الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 207، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع حكم طلب المطر بالنجوم (الأنواء)، مبيناً أن اعتقاد أن النجم ينزل المطر بذاته شرك أكبر، بينما اعتقاد كونه سبباً شرك أصغر. ويستدل بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْتُمْ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ على أن نسبة النعمة لغير الله تكذيب لنعمته.
يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أربع خصال من الجاهلية لا تتركها أمته: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالأنواء، والنياحة. يفرق الشيخ بين الجاهلية المطلقة والجاهلية النسبية، وينتقد إطلاق وصف الجاهلية على عصور كاملة، ثم يفصل كل خصلة مع أمثلة معاصرة.
يشرح المقطع حديث زيد بن خالد الجهني عن نسبة المطر، مبيناً أن من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن بالله كافر بالكوكب، ومن قال: مُطرنا بنوء كذا معتقداً السببية فقد وقع في كفر أصغر، بينما من أراد بالباء الظرفية فلا حرج عليه، والأفضل تجنب اللفظ المشتبه.
ينصح العلماء بالابتعاد عن لفظ باء السببية لأنه يشبه اللفظ الشركي، وقد ذكروا ذلك في سياق الأحاديث، ويكتفون بهذا التوجيه لتجنب الوقوع في الشبهات.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الرابع والثمانون بعد المئة: ما حكم الاستسقاء بالأنواء؟ الاستسقاء المراد به طلب السقيا، يعني طلب المطر. والأنواء جمع نَوء، والنَّوء هو طلوع النجم. والمعنى أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن هذه النجوم سبب لنزول المطر من السماء، فكانوا يستسقون بها. وقد ذكروا أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن النجم إذا غرب من جهة الغرب، ويطلع مقابله من جهة الشرق نجم آخر يسمى رقيبة. فإذا غرب هذا النجم الذي يطلع، إذا طلع هذا النجم من الغرب وقابله هذا النجم نجم رقيبة، فهم يعتقدون أن هذا سبب في نزول المطر. وبالنسبة لحكم الاستسقاء بالنجم، ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: كفر أكبر. وهذا النوع هو الذي يعتقد أن النجم بذاته هو الذي ينزل المطر. إذا اعتقد العبد أن النجم هو الذي ينزل المطر، فهذا شرك أكبر؛ لأنه نسب نزول المطر إلى غير الله، والله عز وجل يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾. فالذي ينزل المطر هو الله سبحانه وتعالى. فمن اعتقد أن غير الله ينزل المطر، فهذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى. وقد جاء في هذا الزمان أن بعض عباد القبور من يطلبون المطر من المقبورين من الأموات. فقد كان بعضهم في بعض البلاد يقول وهو ينادي هذا الولي الذي يسمى ببحر النور: «يا بحر النور، اليوم نريد سيل، اليوم نريد سيل». سبحان الله، يعني يطلبون السيل من هذا المقبور. فمن طلب المطر من غير الله، سواء كان من نجم أو من قبر وميت، فهذا لا شك أنه شرك أكبر. النوع الثاني: والذي كان عليه أهل الجاهلية، شرك أصغر. وذلك إذا اعتقد أن هذا النجم سبب في نزول المطر، فهذا شرك أصغر؛ لأنه جعل ما ليس سبباً سبباً، ما ليس سبباً لا شرعاً ولا قدراً جعله سبباً. وهذه القاعدة مربوطة كثيراً، وأنها ضابط للشرك الأصغر. ثم أورد المؤلف بعض الأدلة على ذلك. قال: الجواب. قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾... (تصحيح: الآية المذكورة في النص الأصلي "وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون" هي من سورة الواقعة آية 82، وسياق الشرح يشير إليها). قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْتُمْ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. جمهور أهل العلم على أن تفسير هذه الآية: "وتجعلون رزقكم" أي شكركم. رزقكم أي شكركم؛ لأنهم جعلوا الشكر من رزق الله سبحانه وتعالى، رزق من الله. فالمعنى: تتركون الشكر لله، لماذا؟ لأنكم تكفرون بالله، تكذبون بالله. فيكون معنى الآية: تجعلون شكركم هو تكذيبكم، تجعلون شكركم هو تكذيبكم، وذلك بنسبة المطر إلى غير الله. الله عز وجل يمن عليكم بهذه النعمة، فبدلاً من أن تشكروه، ومن شكره أن تنسبوا له هذه النعمة، نسبتموها إلى غيره، نسبتموها إلى هذا النجم بقولكم: مطرنا بنوء كذا وكذا. فهذا هو المراد بالتكذيب. فجمهور المفسرين فسروا الآية بهذا، ولذلك أوردها المؤلف في هذا السؤال؛ لأن لها تعلقاً بالاستسقاء بالنجوم. فإذا معنى الآية: تجعلون شكركم وهو تكذيبكم، وذلك بنسبة المطر إلى غير الله، بنسبة المطر إلى غير الله سبحانه وتعالى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالأنواء، والنياحة». قوله: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية». الجاهلية تنقسم إلى قسمين: جاهلية مطلقة، وهذه قبل البعثة. فبعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم منتفي هذه الجاهلية، فلا يجوز بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلق على مجتمع من المجتمعات بأنه جاهلي، بأنه جاهلي هكذا مطلقاً دون تقييد، دون تقييد. فهذا من الأخطاء التي يقع فيها بعض الحركيين: "جاهلية القرن العشرين"، هذه جاهلية أطلقها المؤلف، نعم جعل هذا القرن جاهلياً، وهذا لا يجوز، وهذا ممن تقض على المؤلف وهو حركي: محمد قطب. وهكذا النوع الثاني: جاهلية نسبية. وهذه ليست مطلقة بل مقيدة بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، في بعض الأعمال التي كان أهل الجاهلية عليها. بعض الأعمال مثل ما ورد في هذا الحديث. هذا الحديث ورد بالجاهلية النسبية، فقال: «أربع في أمتي»، أي في أمتي الإجابة، في أمتي الإجابة، من أمر الجاهلية لا يتركونهن. يعني كثير منهم يفعلون ذلك، وليس كل الأمة. ليست كل أمة الإجابة تقع في ذلك، وإنما المراد أن بعض هذه الأمة تقع في هذه الأمور الأربعة التي كان عليها أهل الجاهلية. فذكر منها: الفخر بالأحساب. والأحساب هو الشرف، سواء كان الشرف في الجاه والسلطان، أو الشرف في النسب. فيفخر أحدهم بأجداده وآبائه، وأنهم كانوا أهل شرف وأهل نسب وأهل تقدم وأهل رفعة ونحو ذلك، فيعلو على غيره بسبب هذا الشرف. فهذا من أمر الجاهلية، وهو منافٍ للتواضع الذي حث عليه الإسلام. وقوله: «والطعن في الأنساب». الطعن في الأنساب على نوعين: النوع الأول: الطعن في نسبة النسب إلى أصحابه. يجيء فلان يقول لك: هذا ما هو من آل كذا، وهو من آل هذه القبيلة، لكنه ينفي نسبه، فهو يطعن في نسب هذا بعدم نسبته إلى هذا النسب. هذا نوع. النوع الثاني: هو لا يعني ينفي نسبه، ولكن يطعن في هذا النسب بالتشويه وبالتحقير ونحو ذلك. يقول: يقول مثلاً: هذه قبيلة ضعيفة، هذه قبيلة يعني ذنيئة، هذه قبيلة كذا وكذا، فيطعن فيها ويسب هذه القبيلة. فهذا كذلك من أمر الجاهلية، من أمر الجاهلية. ومثل ذلك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك امرؤ فيك جاهلية»؛ لأنه طعن في نسب ذاك الصحابي. وقوله: «والاستسقاء بالأنواء». هذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث. وللأسف أن هذا موجود إلى يومنا هذا، فبعض من ربما تعلق بهذه النجوم في نزول المطر، وجعلها سبباً لنزول المطر. وقوله: «والنياحة». النياحة هو رفع الصوت عند المصيبة، رفع الصوت عند المصيبة بالصراخ أو البكاء ونحو ذلك. فهذا أيضاً من أمر الجاهلية. وللأسف كل هذه الأمور الأربع... وهذا الحديث عدة من دلائل النبوة. كل هذه الأربع الصفات مما يفعلها الناس في هذه الأزمان، سواء كان الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب... ربما إذا تقدم إنسان إلى قبيلة ذات نسب، يقولون: هذا نسبه نازل، هذا