شرح القواعد المثلى  54

شرح القواعد المثلى 54

الدرس في شرح القواعد المثلى 54، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قاعدة الحق لا يوزن بالرجال وتطبيقها على منهج الأشاعرة

يؤكد الشيخ ابن عثيمين أن الحق هو الميزان لا الأشخاص، فأقوال العلماء مؤثرة لكنها ليست حجة مطلقة لأن البشر قد يخطئون لقصور علمهم أو فهمهم. لذا يُقبل قول العالم العدل كخبر الثقة دون جعله معياراً في كل حال.

الرد على الاحتجاج بأقوال بعض العلماء في تأويل الصفات وبيان فضل السلف عليهم

يوضح المقطع أن علماء كابن حجر والنووي تأولوا الصفات على طريقة الأشاعرة لنشأتهم في بيئة غلب عليها هذا المذهب، فاعتذر لهم السلف بعدم بلوغ الحجة لا بهوى. ويرد على من يحتج بهم بأن أئمة المذاهب الأربعة والتابعين والصحابة كانوا على طريقة السلف في إجراء نصوص الصفات على ظاهرها، وهم أعلم وأجل قدراً، فالحق يُعرف بالنصوص لا بالرجال.

موقف الشيخ من علماء الأشاعرة المخطئين في الأسماء والصفات والتفريق بين المخطئ بحسن قصد والمتعنت

يقر الشيخ بفضل علماء الأشاعرة كابن حجر والنووي والشوكاني وصدقهم في خدمة الإسلام، لكنه يؤكد أن ذلك لا يعصمهم من الخطأ في تأويل الصفات فيرد خطأهم مع احترام مكانتهم. ويبين أن حسن القصد لا يكفي لقبول القول بل لا بد من موافقة الشرطين: الإخلاص والمتابعة، فيُعذر من أخطأ باجتهاد وحسن نية، ويُبدع من أصر على الباطل بهوى وعناد.

