شرح لمعة الاعتقاد 1

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 1، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

تعريف بكتاب لمعة الاعتقاد ومؤلفه ابن قدامة

يتناول هذا المحور تعريف كتاب لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد مبيناً معاني ألفاظه ومقاصده. كما يستعرض ترجمة المؤلف شيخ الإسلام ابن قدامة المقدسي ومكانته العلمية الرفيعة وثناء الأئمة عليه.

أهمية المتون المختصرة والعناية بها

يؤكد المحور على قيمة المتون العلمية المختصرة كخلاصة للعلم النافع وضرورة إتقانها وحفظها. ويشبه العناية بها ببناء الأساس المتين الذي يرتقي بالطالب إلى مراتب العلماء.

أهمية مجالس المدارسة واقتداء السلف

يسلط الضوء على فضيلة مجالس المدارسة للكتب المعتمدة كسنة نبوية مهجورة. ويستحضر نماذج من سلف الأمة في حرصهم على تبادل العلم والأخذ به.

الخاتمة والدعاء بالهداية والثناء على النبي

يختتم المجلس بالدعاء بالتوفيق للهداية والعمل الصالح والرضا الإلهي. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.

  • 10 جمادى الآخرة 1442هـ - 23/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا كتاب لمعة في الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد. هذا القريب في اسم الكتاب اشتهر باسم لمعة الاعتقاد، باسم لمعة الاعتقاد، لكن الذي وجد في الأصل المخطوط أن المصنف لم يسمِ كتابه، المصنف لم يسمِ كتابه، لكن المخطوطة إحدى المخطوطات أو بعض المخطوطات وجد فيها الاسم هكذا: لمعة في الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد. فهذا العنوان لعله من وضع الطلاب أو من تسمية بعض القارئين، لكنه اشتهر في عنوان هذا الكتاب العظيم، فعلى هذا نسميه بلمعة في الاعتقاد، هكذا في التسمية أولى. هذا بالنسبة لعنوان الرسالة. والجزء الذي نقرأ فيه: اللمعة في لغة العرب يقال لَمَعَ يَلْمَعُ لَمَعَانًا، الأصل في كلمة اللمعة ومشتقاتها هي الإضاءة، هذا الأصل في معناها. ثم يقال في كل شيء ظهر وبرز وتميَّز عن غيره إنه لامع. يقال في الشيء إذا تميَّز عن غيره وظهر وبان: هذا لامع. ولهذا يقال أرض لامعة، هكذا قالت العرب: أرض مُلْمَعَة، أي ذات خضرة وبهاء، تجد الحشائش بجانبها يابسة وتجد قطعة من الأرض خضراء مزدهرة، فتقول العرب: هذه أرض... يعني الخضراء المزدهرة، أرض مُلْمَعَة، أي جميلة ظاهرة واضحة متميزة عن سائر هذه الأرض اليابسة أو الصحراء القاحلة أو غير ذلك، متميزة ظاهرة منيرة نوراً معنوياً. هذا معنى كلمة اللمعة، فهي من التميز والإضاءة والوضوح والظهور. لُمعة. ويُقال أيضاً إن اللمعة بمعنى الشيء الذي يُبلِّغك ويكفيك، فهي البُلغة، أي ما يكفيك. كل ذلك من المعاني الواضحة. معنى العنوان هذا الذي بين يديك: لمعة، أي بُلغة تكفيك وتسد حاجتك وتشبعك وتضيء دربك وطريقك، إن فهمت معانيها وتدبرت في مبانيها، إن فهمت معانيها وتدبرت مبانيها تنفعك. لمعة في الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد. سبيل الرشاد هو سبيل الله سبحانه وتعالى، وهو الذي دعت إليه الأنبياء والرسل. سبيل الرشاد هو سبيل الأنبياء: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾، فسبيل الرشاد هو سبيل الأنبياء والمرسلين وأتباعهم إلى يوم الدين. سبيل الرشاد: أي طريق الهداية وطريق الرشد الذي إذا سار عليه الإنسان صار من الراشدين، وقد آتاه الله رشده كما آتى إبراهيم رشده، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ ﴾، فالله يؤتي الرشدة والهداية من شاء من عباده. مؤلف هذا الكتاب العظيم هو شيخ الإسلام أبو محمد موفق الدين، ويقال الموفق اختصاراً، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي رحمه الله، المتوفى سنة عشرين وستمائة للهجرة، رحمه الله. أحد أئمة الشام، من فلسطين، من بيت المقدس، من أعلم أهل زمانه بالفقه، وكان سلفي العقيدة، زاهداً