ليس من مستوانا، هذا كذا وكذا، فيبدأون في الطعن في الأنساب. وربما بعض القبائل لا تزوج إلا من كان من نسبها، فأدى ذلك إلى كثرة العنوس في نسائهم ونحو ذلك. كل هذا من أمر الجاهلية. وهكذا الطعن في الأنساب ونحوها مما جاء في هذا الحديث. فالحديث هنا خرج مخرج الذم، ومخرج التحذير، ومخرج التحذير. وقال صلى الله عليه وسلم، والحديث أخرجه مسلم عن أبي مالك الأشعري، هذا حديث «أربع من أمتي من أمر الجاهلية» في صحيح مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال: مطَرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب. وأما من قال: مطَرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب». هذا الحديث هو حديث زيد بن خالد الجهني. وأوله: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الصبح على أثر سماء، يعني على أثر مطر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم... هذا الحديث: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر»، أي بسبب نزول هذا المطر. ثم بين من هو المؤمن عند نزول المطر، ومن هو الكافر عند نزول المطر أيضاً. فقال: «من قال: مطَرنا بفضل الله ورحمته»، نسب هذا المطر إلى الله، إلى الله وحده، إلى الله وحده سبحانه وتعالى، وأنه سبحانه وتعالى هو منزل المطر، وهو السبب في نزوله سبحانه وتعالى. فذلك مؤمن بي، أي مؤمن بالله عز وجل، كافر بالكوكب؛ لأن الكوكب لا يملك شيئاً من ذلك، لا يملك نزول المطر. وقال: «ومن قال: مطَرنا بنوء كذا وكذا»، يعني بنجم كذا وكذا، نجم رقيبه أو نجمه كذا أو نجمه كذا. فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب. والكفر المراد به هنا: إذا كان اعتقد صاحبه أن هذا المطر بسبب النجم، فهذا كفر أصغر. وتقدم معنا أمثلة كثيرة في أحاديث عديدة فيها ذكر الكفر، ويراد به الكفر الأصغر، ويراد به الكفر الأصغر. وهذا منه؛ لأن الباء في قوله "بنوء"، الباء سببية، الباء سببية. ومن معاني الباء في اللغة العربية وهي حرف جر، من معانيها السببية، من معانيها السببية. فإذا أريد بالباء هنا السببية، فهذا من الكفر الأصغر، من الكفر الأصغر. نعم. أما كما تقدم: إذا أريد بذلك بأنها ليست بسبب هذا الكوكب، وإنما هو الكوكب نفسه الذي أنزل هذا المطر، فهذا لا شك أنه من الشرك الأكبر. والباء تأتي أيضاً بمعنى "في". الباء في اللغة العربية تأتي بمعنى "في": مطَرنا في نوء كذا وكذا. ولذلك ذكر أهل العلم أن من قال: مطَرنا بنوء كذا وكذا، ويريد بالباء بمعنى "في"، فإنه لا يقع في الشرك الأصغر، لا يقع في الشرك الأصغر. لكن هذا، بارك الله فيكم، لمن يعرف اللغة العربية، ومن ذكر ذلك يعني يعرف معنى هذه الباء، وأنه أراد الظرفية ولم يرد السببية. لكن إذا قالها وهو غير عالم بذلك، فلا ينبغي أن يذكر مثل هذا اللفظ؛ لأنه يدخل في شرك الألفاظ، يدخل في شرك الألفاظ، وإن لم يعتقد؛ لأنه ما يدري بمعنى الباء. لكن من قال: مطَرنا بنوء كذا، بمعنى "في نوء كذا"، فهذا لا يصل إلى حد الكفر الأصغر. لكن قال أهل العلم: الأفضل والأكمل ألا يأتي بذلك؛ لأنه لربما تشتبه بباء السببية. فالأفضل أن يقول: مطَرنا في نوء كذا. هذا لا بأس به. اللفظ: مطَرنا في نوء كذا، يعني صار هذا النجم ظرفاً، يعني في زمن كذا، في نوء كذا بمعنى في زمن كذا، وليس معنى بسبب هذا النجم، بسبب هذا النجم. ففرق بين اللفظين، وهذا من دقة اللغة العربية. فمن قال: مطَرنا في نوء كذا، هذا لا بأس به. ومن قال: مطَرنا بنوء كذا، وأراد بالباء السببية، فهذا شرك أصغر. ومن كان من أهل العربية وقال: مطَرنا بنوء كذا، ويريد أن الباء ظرفية، فهذا لا بأس به. لكن الأفضل أن يبتعد عن هذا اللفظ؛ لأنه يشتبه باللفظ الشركي، وهو باء السببية. هذا ما ذكره أهل العلم في مثل هذه الأحاديث، وبه نكتفي، وإلى هنا والله تعالى.