ختام الدرس وتأجيل بحث تكفير أهل التأويل

أعلن المحاضر انتهاء درس اليوم وإرجاء مناقشة مسألة تكفير أو تفسيق أهل التأويل إلى درس قادم لكونها مسألة جديدة تحتاج إلى تفصيل. وختم بالقول: والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "القواعد المثلى": "والجواب عن السؤال الثالث من وجهين". ما هو السؤال الثالث؟ أن على طريقة الأشعرية علماء أفاضل. طيب، فكيف يا أهل السنة تحكمون على طريقة الأشاعرة بالضلال وفيهم هؤلاء العلماء؟ فيهم هؤلاء العلماء. هذا هو السؤال الثالث. الجواب عليه قال: من وجهين. الأول: أن الحق لا يوزن بالرجال، وإنما يوزن الرجال بالحق. وهذه قاعدة عظيمة في كل مسألة تبين لك فيها الحق، فلا تنظر إلى من خالف هذا الحق وإن كانوا من العلماء، لأن الحق لا يوزن بالرجال، وإنما يوزن الرجال بالحق. فمن كان على الحق حكمنا له بصحة ما ذهب إليه، وما كان على الباطل أو على خلاف الحق حكمنا عليه بخلاف الصواب والحق. قال: هذا هو الميزان الصحيح. وإن كان لمقام الرجال ومراتبهم أثر في قبول أقوالهم كما نقبل خبر العدل ونتوقف في خبر الفاسق، لكن ليس هذا هو الميزان في كل حال. ويريد بهذا أن يبين أن العلماء ليس على وجه العموم ترد أقوالهم. فالعالم أو العلماء كما ذكر، قولهم له أثر في النفوس. صح، قولهم له أثر في النفوس، فلا تقول: "هم رجال ونحن رجال"، كما يقول البعض إذا قيل له: "العالم الفلاني قال في المسألة كذا وكذا"، قال: "بس أنا أقول كذا وكذا، هم رجال ونحن رجال". أنت قارنت، قارنت نفسك بهؤلاء العلماء. فالشيخ هنا يريد أن يرد على من يتنقص أقوال العلماء، ومن لا يبالي بها ولا يلقي لها بالاً. فنعم، الحق لا يوزن بالرجال، لكن العلماء أقوالهم لها أثر. أقوالهم لها أثر. فكما أننا نقبل خبر العدل والثقة، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾، أفهمتم الآية؟ إن جاءكم عدل بنبأ فأخذوا وقبلوا. هذا القول، هذا القول، فلا شك أن كلام العالم له أثر. فنقبل خبر العدل ونتوقف في خبر الفاسق. لكن قال: "لكن ليس هذا هو الميزان في كل حال". ليس كل ما يقوله العالم هو الحق. فالعالم بشر كما بيّن هنا، قد يخطئ ويصيب. ولذلك قال: "فإن الإنسان بشر يفوته من كمال العلم وقوة الفهم ما يفوته". وهذا من أسباب اختلاف العلم. فهذا العالم في هذه المسألة اطلع على أدلتها من جميع جوانبها، وفهم هذه المسألة فهماً عميقاً، فقال فيها بما وصل إليه علمه. والعالم الآخر، والعالم الآخر قصر علمه وإحاطته بأدلة هذه المسألة، وقل فهمه لها، فقال فيها بحسب إدراكه وعلمه. فالعلم مثل السمع والبصر. البصر، هل بصر جميعنا في درجة واحدة في القوة؟ أنا الآن لابس نظارات، لو خرجت النظارات ربما لا أعرف من في مؤخرة المسجد. إذا البصر قاصر. لكن ربما أبو طاهر على طول يقول لك: "هذا فلان"، إذا بصره أقوى. صح. والعلم كذلك. ها، العلم كذلك. هذا عالم عنده علم والطلاع في المسألة، وذاك عالم في هذه المسألة قصر علمه وقصر فهمه. فهل نقول: "لا، هذا عالم نأخذ بقوله"؟ ها، لا. فهمتم الآن المقصد. هذا هو المقصد. قال: "فإن الإنسان بشر يفوته من كمال العلم وقوة الفهم ما يفوته، فقد يكون الرجل ديناً وذا خلق، عالماً جليلاً، ذا ورع وتقوى وزهد وعلم وخوف من الله، ولكن يكون ناقص العلم أو ضعيف الفهم، ما عنده علم في هذه المسألة، وقال فيها بحسب علمه، فيفوته من الصواب بقدر ما حصل له من النقص والضعف. أو يكون قد نشأ على طريق معين أو مذهب معين لا يكاد يعرف غيره، فيظن أن الصواب منحصر فيه". ونحو ذلك، كأن الشيخ هنا وإن لم يصرح يشير إلى ابن حجر العسقلاني، الإمام النووي، وغيرهما من علماء هذه الأمة ممن زل في هذا الباب، باب الأسماء والصفات. فالحافظ ابن حجر والإمام النووي يستدل بهؤلاء الأشاعرة على صحة مذهبهم. يقولون: "انظروا، إمام المذهب الشافعي يؤول بعض الصفات". وهذا صحيح. إذن معنى الإمام النووي، ومعنى ابن حجر العسقلاني الذي شرح صحيح البخاري وهو أعظم وأجمع شرح، فإنه كذلك. نعم، ثبت عنه تأويل بعض الصفات على طريقة الأشاعرة. فيقولون: "إذن نحن على حق وعلى صواب". فاعتذر العلماء لهؤلاء العلماء، ولم يطعنوا فيهم، ولم يحذروا منهم. اعتذروا لهم بهذا العذر الأخير الذي ذكره الشيخ: أن هؤلاء العلماء نشأوا في بيئة ما فيها إلا مذهب التشيع، مذهب التمشعر، ما فيها مذهب أهل السنة، ما دلهم أحد على هذا الاعتقاد الصحيح، ما دلهم أحد، يحمل على هذا. اعتذر العلماء لهؤلاء العلماء بمثل هذا. فلم يقولوا بمذهب الأشاعرة عن هوى أو عن تعصب، وإنما عن كما ذكر الشيخ هنا: نشأوا على هذه الطريق، والمجتمع كله على هذه الطريق، طريق الأشاعرة. ولذلك رد العلماء على فرقة يقال لها "الحدادية"، ظهروا في تبديع العلماء، وفي حرق كتب العلماء. أتباع فالح الحربي وباشميل، وكذلك محمود الحداد وهو مؤسس هذه الفرقة. فإنهم أفتوا بتبديع الإمام النووي والإمام ابن حجر العسقلاني، بل وبحرق "فتح الباري" و"شرح صحيح مسلم" للنووي. فرد عليهم العلماء، قالوا: "نعم، هؤلاء عندهم في تأويل الصفات، لكن يعتذر لهم أنه لم يبين لهم العقيدة، وأنهم ما قالوا بذلك عن هوى وتعصب". وهكذا الشيخ ابن عثيمين، كأنه يشير إلى ذلك، والله تعالى أعلم. فيرد على هؤلاء بمثل هذه الحجج القوية الواضحة البينة. هذا الوجه الأول، يقال لهم: "أن الحق لا يوزن بالرجال، وإنما يوزن الرجال بالحق". طيب، هذا الرد الأول على هذا السؤال. الرد الثاني: قال: "الثاني: أننا إذا قابلنا الرجال الذين على طريق الأشاعرة بالرجال الذين هم على طريق السلف، وجدنا في هذه الطريق، يعني طريق السلف، من هم أجل وأعظم وأهدى وأقوم من الذين على طريق الأشاعرة. فالأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة ليسوا على طريق الأشاعرة. وأيهم وأيهم أجل قدراً وأعظم علماً؟ الإمام الشافعي أو ابن حجر والنووي؟ الإمام الشافعي. الإمام أحمد، إمام أهل السنة. طيب، هؤلاء الأئمة الأربعة، هل هم على مذهب الأشاعرة أو على مذهب السلف؟ طيب، أنتم احتججتم ببعض العلماء الذين معكم، ونحن نحتج عليكم بهؤلاء الأئمة الأربعة". بل كما قال الشيخ: "وإذا ارتقيت إلى من هم من التابعين لم تجدهم على طريق الأشاعرة". هل أحد من التابعين قال بطريق الأشاعرة؟ أتحدى الأشاعرة أن يأتوا بعالم واحد من التابعين يقول بقولهم. ما يستطيعون أن يثبتوا ذلك. بل أجمع السلف من الصحابة والتابعين على إجراء نصوص الصفات على ظاهرها من غير تحريف، لا كما يعتقده الأشاعرة. فهمتم هذا الآن؟ فهذا أيضاً مما يرد عليهم به. قال: "وإذا علوت إلى عصر الصحابة والخلفاء الأربعة الراشدين لم تجد فيهم من حذا حذو الأشاعرة في أسماء الله تعالى وصفاته، وغيرهما مما خرج به الأشاعرة عن طريق السلف. ما تجد في الصحابة من يقول بقول الأشاعرة". إذن أيهما أعظم؟ أبو الحسن الأشعري، أو الحافظ ابن حجر، أو الحافظ النووي، أو أبو بكر وعمر؟ إذن لو أردتم الاحتجاج بالعلماء لاحتججنا عليكم بمن هو أجل وأعظم وأكثر من العلماء ممن تحتجون بهم من علماء العلماء الذين قالوا بقولكم. هذا هو الرد الثاني عليهم. قال الشيخ رحمه الله: "ونحن لا ننكر أن لبعض العلماء المنتسبين إلى الأشاعرة قدم صدق في الإسلام والذب عنه، والعناية بكتاب الله تعالى وبسنة الرسول صلى الله عليه وسلم رواية ودراية". ومعروف ما هي الرواية، يعني ما يتعلق بالأسانيد، والدراية ما يتعلق بالمتن. "والحرص على نفع المسلمين وهدايتهم. ولكن هذا لا يستلزم عصمتهم من الخطأ فيما أخطأوا فيه، ولا قبول قولهم بكل ما قالوه". وهذا غاية في الأدب من الشيخ. فكالإمام النووي وابن حجر، علماء أجلاء، لهم قدم صدق في الإسلام والذب عنه، والعناية بكتاب الله وبسنة النبي عليه الصلاة والسلام. الإمام الشوكاني فسر القرآن، وعنده شيء من تأويل الصفات. الإمام الشوكاني عنده في تأويل الصفات، لا، حتى في بعض صرف اللفظ عن ظاهره وجدت له مواضع في ذلك. ولو تراجع في "فتح القدير" ستجد مثل ذلك، وله تفويض أيضاً. فهل نقول أن هؤلاء مبتدعة، تحرق كتبهم، ولا يحترمون، ولا تعرف ولا يعرف لهم فضلهم وقدرهم؟ لا. هؤلاء علماء، لكن أخطأوا في هذا، وليس عن عمد، وهذا هو الظن بهم. ولكن هذا لا يستلزم عصمتهم من الخطأ فيما أخطأوا فيه، ولا قبول قولهم في كل ما قالوا. فليس أحد بمعصوم بعد النبي عليه الصلاة والسلام أبداً. قال: "ولا يمنع من بيان خطئهم، وردّه، لما في ذلك من بيان الحق، وتثبيتية الخلق". الرد على العالم المخطئ ليس طعناً فيه، بل هذا مما أوجبه الله. ليس في باب الأسماء والصفات فقط، حتى في باب المناهج ترد على عالم، ولو كان من أهل السنة، إذا أخطأ، يرد الخطأ بأدب واحترام وإجلال، إن كان من أهل السنة. وإن لم يعلم عنه والوقوع في هذا الخطأ عن هوى وعناد، إنما عن اجتهاد، فيرد خطأه، وتبقى له مكانته وقدره. هذا هو ما أراده الشيخ. قال رحمه الله: "ولا ننكر أيضاً أن لبعضهم، يعني هؤلاء العلماء الذين على مذهب الأشاعرة، قصداً حسناً فيما ذهب إليه، وخفي عليه الحق فيه. ولكن لا يكفي لقبول حسن قصد قائله، بل لا بد أن يكون موافقاً لشريعة الله عز وجل. فإن كان مخالفاً لها وجب رده على قائله، كائناً من كان، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»". فالعالم قصده حسن، وهو الوصول إلى الحق، لكنه أخطأ. فهل نقول: "هذا العالم عنده إخلاص، وعنده دعوة، وعنده كذلك اهتمام بالعلم، وعنده كذا وكذا، إذن نقبل قوله"؟ لا، هذا خطأ، فقوله يرد. لأن حسن القصد وحده لا يكفي، لا بد من حسن القصد مع ماذا؟ مع اتباع الشريعة وموافقة الشريعة. وهما شرطا قبول العمل: الإخلاص والمتابعة. فإذا أخلص ولم يتابع رد قوله، رد قوله كائناً من كان، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». قال رحمه الله: "ثم إن كان قائله، يعني قائل ما ذهب إليه الأشاعرة، معروفاً بالنصيحة والصدق في طلب الحق، اعتذر عنه في هذه المخالفة". اعتذر عنه، يعني لم يبدع، ولم يخرج من دائرة أهل السنة. لماذا؟ لأنه أراد الحق، وأراد النصيحة، وأراد كذلك نصرة الإسلام، لكنه أخطأ، فيعتذر له. وإلا عومل بما يستحقه بسوء قصده ومخالفته. فيفرق في الأشاعرة: من كان معهم عن هوى وعناد، بين له الحق وهو مصر ومعاند، كالمتصوفة ومن نحى نحوهم، فهؤلاء يبدعون. فهؤلاء يبدعون ويهجرون ويشد عليهم. أما من كان قصده حسناً، وعرف به الصدق والنصيحة، ويريد الحق، لكنه ما وفق إلى قبول الحق، لا لهوى وعناد، وإنما لاجتهاد، فهذا يعتذر عنه، بمعنى لا يبدع، وإنما يرد عليه خطأه. هكذا فصل الشيخ رحمه الله تعالى. طيب، لعلنا نكتفي اليوم بهذا، لأن هذه مسألة جديدة في تكفير أو تفسيق أهل التأويل، فنؤخرها إن شاء الله في درس لاحق. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر