الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 60، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي آية الطلاق الرجعي موضحاً وجوب إمساك الزوجة بمعروف أو تسريحها بمعروف عند قرب انقضاء العدة، وينهى عن إمساكها ضراراً للاعتداء. يستدل بأقوال السلف في تحريم التلاعب بالطلاق للإضرار بالمرأة.
يشرح المقطع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ مبيناً أن الاستهزاء بحدود الله كاستعمال الطلاق لعباً أو جمع الثلاث يضر بصاحبه ويظلم نفسه. يؤكد أن العقود الجادة ك النكاح والطلاق والرجعة لا يصح فيها المزاح، فمن تلفظ بها جاداً أو هازلاً لزمه حكمها.
يؤكد المقطع أن عقد الزواج يصح حتى لو وقع على سبيل المزاح، ثم يشرح معنى شكر النعم باللسان والقلب والجوارح. يبين أن الحكمة المذكورة في القرآن هي السنة النبوية وأسرار الشريعة التي وضعها الله في مواضعها.
يُعلن المقطع عن انتهاء كلام الشيخ، ويتوجه بالشكر لله تعالى على التوفيق، كما يشكر المشاهدين على متابعتهم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾. يقول رحمه الله: ثم قال تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ﴾، أي: طلاقاً رجعياً بواحدة أو اثنتين، ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾، أي: قاربن انقضاء عدتهن. وكما ذكرنا قبل: أن الله عز وجل ذكر بلوغ الأجل في آيات، فمنها أراد بها ضرباً، ومنها أراد بها بعداً. ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾. أنا هنا المراد به قرب الأجل كما تقدم في الآيات السابقة. قالوا: أمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف، وهنا قال: أو سرحوهن، في آية أخرى قال: أو فارقوهن بمعروف. وقلنا: إن أهل العلم جعلوا الطلاق الصريح بثلاثة ألفاظ: الطلاق، والفراق، والتسريح. أنا لفظ الطلاق، لفظ الفراق، لفظ التسريح، هذه ثلاثة ألفاظ هي ألفاظ الصريحة في الطلاق، وجمهور العلم أنها لا تحتاج إلى نية إذا كان اللفظ صريحاً، لا يحتاج إلى نية، وإنما الذي يحتاج إلى نية ما كان كناية، مثل: اذهبي إلى بيتك، واضطرجي من بيتك، وغيرها من هذه الألفاظ التي هي ليست صريحة، فيكون يحتاج إلى نية. إذا كانت نيته الطلاق فهي طلاق، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لتلك التي بارأته: «اجمعي ثيابك واذهبي إلى أهلك»، فتبين من هذا أن من أراد الطلاق بمثل هذه الألفاظ فيعتبر طلاقاً مع النية، أو أنه كما ذكرنا صار في العرف أن هذه لفظة طلاق، صار في عرف الناس أنها لفظة طلاق وتعتبر طلاقاً. قال: إما تراجعوهن ونيتكم القيام بحقوقهن، أو تتركوهن بلا رجعة ولا إضرار، على إما أن تمسكوهن كزوجات لكم ولكن بشرطين، أو بشرط أنه لا إضرار، على غير لا تضاروهن، ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا. فإذا كان كما تقدم أن المؤلف رحمه الله قال: إذا أراد الزوج أن يرجع زوجته لأجل أن يضر بها فإنه لا يصح، وهذا المتولي يبرغ ينصحه أن إذا كان يريد أن يرجعها لأجل الضرار فقط، ليس أنه حن إليها أو أراد أن يصلح معها الأمر، ولهذا قال الله عز وجل في تلك الآية: ﴿ إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾، وقال: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَهُمَا ﴾، قال جل وعلا: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾، فالله عز وجل شرط في الرجوع عدم الإضرار. إذا كان سيرجعها في الأثر في طلق الأولى والثانية، لكنه لا يطلقها. وقد جعله لعباس، من جماعة من السلف، أن أهل الجاهلية كان عندهم طلاق بلا عدد، أنا للقرء أن يطلق ما شاء، فلذلك إذا أراد أن يضر بزوجته، أن يضر بهذه القراءة، طلقها، فإذا قربت عدتها راجعها حتى لا ترجع إلى غيره، ثم يطلقها، ثم يطلقها، وإذا قربت عدتها راجعها، وهذا من الضرر الذي ذكره الله عز وجل، كما أراه لعباس وغيره. ﴿ وَلَا تُنْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا ﴾، أي: مضارة بهن لتعتدوا في فعلكم هذا، الحلال إلى الحرام، فالحلال إمساك بمعروف، والحرام مضارة. ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه، ولو كان الحق يعود على المخلوق، فالضرر حائق بمن أراد الضرار، فهو يضر بنفسه. ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه، لماذا؟ لأن هذا الضرر الذي يورقه بغيره هو يورقه بنفسه، كذلك إما أنه سيكون عقوبة له، وإما أيضاً أنه هو الخاسر، فأفضل له أن يمسك بمعروف أو يسرح بإحسان. قال: ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه. ﴿ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾، قال: لما بين تعالى حدوده غاية التبيين، وكان المقصود العلم بها والعمل والوقوف معها وعدم مجاوزتها، لأنه تعالى لن ينزلها عبثاً، بل أنزلها بالحق والهدى، نهى عن من يتخذها، نهى عن اتخاذها هزواً بها والتجرؤ عليها وعدم الامتثال لواجبها، مثل استعمال مصارف الإنسان في فراغ وبطر الطلاق، أو جمع الثلاث، والله من رحمته جعل له واحدة بعد واحدة، نفخاً به وسداداً في مصلحته. معنى هذا قوله جل وعلا: ﴿ لَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾، حملها بعضهم على المصارف، أو أنه يعبث بهذه، مرة يقف بها ويفارقها ويرجعها، أو يجمع الثلاث عليها كما في حديث، لكنه فيه ضعف، لما قال فيه: «يلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم»، لما أطلق الرجل ثلاثة، لكن الحديث فيه ضعف. وحمل هذا الآية يرفع معه من السلف، وهي قول الله عز وجل: ﴿ لَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾، أي: أن الإنسان لا يستهزئ بحدود الله. بل قال ابن عباس وغيره: إن هذا إلزام الله، وعن جاءت أحاديث لأنه لا تصح، على أن رجل طلق المرأة وقال: إنما أمزح، فجعله طلاقاً للنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لا يصح. لكن جاءت أقاويل من الصحابة، وجاءت عن الحسن البصري مرسلاً، وأيضاً مقطوعاً عليه وقوفاً عليه، أنه كان يقول: من نكح وطلق وقال أنه مازح، لا يقبل منه، بل يلزم، بل يلزم. أنا مثلاً قال لفلان: أزوجك ابنتي، أو زوجتك ابنتي، ثم قال: أنا أمزح معك، هذا كلام قل صحيح، هذا باطل، فلا ينبغي للمزاح، ينبغي للمزاح. وجاء حديثنا عند ابن ماجه، ولكن الصحيح في المزاح: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة». لكن العلماء أخذوا بهذا الحديث، وإن كان الحديث لا يصح، لكن أكثرهم علم، بل بعض ينكره، جماعة أنهم أخذوا بهذا الحديث، وذكر بعضهم أن هذه الآية تدل عليهم: ﴿ لَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾، فمن نكح أو أوقع ابنته فهذا عقد، فإذا وافق عليه شخص آخر فيكون عقداً صحيحاً، يعني يخرج من هذا العقد أن يطلب هذا العقد، وأيضاً ذلك تقبل. وقال: أنا أمزح. أنا رجل مثلاً يتكلم مع زوجته فيقول لها: مثلاً: لماذا لا تذهبين أهلك؟ فأقول له: أطلقتني، فيقول: نعم، ثم يقول: أمزح معك، لهذا ما يصح. فإذا قال: أنه نعم، على قالت: أطلقتني، قالت: فيقول: نعم، أو يقول: بلى، فهذا يعتبر طلاق، يعتبر طلاق. فإن كان لم يطلب بعد فهذه طلقته له، لهذا فإن النساء لا يستهزي بهذه الألفاظ، وكثيراً وكثيراً ما يحصل هذا المزاح لهذه العقود، فهذه العقود إذا تمت لزمت، هذه العقود إذا تمت لزمت، مثل عقد البيع أيضاً إذا تم لزم، ما لم يكن أو ما حتى يتفرق من المجلس، إذا تفرق من المجلس لزم هذا البيع، فالبيع فيه فقط خيار المجلس، معنى زائد على هذه العقود، أما هذه العقود ليس فيها خيار مجلس، إذا قال مثلاً: زوجتك ابنتي، فرضي هذا الذي زوج، معنى أن هذا الزواج عقد صحيح، هذا عقد صحيح، ولو كانت هذه البنت صغيرة، بعض الناس يمزح كذلك، إذا كانت هذه البنت صغيرة فيقول: تريد أن تتزوجه؟ ويقول: نعم، يقول: خلاص زوجتك إياه، ويظن أن هذا مزح، فهذا عقد، يعتبر هذا عقد صحيح. ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾، قولوا بلسان حمد وثناء من قلب اعترافاً مقروناً، وبالجوارح بصرفها في طاعة الله. أنا ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ ﴾، أي: شكروها، اذكروها لتشكروها، فالشكر يكون باللسان والقلب والجوارح. أنا يحمد الله عز وجل على هذه النعمة التي أنعم الله عز وجل عليها، ويعترف ذلك بقلبه، وكذلك أيضاً من شكر هذا النعم، والنعمة التي تصرف بطاعة الله جل وعلا، أو تقابلها بالشكر بطاعة الله. أنا إما معنا مراده مثل: نعمة العينين، هذه نعمة، شكرها النظر فيما أباح الله عز وجل له، أو أنه بطاعة لله، فأيضاً كذلك في أن بعض الأشياء شكرها أنه يقابلها بطاعة، يقابلها بطاعة، مثلاً: النساء، شفى الله عز وجل عبده بعد مرض، وهذه نعمة، فيقابلها بطاعة، يقابل هذا الأمر، ولا يكون مثل أهل الكفر يقابلون النعمة بالكفران، كما أخبر الله عز وجل عنه. ﴿ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ﴾، أي: السنة، الحكمة: السنة، لأن الله عز وجل ذكر الكتاب، وإنه بعده الحكمة، دل على أنه السنة، ﴿ يُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾، فالحكمة هي ما أوحاه ما أنزله الله عز وجل عليه بغير الكتاب. قال: قال الذين: بين لكم ما قرب الخير ورغبتم فيها، وقرب الشر وحذركم منه، وعرف نفسه، وطايعكم في أولياء وعداء، وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. وقيل: المراد بالحكمة في أسرار الشريعة، فالكتاب فيه الحكم، والحكمة فيها بيان حكمة الله في أوامره ونواهيه، وكل المعنيين صحيح، لأن السنة هي وضع شيء في موضعه، والحكمة هي هذا، فإذا جئت بالسنة فقد جئت بالحكمة، ويطلق أيضاً على معنى جيد، وهو العمل بالسنة بما يكون فيها فقهة وسر، أنه هذا غالباً لا يعلم، إذن وإذن، مثلاً: على سبيل المثال من الحكمة في السنة أنه لا يستخدم الرفق دائماً، ولا يستخدم الشدة دائماً، بل الأصل في الأشياء الرفق، الأصل في معاملات الناس الرفق، لكن أحياناً يحتاج للشدة، فهذا عمل بالسنة وهي حكمة مزائدة على العمل بالسنة، فالعمل بالسنة هو حكمة، والعمل بأسرار هذه السنة يعتبر حكمة. انظر إلى ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله في الأمر بالمعروف، أنه عنه من ضوابط كذا، تجد أنها ضوابط صحيحة جاءت بها الشريعة، لكن من يعرفها يعرفون علماء غالباً. قالوا: ﴿ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ ﴾، من قال رحمه الله: فالكتاب فيه الحكم، والحكمة فيها بيان حكمة الله في أوامره ونواهيه، وكل المعنيين صحيح. لهذا قال: ﴿ يَعِظُكُم بِهِ ﴾، أي: بما أنزل عليكم، أنا يعظكم يذكره، وهذا ما يقوي أن المراد بالحكمة أسرار الشريعة، لأن الموعظ ببيان الحكم والحكمة والترغيب أو الترهيب، فالحكم أو في الحكم به يزول الجهل، والحكمة مع الترغيب يوجب الرغبة، والحكمة مع الترهيب يوجب الرغبة. أنا قد يكون مراد كلام مؤلف أن في بعض المواضع المراد بها الحكمة هي أسرار الشريعة، وفي بعض المواضع يكون المراد بها الحكمة عموماً هي السنة. ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ لجميع أموركم، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾، فلهذا بين لكم هذه الأحكام بغاية المتقن والإحكام التي هي جارية مع المصالح في كل زمان ومكان، فله الحمد والمنة. انتهى كلام الشيخ، فنشكر الله تعالى، شكراً للمشاهدين.