الدرس في شرح القواعد المثلى 38، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ ابن عثيمين شبهة أهل التحريف القائلة بأن آيات المعية تقتضي مخالطة الله لخلقه بذاته، ويرد عليها مبيناً أن ظاهر الآيات وحقيقتهما إثبات معية الله بالعلم والقدرة والإحاطة والسلطان مع علوه على عرشه. ويؤكد أن حمل الآية على ظاهرها اللائق بجلال الله دون تحريف هو منهج أهل السنة، نافياً أن تكون معية مخالطة أو حلولاً.
يقرر المقطع أن معية الله في اللغة لا تقتضي الاختلاط أو الحلول بل تدل على المصاحبة المفسرة بالعلم والإحاطة، مستدلاً بلغة العرب وسياق الآيات المنزهة لله عن إحاطة المخلوقات به. ويرد على القائلين بالحلول بثلاثة أوجه: مخالفتهم لإجماع السلف، ومنافاتهم لعلو الله الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة، واستلزام قولهم لوازم باطلة لا تليق بالله تعالى.
يؤكد المتحدث أن بطلان اللازم يستلزم بطلان الملزوم، وبذلك يبطل القول بالاختلاط والاتحاد من عدة أوجه شرعية وعقلية. ويختتم الدرس بالإشارة إلى أن ما تبقى من المباحث سيكمل في درس قادم إن شاء الله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله في كتابه "قواعد المثلى" في مبحث "شبهات الجواب عنها": قال المثال الخامس والسادس: قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، وقوله في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾. قال الشرح: عفواً، هذه الشبهة يقول فيها أهل التحريف: "يا أهل السنة، تقولون أنكم لا تحرفون ولا تؤولون، فهذه الآية في سورة الحديد ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، ظاهر هذه الآية أن الله معنا بذاته، أن الله مختلط بنا، وأنتم لا تقولون بهذا يا أهل السنة، ثم تقولون: الله معنا بعلمه". فيقولون: "أخرجتم هذه الآية عن ظاهرها وأولتموها بهذا التأويل، فإما أن تقولوا بقولنا وهو التأويل، وإما أن تسكتوا عنا وتداهنونا ولا تنكرون علينا". كانت هذه شبهتهم، وكذلك في الآية الثانية في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، فقالوا: ظاهر هذه الآية أن الله معنا في أماكننا، ﴿هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا﴾، ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، فيقال: مثل ما قلنا في الأول. والجواب: قال: والجواب أن الكلام في هاتين الآيتين حق على حقيقته وظاهره، ولكن ما حقيقته وظاهره؟ هل ظاهره وحقيقته ما ظنه هؤلاء وما ألزم به أهل السنة من أن المعية تقتضي المخالطة، أو أن ظاهره شيء آخر سينبه عليه المؤلف رحمه الله تعالى؟ فأهل السنة أخذوا بظاهر هاتين الآيتين، لكن ما هو هذا الظاهر؟ قال: هل يقال إن ظاهره وحقيقته أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون مختلطاً بهم أو حالاً في أماكنهم؟ تعالى الله عن ذلك، ليس هذا ظاهر الآية، هذا قول أهل الحلول، هذا قول أهل الحلول والاتحاد، هم الذين يعتقدون هذه العقيدة، فحاش لأهل السنة أن يقولوا أو يعتقدوا هذه العقيدة، فليس هذا ظاهر الآية، هذا أولاً. أو يقال إن ظاهره وحقيقته أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطاً بهم علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وتدبيراً وسلطاناً وغير ذلك من معاني ربوبيته، مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه؟ فهذا هو ظاهر الآيتين: أن الله سبحانه وتعالى نعم مع خلقه، لكن معية العلم والقدرة والإحاطة والسلطان، ليست معية مخالطة، ليست معية مخالطة. فمن معاني المعية: معية العلم، أو معية كذلك القدرة، أو نحو ذلك مما تستلزمه المعية، مما تستلزمه المعية. فالله عز وجل مستوٍ على عرشه استواء يليق بجلاله، وهو سبحانه وتعالى مع خلقه بعلمه وإحاطته وسلطانه. فصفات الله عز وجل لا تشبه أو تمثل بصفات المخلوقين، فالذي يستحيل في المخلوق أن يكون مستوياً ومحيطاً بكل شيء، هذا لا يمكن أن يكون في المخلوق، لكن الخالق سبحانه وتعالى فهو على كل شيء قدير، سبحانه وتعالى. فأهل السنة ما أخرجوا هذه الآية عن ظاهرها، ما أخرجوها عن ظاهرها، ولذلك قال هنا الشيخ: "تقتضي أن يكون محيطاً بهم علماً وقدرة وسمعاً وبصراً"، ليس محيطاً بهم مختلطاً بهم، لا، ليس هذا هو المراد، ليس هذا هو المراد. ولو نظرت، ولو نظرت إلى المعية فإنها لا يستلزم منها المخالطة بكل الأحوال. فمثلاً تقول: "أنا سائر ومعنا القمر"، هل القمر عندك؟ القمر في السماء وهو معك، وهو معك، لكن هل بمخالطته لك؟ لا. تقول: "أنتم سافرتم وقلوبنا معكم"، هل معنى قلوبهم عندهم في السفر؟ لا، معنى متعلقة بهم وذاكر لهم دائماً وهي تذكرهم، واضح. ويقال: "فلان مع زوجته"، أي أنه لم يطلقها، وربما هو يكون في الشرق وهي في الغرب. طيب، فهذا من معاني المعية في اللغة. فأهل السنة لما يفسرونها بالعلم أو بالقدرة أو بالإحاطة أو بالسلطان، فهذا تفسير لها بلازمها، فمن لازم المعية هذه المعاني. فهل أهل السنة أخرجوا هذه الآية عن ظاهرها؟ أبداً، ما أخرج أهل السنة هذه الآية عن ظاهرها، بل قالوا بما يدل عليه الظاهر. قال المؤلف: "ولا ريب أن القول الأول لا يقتضيه السياق ولا يدل عليه بوجه من الوجوه، وذلك لأن المعية هنا أضيفت إلى الله عز وجل وهو أعظم وأجل من أن يحيط به شيء من مخلوقاته". فالسياق لا يدل على ما ألزم به هؤلاء أهل السنة، سياق الآية: لأن الله سبحانه وتعالى الأرض والسماوات قبضته يوم القيامة، فكيف يكون مختلطاً بخلقه في هذه الأرض؟ حاشى وكل، وتعالى وتقدس سبحانه وتعالى عن ذلك. بل الأرض هذه والسماوات في كف الرحمن كحبة خردل في كف أحدنا وأصغر. وحديث: "يضع ربنا عز وجل السماوات في أصبع والأرض والأرضين في أصبع"، انظر في أصبع، فكيف يكون مختلطاً بخلقه في هذه الأرض؟ تعالى وتقدس سبحانه وتعالى. فهذا لا يقتضيه السياق ولا يدل عليه بوجه من الوجوه. فهو مستوٍ على عرشه، عالٍ على خلقه، وعالم محيط بهم، سبحانه وتعالى. واضح هذا معنى الآية، هذا معنى الآية. قال: "ولأن المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان، وإنما تدل على مطلق مصاحبة، ثم تفسر في كل موضع بحسبه". فمثلاً لو قلت الآن: "آدم معنا"، معنى: موجود مختلط بنا، صح، السياق يدل على هذا. لكن لو قلت الآن مثلاً على سبيل المثال: "أبو يوسف معنا"، معنى: هل الآن معنى موجود مع أن اللغة، اللغة يعني تجيز هذا الأسلوب أن نقول: "أبو يوسف معنا" بماذا؟ بذكرنا له، وبمحبتنا له، أو نحو ذلك. طيب، فهذا بحسب السياق، بحسب السياق. فقول الله عز وجل: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، يستحيل أن يراد بالمعية الاختلاط، واضح أن يراد بالمعية الاختلاط، وإنما يراد بها ما تقدم من لوازم المعية من العلم والقدرة والسلطان والإحاطة ونحو ذلك. فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: "ولأن المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن لا تستلزم الاختلاط والمصاحبة في المكان"، لا يستلزم منها ذلك دائماً، وإنما تدل على مطلق مصاحبة، ثم تفسر في كل موضع بحسب، فقد تكون المصاحبة بالاختلاط، وقد تكون المصاحبة بالعلم، وقد تكون المصاحبة كذلك الإحاطة، طيب، ونحو ذلك. فيستحيل في حق الله عز وجل أن تكون معيته معية اختلاط. قال المؤلف رحمه الله: "وتفسير معية الله لخلقه بما يقتضي الحلول"، ومعنى الحلول: أن الله يحل في خلقه، فكل ما في الوجود هو الله، كما تقول الحلولية: فإذا رأيت إنساناً فهو الله، وإذا رأيت حيواناً فهو الله، تعالى الله عن ذلك القول. "والاختلاط"، بمعنى: أنه لا يحل فيهم ولكن يختلط بهم كاختلاط أحدنا بغيره من إخوانه، فهذا لا يجوز في حق الله. وإذا قالوا: "تفسير معية الله لخلقه بما يقتضي الحلول والاختلاط"، باطل من وجوه، باطل من وجوه، يعني هذا القول كفر، ولذلك كفر العلماء الحلولية والاتحادية، لأن هذا القول كفر. وهذا باطل من عدة وجوه، الذي يلزم به أهل الباطل أهل السنة: الأول: أنه مخالف لإجماع السلف، فما فسرها أحد منهم بذلك، بل كانوا مجمعين على إنكاره، وكما تقدم أن الاستدلال على القوم بما عليه السلف مما يقصم ظهورهم. ولذلك السنة يقولون: "كتاب وسنة على فهم السلف الصالح"، فيقال لهم: هل السلف الصالح جاء عنهم تفسير المعية بالاختلاط أو بالاتحاد؟ هل جاء عنهم ذلك؟ يتحدى أهل السنة هؤلاء أن يأتوا بقول لأحد من علماء السلف، بل أجمع على خلافه كما ذكر الشيخ رحمه الله. الثاني: أنه منافٍ لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة وإجماع السلف، وما كان منافياً لما ثبت بدليل كان باطلاً بما ثبت به ذلك المنافي. ما معنى هذا الكلام؟ من عقيدة أهل السنة والجماعة مما دل عليه الكتاب وسنة بل وإجماع الأمة والفطرة والعقل: أن الله عز وجل في السماء على العرش استوى، فكيف يكون مختلطاً بخلقه؟ هذا مما ينافي هذه الأدلة الواضحة الصريحة، ولذلك قال: "وما كان منافياً لما ثبت بدليل كان باطلاً". ما هو الباطل؟ القول بالحلول والاختلاط، لماذا؟ لأنه منافٍ لما ثبت بالدليل وهو علو الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال: "كان باطلاً بما ثبت به ذلك المنافي"، ثبت به ذلك المنافي يعني العلو، العلو. وعلى هذا فيكون تفسير معية الله لخلقه بالحلول والاختلاط باطلاً بالكتاب والسنة والعقل والفطرة وإجماع السلف، لأن ما ينافي هذا القول ثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع، فإذا ما يناقضه وينافي كذلك باطل بالكتاب والسنة والفطرة والعقل والإجماع. هذا هو المعنى. الثالث: أنه مستلزم للوازم باطلة لا تليق بالله سبحانه وتعالى، فلو قلنا أن الله مع خلقه، فلو كان هذا الإنسان في موضع قدر، لأليق أن نقول أن الله في هذا الموضع، لأنك أنت تقول بهذا القول: الاختلاط والحلول، وهذا أمور لا تليق بالله سبحانه وتعالى، وهذا لازم من أبطل اللوازم. ومعلوم كما تقدم معنا كثيراً أن بطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، على بطلان الملزوم، فالقول بالاختلاط والاتحاد قول باطل من هذه الأوجه الثلاثة وغيرها من الأوجه، من الأوجه. فاليوم إن شاء الله نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. شكراً، شكراً.