الفور. والدليل قال لك: «يا ولدي، احضر لي كأسا من الماء»، وأنت جلست تتشاغل، نعم، تأخرت مرة، الدقيقة، والدقيقتان، والثلاث، والخمس، وأنت ما شاء الله جالس على الحال الذي عليه، إيش تقول؟ «الأمر ليس للفورية»، «الأمر للفورية»، وهذا معروف عند الناس، إذا أمر الشخص وتأخر، مذموم؛ لأن الأمر له الفورية، أي الأمر المطلق. ومن مسائل الأمر: هل الأمر يقتضي التكرار أو لا يقتضي التكرار؟ هل أيضا مسألة اختلف فيها أهل العلم، والمراد بالأمر: الأمر المطلق، الأمر المطلق، الخلاف بين أهل العلم في الأمر المطلق: هل يفيد التكرار أو لا يفيد التكرار؟ أما الأمر الذي دل الدليل عليه أنه يفيد التكرار، فهذا لا خلاف فيه أنه يفيد التكرار، وهي الأوامر المقيدة بأوصاف، أو مقيدة بشروط، فهذه تفيد التكرار؛ لأن الدليل قد دل عليها أنها تفيد التكرار. مثال ذلك: صلاة الظهر، صلاة الظهر تجب إذا تحركت الشمس، لو زالت الشمس عن كبد السماء، دخل وقت الظهر، زوال الشمس، فمعناه أن هذا يتكرر كلما زالت الشمس، نعم، وجب صلاة الظهر، هذا مقيد بوصف، قال جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾، هذا مقيد بوصف، كلما سرق السارق قطعت يده، نعم، بالتكرار. لكن هذا بشرط أنه إذا لم تتكرر منه السرقة قبل القطع، أما إذا تكررت السرقة منه قبل القطع، فلا يقطع إلا قطعا واحدا، سرق هذا البيت، وسرق هذا الدكان، وسرق هنا، وسرق هنا، تكررت السرقة منه، كم يقطع منه؟ يقطع كفا واحدة، لكن إذا تكررت منه السرقة بعد قيام القطع، فإنه يقطع كلما وجدت السرقة وجد الحكم، فهذا يدل على التكرار؛ لأنه مقيد بوصف. وإذا قيد بشرط، مثل قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول»، فهذا يتكرر كلما سمعنا المؤذن يؤذن، رددنا معه، قلنا مثل ما يقول، أي كما جاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، فهذه دلالة الأدلة على أنها تفيد التكرار؛ لأنها مقيدة بوصف، أو مقيدة بشرط، ليس الخلاف هنا. وأيضا ليس الخلاف فيما دل عليه الدليل أنه للتراخي، هذا ليس محل الخلاف، مثال وجوب الحج، الحج يجب مرة واحدة، دل الدليل على أنه يجب مرة واحدة، لا يجب تكرارا، لكن هذا الذي عليه الدليل، ليس محل الخلاف، حيث روى أبو هريرة -رضي الله عنه- في الصحيح، قال: «قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يا أي، الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج، فحجوا»، فقال رجل: «يا رسول الله، أفي كل عام؟»، سكت النبي -عليه الصلاة والسلام- حتى كرر ذلك ثلاثا، السائل، قال: «لو قلت نعم، لو وجبت، ولم استطعتم»، «ذروني ما تركتكم، إلا ما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم»، «فما أمرتكم بشيء فأتوه منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فدعوه». دل الدليل هنا على أن الحج ليس للتكرار، فليس محل خلاف، محل الخلاف في الأمر الذي لم يدل على أنه للتكرار، ولا للتراخي، ليس للتكرار، أو الوحدة، يعني: مرة واحدة، فهنا حصل الخلاف، فمنهم من قال: للفورية، وهو الصحيح، ومن العلم من قال: للتراخي. ولا شك أن الصحيح هو أن الأمر للفورية، يفيد الفورية بدلالة الشرع، ودلالة العقل، إذا قال السيد لعبده: «اذهب»، «اذهب إلى السوق»، أو «ائتني بكذا»، وتأخر هذا العبد، ما ذهب حالا، مذموم، وليس بمحمود، مذموم؛ لأنه تأخر؛ لأن الأمر يقتضي الفور. ثمرت هذا الخلاف: أن من يقول: إن الأمر يفيد الفورية؛ لأنه لا يجوز لأحد قد استطاع الحج أن يتأخر، استطاع الحج هذه السنة مثلا، ومن استطاع هذه السنة أن يذهب للحج، لا يجوز له أن يتأخر، لماذا؟ لأن الأمر للفورية، لكن الذي يقول: الأمر للتراخي، يقول: بجواز تأخير الحج إلى السنة الثانية، إلى السنة الثالثة. والصحيح: أن الأمر للفورية، فالذي استطاع الحج عليه أن يبادر، لذلك جاءت بعض الأحاديث التي يحسنها بعض أهل العلم، وإن كان فيها كلام، لكن معناها صحيح: «من أراد الحج فليتعجل، فليتعجل؛ فإنه لا يدري ماذا يعرض له»، فلذلك من تأخر عن الحج وقد استطاع، فهو آثم، هذا على قول من يقول: بأن الأمر للفورية، وهو الصحيح. كذلك مثلا في الزكاة، في الزكاة مثلا، الذي يقول: الأمر للفورية، يقول: لا يجوز لأحد قد حال على ماله الحول، وقد بلغ النصاب أن يؤخر، لا يؤخر، الأمر للفورية، بلغ النصاب في يوم كذا، حال عليه الحول في يوم كذا، عليه أن يخرج زكاة ماله حالا، لا يتأخر، إذا تأخر هو آثم؛ لأن الأمر للفورية. لكن يجوز التقديم، قد دل على جواز التقديم السنة، قد تعجل النبي -صلى الله عليه وسلم- زكاة المال، لكن التأخير لا يجوز، وأجاز بعض أهل العلم التأخير لإخراج زكاة المال مع حساب الفارق، مع حساب الفارق، فترة التأخير، لكن الله أعلم، الأحوط والأبرأ ألا يتأخر. ما هو شرط أن تكون الزكاة في رمضان؟ لا، أنت عندك حال الحول على مالك في شهر شعبان، نعم، مالك بلغ النصاب، وحال الحول عليه في شعبان، لماذا تؤخر إلى رمضان؟ لا تؤخر إلى رمضان، أخرج زكاة مالك في شعبان، وهذا يخرج زكاة ماله في صفر، وهذا يخرج زكاة ماله في رجب، وهذا يخرج زكاة ماله في شوال، كل بحسب الوقت الذي حال عليه الحول، وبلغ ماله فيه النصاب. لكن اليوم مثلا تجد الكثير يجعلون الزكاة في رمضان، نعم، من الناس من يحتاج إلى المال في غير رمضان، ربما في رمضان تصدق ذاته، صدقات من هنا ومن هنا، لكن الشوال يمر عليه شهر عجيب، نعم، ملابس العيد، كسوة العيد، نعم، مثلا نقول مثلا في ذي الحجة، نعم، في ذي الحجة مثلا، طيب يحتاج إلى ملابس، يحتاج إلى أولاده، يحتاج إلى طعام، يحتاج إلى شراب، وقد أخذ الزكاة في رمضان، وين رمضان؟ وين رمضان؟ رمضان، شوال، في القعدة، وفي الحجة، ها. فإذا كانت الزكاة تخرج في وقتها، يحصل بها منفعة عظيمة، نعم، هذا في رمضان زكى ماله، وهذا في كذا، وهذا في كذا، هذا أفضل، وللشرع حكمة في هذا، لو كانت الفائدة في إخراج زكاة المال في رمضان لأوجب الله جل وعلا الزكاة في رمضان، كما أوجب الصيام في رمضان، يوجب الزكاة في رمضان، فيجعله شهر صيام، وشهر ماذا؟ وشهر زكاة، لكن لا، الشرع ما جعل الزكاة إلا ببلوغ النصاب، وحوالان الحول. وهذا قد يكون في رمضان، قد يكون في شوال، قد يكون، وأحكام الشرع حكيمة، والله جل وعلا الحكيم في أحكامه، وفي شرعه، لا تظن أنت أنك الأفضل في رمضان، لا، الشرع إذا كان هذا هو الأفضل، قد سبقك الشرع في هذا، يكون الشرع قد سبقك في هذا، وجعل الزكاة في رمضان، لكن جعل الزكاة بهذه الشروط: حوالان الحول، وبلوغ النصاب. فالذي يقول: الأمر للفورية، يقول: لا يجوز تأخير زكاة المال، لا يجوز تأخير زكاة المال، حال على مالك الحول في شعبان، بلغ النصاب، أخرج زكاة مالك، فيما لا تؤخر، لا تؤخر، فالتأخير آثم؛ لأن الأمر على الفورية، كذلك من ثمرة الخلاف فيما يتعلق بالكفارات، الوفاء بالنذر، إنسان نذر أن يفعل شيئا، نذر أن يفعل شيئا، فيجب عليه الوفاء بالنذر، يجب عليه الوفاء بالنذر. الذي يقول: الأمر للتراخي، يقول: لا يجب عليه أن يفي بالنذر حالا، لكن هو يجب عليه أن يفعل هذا الذي نذره على نفسه، لكن الذي يقول بالفورية، يقول: يجب عليه الوفاء بالنذر، وإذا وقع في الحنث، وجبت عليه الكفارة حالا، مثلا نذر على نفسه أن يصوم ثلاث أيام، ثم لم يستطع أن يصوم الآن، عليه كفارة يمين، عليه كفارة يمين. الذي يقول بالفورية، يقول: حالا يخرج كفارة اليمين، الذي يقول بالتراخي، يقول: ليس مهم، بعد يومين، بعد ثلاث أيام، مهم، كفارة في ذمته؛ لأن الأمر ليس على الفور، لكن الصحيح: أن الأمر على الفور، ليس على التراخي، وهكذا الصحيح في الأمر أنه لا يفيد التكرار، لا يفيد التكرار، أي الأمر المطلق، إلا إذا دل عليه الدليل. وقد تقدم بأنه قد يقيد بوصف، أو يقيد بشرط، فيكون للتكرار، من مسائل الأمر مثل الأخيرة، نختم بها لضيق الوقت: ما يتعلق بما لا يتم المأمور إلا به، فهو مأمور به، ما لا يتم المأمور إلا به، فهو مأمور به، سواء كان واجبا أو كان مستحبا، مثال على الواجب: الصلاة جماعة في المسجد واجبة، ﴿فَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، هذا الأمر لا يتم إلا بالمشي إلى المسجد، فالمشي واجب، المشي إلى المسجد واجب؛ لأنه لا يتم المأمور به، وهو صلاة الجماعة إلا بالمشي، فيجب عليه أن يمشي، المشي واجب. الحج واجب، لا يتم الحج إلا بإخراج الجواز، ما يمكن أن يذهب إنسان للحج اليوم إلا بجواز، إخراج الجواز واجب، كيف إخراج الجواز واجب؟ نعم، لا يتم المأمور به، وهو الحج إلا بالجواز، ما يمكن أن يحج إلا بجواز، إذن إخراج الجواز واجب، وهكذا. وفي المستحب مثلا: كالطيب يوم الجمعة، أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتزين، وبالطيب يوم الجمعة، طيب، الطيب لا يمكن يوم الجمعة إلا بالشراء، لا بد أن نشتري طيبا، فما حكم شراء الطيب يوم الجمعة؟ شراء الطيب يوم الجمعة مستحب، شراء الطيب مستحب، نعم، مستحب، لماذا؟ لأنه ما يمكن أن يتطيب إلا بطيب، الطيب لا يمكن أن يحصل عليه إلا بالشراء، فشراء الطيب مستحب. ستر العورة في الصلاة واجب، ما يمكن أن يستر عورته إلا بشراء الثوب، ما حكم شراء الثوب؟ شراء الثوب واجب، واجب أن يشتري ثوبا ليستر عورته، دفع، وهكذا، ففي الواجب واجب، وفي المستحب مستحب، وهذه قاعدة عظيمة تدخل تحتها مسائل كثيرة. وما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به، لكن هذا يقيد بشرطين لابد منهما؛ لأنه حصل الخلل في هذا بعدم فهم هذه القاعدة، لابد من قيدين مهمين، القيد الأول: أن يكون ذلك المأمور الذي لا يتم به المأمور به في مقدور العبد، القيد الثاني: أن يكون مما أمر به، وضاق الوقت، لتفصيل هذا، فإن شاء الله لعل نذكر ذلك في درس لاحق. صلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله عليهم أجمعين.