الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 59، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
الحلف بغير الله يعتبر شرك أصغر وقد يكون شركا أكبر إذا اقترن بالتعظيم أو الخوف من المحلوف به. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف بغير الله وأمر بتحويله إلى الحلف بالله تعالى.
يوجد العديد من الألفاظ التي يستعملها الناس دون وعي بأنها تعتبر شركا أصغر، مثل الحلف بحياة أحد أو إضافة النعم للأسباب دون الله. هذه الألفاظ تحتاج إلى وعي وتوضيح لخطورتها.
الدرس يشير إلى استمرار الحديث عن الشرك الأصغر في الدرس اللاحق، مما يدل على أهمية فهم هذا الموضوع وتفاصيله. تم التأكيد على ضرورة الوعي بمثل هذه الألفاظ والابتعاد عنها.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. ومن بعد، كان آخر الكلام عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «والشرك قد جاء منه أصغر وهو الرياء، من من سوى الرحمن ما عبده، كمن يصلي ربي ثم زينها لما يرى أن إليه ناظر أحد». كذلك الحلف بالمخلوق، من وثن كذا الأمانة والآباء والولد. قلنا: إن الحلف بغير الله جل وعلا شرك أصغر. قال أصل: «أن الحلف بغير الله جل وعلا شرك أصغر». قال عليه الصلاة والسلام: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك». وهذا الحديث صحيح، العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وغيره من أهل العلم. وما يدل على أن الحلف بغير الله شرك أصغر حديث قتيلة رضي الله تعالى عنها: «أن رجلا من اليهود أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة». أقر النبي عليه الصلاة والسلام هذا اليهودي على قوله: «إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة». والحلف بالكعبة حلف بغير الله جل وعلا، فدل هذا الحديث على أن الحلف بغير الله جل وعلا - كالحلف بالكعبة، أو الحلف بالأمانة، أو الحلف بالعيش والملح - إلى آخر ذلك، الحلف بالآباء، كله من الشرك الأصغر. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فلا تقولوا: ما شاء الله وشئت، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شئت». وإذا أرادوا أن يحلفوا، أن يقولوا: ورب الكعبة. قال: «لا يقولوا: والكعبة، وإنما يقولون: ورب الكعبة». وذكر المؤلف رحمه الله تعالى: «الحلف بالمخلوق من وثن»، حلف بالأوثان، كالحلف بالأولياء أو بقبور الأولياء، والحلف بالأضرحة، والحلف بالله والعزة، كما كان يحلف كفار قريش. وكان يأتي هذا على بعض ألسنة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وذلك أنهم تعودوه قبل إسلامهم، فكانت تأتي على لسانهم وتجري على ألسنتهم سهوا وخطأ. فكانوا يقولون: واللات والعزة. وذلك كان النبي عليه السلام يأمرهم، كما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه عند النسائي، قال عليه الصلاة والسلام: «من حلف، فقال في حلفه: واللات والعزة، فليقل: لا إله إلا الله». فكانت تجري على ألسنة الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ لأنهم تعودوها. فدل هذا على أن الحلف بغير الله جل وعلا شرك أصغر. شرك أصغر، وقد يكون شركا أكبر. حلف بغير الله قد يكون شركا أكبر إذا كان ذلك الحلف مع تعظيم وخوف سر وغير ذلك. وهذا حاصل عند بعض الناس لمن يخاف من المقبورين، يخاف من المقبورين من الأولياء وغيرهم. فإذا قيل له: احلف بالله، حلف ولا يبالي. وإذا قيل له: احلف بالولي الفلاني، احلف بعمر المحضار، احلف بسالم بن عمر، احلف بكذا، يخاف لا يحلف، خوفا، خوف سر. هذا من الشرك الأكبر. إذا كان الحلف بالمحلوف به تعظيما وخوفا، خوف سر، هذا ينتقل إلى الشرك الأكبر. أما إذا كان الحلف به غير الله جل وعلا من غير تعظيم ذلك المحلوف به كتعظيم الله جل وعلا، فالأصل أنه شرك أصغر. فلذلك ينتبه هؤلاء الذين يعظمون الأولياء، فلا يحلفون إلا صادقين. وإذا حلفوا بالله جل وعلا حلفوا كاذبين. لماذا؟ هناك من يحلفون صادقين إذا حلفوا بالأولياء، أو إذا حلفوا بالله جل وعلا كانوا كاذبين. نريد تفسيرا لهذا. لا يفسر هذا إلا بأنه قد قام بقلوبهم التعظيم لأولئك المحلوف بهم من الأموات أعظم من تعظيمهم لله جل وعلا، أو كتعظيمهم لله سبحانه وتعالى. فإذا الحلف بالأوثان، الحلف بالأضرحة، الحلف بالأولياء، كل ذلك من الشرك الأصغر، لكن قد يكون من الشرك الأكبر كما سمعتم. قال: «كذا الأمانة». الحلف بالأمانة قد قال النبي عليه السلام، كما عند أبي داود، من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «من حلف بالأمانة فليس منا». والأسف، هذا حاصل عند من يقول: أمانة بكذا اشتريت، أمانة هذا من البلاد الفلانية، هذه الفاكهة فاكهة مارد، وفاكهة صعدة، أو صنع ياباني أو صنع كذا، أمانة. أمانة، وإذا قال: أمانة، كأنه ينوي بذلك الحلف. فهذا حلف بالأمانة، وإن لم يقل: أقسم بالأمانة، وإن لم يقل: أحلف بالأمانة. إذا قال: أمانة، وهو ينوي الحلف، فإنما الأعمال بالنيات. يكون ذلك قسما بغير الله جل وعلا، وحلف بغير الله، وهو كذلك من الشرك الأصغر. وبعضهم يقول: والعيش والملح. وبعضهم يقول: ورأس أمي. وبعضهم يقول: وعمري. وبعضهم يقول: وأولادي. وهكذا، كل ذلك من الحلف بغير الله جل وعلا الذي هو شرك أصغر. قال رحمه الله تعالى: «كما الأمانة والآباء والولد». الحلف بالآباء كذلك، كما تقدم معنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع عمر رضي الله تعالى عنه يحلف بأبيه، كما في الصحيح، قال: «لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». فالحلف بالآباء كان في أول أمر مسكوتا عن الإنكار عليه، كما سمعتم في حديث قتيلة. وهكذا جاء في حديث الطفيل عند ابن ماجه، حديث الطفيل أخي عائشة لأمها رضي الله تعالى عنه: «أنه رأى رؤيا، رأى أنه مر بنفر من اليهود، فقال لهم: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير بن الله». قال: «فأما أنتم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد». ثم أتى على نفر من النصارى، فقال: «أنتم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح بن الله». قال: «فأما أنتم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك. وقبل ذلك أخبر بها من أخبر من الناس، ثم جاء للنبي عليه الصلاة والسلام وقص عليه هذه الرؤيا التي رآها. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «هل أخبرت بها أحدا؟» قال: نعم. ثم أخبر النبي الناس بما رأى طفيل من تلك الرؤيا، ثم قال: «إنكم كنتم تقولون كلمة، وكان يمنعني أن أنهاكم عنها كذا وكذا»، أي: أنهم كانوا يقولون: ما شاء الله وشاء محمد. والرسول كان يمنعه من الإنكار كذا وكذا. فسرها العلماء بأنه عليه الصلاة والسلام لم ينزل عليه وحي بذلك بالإنكار عليهم من قول هذه الكلمة، وهي من الشرك الأصغر. ما شاء الله وشاء محمد شرك أصغر. ومع هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد منع في أول أمره عن الإنكار على قائل ذلك، حتى رأى الطفيل هذه الرؤيا، وأخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام. فجاء بعد ذلك النهي عنه عليه الصلاة والسلام. والرؤى من أقسام الوحي. فالشاهد: أن الحلف بغير الله، وهكذا يقول: ما شاء الله وشاء محمد، كان في أول الأمر مسكوتا عنه في شريعتنا، حتى جاء النهي بعد ذلك. وذلك كانوا يقولون: كانوا يحلفون بالآباء. بل جاءت بعض الأحاديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفلح وأبيه إن صدق». بعض العلماء قال: هذا في الحلف بالآباء؛ لأنه كان مادونا به في أول أمر. ومن العلماء من قال: بل هذه الرواية أصلا شاذة. لكن الشاهد الذي نريده: أن الإنكار على من يحلف بغير الله، ومن يقول: ما شاء الله وشاء محمد، في أول الأمر كان مسكوتا عنه، حتى جاء النهي من النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. فصار الحلف بالآباء من الشرك الأصغر، وهكذا الحلف بالولد. ثم قال: «وبالشهادة فالساهي يكفر». وبالشهادة، أي: شهادة أن لا إله إلا الله. الساهي: يعني الذي سهى، وقال وحلف بغير الله يكفر. والكفارة: يقول: لا إله إلا الله؛ كي يقر في القلب معناها، ويثبت. لماذا يقول: لا إله إلا الله؟ لكي يثبت الإيمان في قلبه ويقوى؛ لأن مثل هذه الكلمة التي خرجت سهوا لها أثر على الإيمان في القلب؛ لأنها نقص، فحتى يكمل الإيمان ويقوى ويعظم، يقول: لا إله إلا الله. وليس هذه الكلمة تجديدا للإسلام، ليس قول: لا إله إلا الله تجديدا للإسلام؛ لماذا؟ لأنه لم يكفر أصلا حين قال: واللات والعزة. من قال من الصحابة ذلك؛ لأنهم قالوها سهوا. نعم، لكن أمرهم من يقول: لا إله إلا الله؛ ليقوى الإيمان في القلب. وذلك قال: «كي يقر في القلب معناها ويرتصد»، يكون قويا، ويكون ثابتا، ويكمل الإيمان في القلب. فإذا هي لتقوية الإيمان، ولتثبيت الإيمان في القلب، ولتحصيل كمال الإيمان؛ لأن هذه الكلمة لها أثر، ولها أثر في نقص إيمان العبد. فقوى لا إله إلا الله تثبيتا لها، وكذلك تكميلا لإيمان في القلب. قال رحمه الله تعالى: «ونحو لولا فلان كان كذا، وما شاء الإله وشئتنا». الكل منتقد أيضا من الشرك الأصغر. قول الرجل: لولا فلان لكان كذا وكذا، أو لولا الله وفلان، أو ما شاء الله وشاء فلان، هذا كله شرك أصغر. وقد جاء عند ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى، عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: «أن ابن عباس فسر قول الله جل وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾»، قال ابن عباس: «الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل». وهو أن تقول: «والله وحياتك يا فلان وحياتي، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، ولولا كليبة هذا لأتانا اللصوص». وقول الرجل: «ما شاء الله وشئت»، وقول الرجل: «لولا الله وفلان». كل ذلك به شرك. كل ذلك به شرك. هكذا قال ابن عباس. إذن، هذه ألفاظ يقولها بعض الناس، وهذا شرك، وجعله ابن عباس من المنهي عنه، وهو من التنديد؛ لأنه فسر قول الله جل وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، جعل من التنديد ومن الشرك الذي هو شرك أصغر؛ لأنه يأتي على الألفاظ مثل هذه الألفاظ. ماذا قال في أولها؟ قال: «أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي». والله الآن هذا حلف بالله، قسم بالله. والله وحياتك هذا قسم بحياة فلان. والقسم بحياة فلان شرك أصغر. وهذا يقع فيه طائفة من الناس، يقول: وحياتي وحياتك، أن هذا كذا. وكذلك وحياتك وحياتي، إذا قسم بحياة فلان أو أقسم بحياته، فهذا الشرك أصغر. وهذا قال الرجل: «لولا البط في الدار لأتانا اللصوص». البط هذا طائر، يعني إذا جاء اللصوص يصيح، فيهرب اللصوص. فمثلا إذا حصل لبعض الناس مثل ذلك، جاء اللصوص وصاح هذا البط، فهرب اللصوص، فجاء الرجل قال: «لولا البط في الدار لأتانا اللصوص». هذه كلمة يقولها ويرى أنها لا شيء فيها. وابن عباس يقول: هذا شرك، هذا شرك. لماذا؟ أين وجه الشرك؟ وجه الشرك: أنه أضاف حصول النعمة إلى السبب، وهو البط الذي في الدار، متغافلا المسبب والمنعم الحقيقي، وهو الله جل وعلا. وهكذا قال: «لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص». كليبة: تصغير كلب، أي: كأنه قال: لولا الكلب هذا لأتانا اللصوص. إذا جاء اللصوص ونبح الكلب هرب اللصوص، فاستيقظ الرجل على نباح الكلب، فلما قام قال: «لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص وأخذوا المال». هذا أيضا شرك أصغر؛ لماذا؟ لأنه حين قال: «لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص»، أضاف حصول النعمة، وهي حفظ ماله، إلى السبب، وهو الكلب، وغفل عن المنعم الحقيقي، وهو الله جل وعلا. كان واجب عليه أن يقول: لولا الله، ولولا فضل الله، بعد ذلك يقول: ثم الكلب، ثم البط. لا، لكن أن يقول: لولا البط، لولا كليبة، ويتعلق قلبه بالسبب، متناسيا المسبب، مسبب الأسباب، وهو الله جل وعلا. فهذا عدّه ابن عباس، والسلف من الشرك الأصغر الذي يأتي على الألفاظ، وهو خفي، يخفى على كثير من الناس. لذلك وصفه ابن عباس في بداية كلامه، قال: «الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل»، يعني معناه: يريد ابن عباس أن هذا شيء خفي جدا، دقيق جدا، يغفل عنه كثير من الناس، مما يجري على ألسنتهم وألفاظهم، من هذه الألفاظ التي هي شرك أصغر بالله جل وعلا. وسيأتي معنا تكملة هذا البيت من ذكره: «لولا فلان»، وغير ذلك، وأنه من الشرك الأصغر، في درسنا اللاحق إن شاء الله تعالى. انتهى الوقت. صلى الله عليه وسلم، مبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.