في طريقته، عالماً عاملاً، أثنى عليه الأئمة، حتى قال ابن تيمية: ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفضل من الموفق ابن قدامة. هكذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغفر له: ما دخل الشام بعد الأوزاعي... الأوزاعي أحد كبار أئمة السلف، رحمهم الله وغفر لهم. ما دخل الشام أفقه من أبي محمد ابن قدامة رحمه الله. جالسه ابن الصلاح الحافظ أبو عمر رحمه الله، فقال: ما رأيت أي بعيني مثل أبي محمد ابن قدامة المقدس. ثناء الأئمة عليه كثير، وكان على عقيدة السلف، كان على عقيدة السلف، رحمهم الله وغفر له. فهذه الرسالة وهذا الجزء المختصر مما ينبغي قراءته، وجد في بعض المخطوطات... وجدت مخطوطتين من ضمن أكثر من اثني عشر مخطوطة للكتاب مسندة. العجيب أنها أن الكتاب قرئ على ابن قدامة مراراً، ولهذا سيأتي معنا في النسخة اختلاف بعض الجمل، وهذا والله أعلم لأجل تغير الزمان أثناء القراءة؛ يأتوا مجموعة من الطلاب يقرؤون الكتاب على الشيخ فيقول بتعليق أو كلام فيدرجونه، وأحياناً يقول: لا داعي لهذه العبارة، فتجد بعد زمن أن المخطوطات قد حصل فيها زيادة وحصل في بعضها نقص، والسبب ما يجري أثناء القراءة. وكما تقدم أنه وجد، وربما سيجد من سيأتي من الناس أسانيد أُخر، قرأت على هذا الإمام العالم الجليد. أحب أن أختم بالتنبيه على أمر مهم، وهو أن هذه المتون المختصرة تحوي أكثر العلم، لا أقول تحوي جزءاً من العلم أو بعض العلم، بل هي تحوي أكثر العلم. تجد المطولات قد وجد فيها العلم مستبحرا، وتجد المختصرات قد عصر فيها العلم عصراً. فهذه المتون المختصرة تحوي أكثر العلم لمن فهمها. هذه الرسالة: لمعة في الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، إذا فهمتها فهمت أكثر مسائل العقيدة التي يحتاج إليها، وأحسنت في فهمها، فإنها زبدة الكلام الذي جرى في المطولات، كتب كبار ومجلدات اختصرت واعتصرت حتى جاءت في هذه الأوراق المعدودة. هذه المتون العلمية، سواء كانت اللمعة أو غيرها مما كتبها الأئمة الأفاضل، نجد أن بعض الطلاب، بعض طلاب العلم يستصغرها أو يرى نفسه أكبر من أن يدرسها، أو يقول: يكفيني أن أنظر فيها أو أقرأها فأفهمها. هكذا يقول، وهكذا يظن، وأصل المسألة أن الكتاب في نظره صغير الحجم قليل الكلمات، فهو يستهين بها، ولم يدرِ المسكين أنه سيقرأ عامة المطولات، فإذا قرأها يوماً من الأيام عرف أن هذا المختصر قد حوى أصل المطالب وأهم ما يحتاجه الطالب. هذا المختصر الصغير، ولهذا كان العلماء لا يستهينون بها. أحد الأسانيد فيه قراءة الإمام المزي لهذا الكتاب، الحافظ أبي الحجاج المزي يقرأ لمعة الاعتقاد، سبحان الله، على بعض المشايخ، على بعض الشيوخ الحنابلة، وهكذا يقرأ هذا على هذا إلى الإمام الواسطي الذي قرأه قراءة تحقيق وإتقان على أبي محمد بن قدامة. هذا أحد الأسانيد، والكتاب له لا شك طرق. فالأئمة لا يستهينون بهذه المختصرات، خلافاً لما نجده في زماننا هذا. فطالب العلم الحاذق يعتني بهذه المختصرات، يعتني بها عناية تامة، لأن فيها أكثر العلم، يتفهم ألفاظها، ويتفكر في مبانيها، ويدرك ما تحويه معانيها، يتأمل. وهذا لا يكون إلا بتوفيق الله سبحانه وتعالى وسؤاله الهداية والتوفيق. هذا أمر ينبغي التنبيه عليه، فالعناية بفهم الكتاب، والعناية بفهم مقاصد المؤلف ومراميه في كلامه، لا ينالها إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى. ولهذا هذا هو التأصيل العلمي الذي إذا أصله الإنسان قوي به البنيان وقوي بنيانه. تجد اليوم إنساناً مهندساً يقول: هذه العمارة، إن جعلنا أساسها بكذا وكذا من الطن من الحديد، وجعلنا فيها من الإسمنت كذا وكذا، ولو كلفنا اليوم، لكن هذه العمارة ستبقى مدة كذا وكذا من الزمان، وتتحمل من الأدوار ما يصل إلى سبعين أو أكثر. لكن البناية التي يأتي الإنسان متعجلاً فيحفر ثم يبني، ربما لا تتحمل دورين أو ثلاثة. هكذا فيما يراه الناس بأعينهم، وهكذا العلم النافع: من كانت له بداية متعبة، متعبة في طلب العلم، وفي قراءة هذه المتون وضبطها وحفظها ومراجعتها وإتقانها، فإنه تمضي به الأيام حتى يصل إلى مراتب العلماء، إذا اعتنى بهذه المتون ولم يستصغرها ولم يحتقرها، بل عظمها في نفسه. فإن الذين كتبوها كبار الأئمة، ككتاب الواسطية، ولمعة في الاعتقاد، ونحوها من الكتب التي ينبغي العناية بها، وكتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وغيرها من الكتب الجليلة الكبيرة في معانيها، الصغيرة القليلة في مبانيها. فالموفق من اعتنى بها. هذه المجالس التي نجلسها، إن شاء الله تعالى، مجالس مدارسة، هذه المجالس عبارة عن مجالس مدارسة لهذه المتون، مدارسة وإفادة واستفادة. ولهذا يقول الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: كان يقال، أي في عهد السلف، انظروا إلى عمار الأوقات في عصر السلف، وانظروا إلى حالنا اليوم. كان يقال، أي في عصر المشايخ والعلماء: من ناقل... عبد الرحمن هو عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله، كان يقال: إذا لقي الرجل من هو أعلم منه كان يوم غنيمة، كان يوم غنيمة، وإذا لقي من هو مثله كان يوم مدارسة، كان يوم مدارسة، وإذا لقي من هو دونه كان يوم إفادة، أو كما قال، الوقت كله في الفائدة والعلم. يجلس طالبان فيتذاكران ويتدارسان، وإذا وجدوا شخصاً ربما يظنونه أعلم قالوا: هذا يوم غنيمة، نستفيد مما عنده، فتجد الأسئلة النافعة، وتجد المسائل الماتعة التي تلقى ويستفيدها الإنسان. وإذا وجدوا إنساناً مبتدئاً أفادوه فيما ينفعه في مستقبل أمره، إن كان يحتاج إلى فائدة في باب التوحيد أفادوه، أو في باب الفقه علموه. هكذا أوقاتهم، هكذا كانوا. أما اليوم فللأسف تكاد تموت مثل هذه السنة من سنن السلف، وهي يوم غنيمة أو يوم مدارسة أو يوم إفادة، هذه تكاد في هذا الزمان تضمحل من أهل العلم الذين رأيتهم حريصين على هذا. العلامة المجدد الفقيد المحدث أبو عبد الرحمن، أبا عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله، كان كثيراً لأسئلة... أسألك أو تسأل، هكذا يقول: تسأل أو أسألك، فتقول: أنت اسأل يا شيخ، فيسألك فيفيدك الشيخ. حتى في بعض الأوقات كنت في يوم من الأيام في صلاة الظهر ونحن واقفون قرب الإقامة أو نحوها، والإمام العلوي يسوي الصفوف، فجاء الشيخ ودخل بجواري، قال لي: أسألك. قلت: للشيخ اسأل. قال رحمه الله: نحن بنات طارق نمشي على النمارق، من هو طارق؟ نحن بنات طارق نمشي على النمارق، من هو طارق؟ ما مر بي في الأسماء في ذاك العهد رجل اسمه طارق؟ ما أعلم هذا. فقلت للشيخ: الله أعلم، أفدني. قال: الطارق النجم، قال الله عز وجل: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾. قال رحمه الله: وهذا لحسنهن وجمالهن، فهي تقول: نحن بنات طارق، أي بنات ذلك النجم، نمشي على النمارق، إن تقبلوا نعانق، أو تدبروا نفارق، فراق غير وامق، أي غير مكترث بكم ولا حزين عليكم. تشجيعاً لأجل أن يثبتوا في قتال المسلمين. ثم قلت للشيخ رحمه الله: عندي سؤال، نحن نمر من صعدة إلى دماج على المقبرة التي بجوار منزل الشيخ قايد بن شويط رحمه الله، فهل ونحن فوق السيارة والسور بجوارنا، هل نسلم يا شيخ عليها أم لا يلزمون ذلك؟ فسكت قليلاً ثم قال: نعم سلموا، وقولوا الذكر الوارد في حديث بريدة في صحيح مسلم المعروف: « السلام عليكم دار قوم مؤمنين » إلى آخر الذكر. فكان الشيخ رحمه الله يحرص: تسأل أو أسأل. وهكذا كان السلف الأوائل، يقول كما قدمنا الكلام في كلام الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله وغفر له. فينبغي للإنسان أن يحرص على اغتنام أوقاته في المذاكرة والمدارسة، كما هو الشأن الآن: نحن في مدارسة، نتدارس هذه الكتب ونتفاهمها ونستفيد فيها من بعضنا البعض. فأسأل الله جل جلاله أن يوفقنا لهداه، ويعيننا على رضاه. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر