الخطبة بعنوان صور من الثقة بالله، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 2 ربيع الأول 1443هـ الموافق 8 أكتوبر 2021م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول أهمية التوكل على الله والثقة به في مواجهة الشدائد، مستشهدًا بآيات قرآنية وأحداث تاريخية مثل غزوة أحد وإبراهيم عليه السلام. يُظهر كيف أن التوكل على الله يؤدي إلى النجاة.
يُقدم نماذج من الأنبياء مثل النبي محمد وموسى عليهما السلام، موضحًا ثقتهم بالله وتوكلهم عليه في مواجهة التحديات، مثل حادثة الأعرابي وإلقاء أم موسى لولدها في النيل.
يستعرض قصصًا تاريخية مثل قصة هاجر وإبراهيم عليهما السلام وغزوة الخندق، موضحًا كيف أدت الثقة بالله والتوكل عليه إلى النجاة. يشدد على أهمية تربية النفس على هذه القيمة.
يختتم بالتسبيح لله وتنزيهه والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على عظمة الله وتقديره والصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، ويقول الله جل وعلا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ويقول عز وجل مخبرًا عن أنبيائه ورسله أنهم يتوكلون على الله جل وعلا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. وهكذا أخبر عن عباده الصالحين أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾، وهكذا أخبر عن نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾، وآيات كثيرة يأمر الله عز وجل فيها بالتوكل عليه والاعتماد عليه سبحانه وتعالى، وأن ذلك من مقامات الإيمان العظيمة، بل جعله الله عز وجل شرطًا في الإيمان، فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. نعم، عباد الله، إن التوكل مقام عظيم من مقامات الإيمان، بل قال ابن القيم رحمه الله: "إن التوكل نصف الدين، فإن الدين نصفه استعانة ونصفه إنابة"، فالتوكل من الاستعانة، والإنابة هي العبادة. هكذا عباد الله، مقام التوكل الذي ينبغي على كل مسلم أن يكون متحليًا به، متوكلًا على ربه، مفوضًا أموره إلى ربه وخالقه. عباد الله، لست في هذا الصدد بذكر فضائل وثمار التوكل، وإنما أردت أن أذكر بعض الصور والوقائع التي تبعث في قلب المؤمن التوكل على الله وتحقيق هذا المقام العظيم. ألا وإن من أعظم المتوكلين نبينا عليه الصلاة والسلام، الذي ضرب أروع الأمثلة في تحقيق هذا المقام العظيم، ألا وهو الثقة بالله جل وعلا والتوكل عليه. فإن الثقة بالله هي لب التوكل وروحه، وهي سواده، كما أن أفضل ما في العين سوادها. فإن النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة أحد لما حصل للمسلمين ما حصل، أن قتل منهم سبعون وجرح النبي صلى الله عليه وسلم، فشج رأسه وكسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام، وأصاب المسلمين ما أصابهم، فلما أرادوا أن يرجعوا إذا بالخبر يأتي بأن أبا سفيان يريد أن يرجع وأن يستأصل المسلمين، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه إلا أن قالوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، أي الله عز وجل كافينا. والله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، أي كافيه جل وعلا شر الأشرار وكيد الفجار. والله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي الله عز وجل حسبك وكافيك، والله عز وجل كذلك حسب المؤمنين وكافيهم. نعم، عباد الله، قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. انظروا عباد الله إلى هذه الثقة بالله جل وعلا والتوكل عليه، لما سمعوا هذا الخبر بأنه يريد أن يرجع وأن يكر عليهم وأن يستأصلهم، مع ما أصابهم من الضعف وما أصابهم من القتل وما أصابهم من الجروح، ما كان منهم إلا أن لجأوا إلى الله واعتصموا به وتوكلوا عليه، فقالوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، فرد الله عز وجل كيد هؤلاء الكفار. وهكذا إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار بعد أن كسر الأصنام وأنكر على قومه عبادتها، أرادوا أن يحرقوه، قالوا: "ألقوه"، قال الله عز وجل مخبرًا عما أرادوا أن يفعلوا بإبراهيم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، لما ألقي في النار قال إبراهيم عليه السلام: "حسبي الله ونعم الوكيل"، فجعل الله عز وجل هذه النار بردًا وسلامًا عليه. قال ابن عباس كما في البخاري: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، قالها إبراهيم لما ألقي في النار، وقالها النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل: "إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم". هكذا عباد الله، كذلك ما جاء في الصحيحين عن جابر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام لما رجع من غزوة ذات الرقاع نزلوا تحت الشجر، وقد أدركتهم القائلة، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم تحت سمرة، وتفرق الناس تحت الشجر، وعلق النبي عليه الصلاة والسلام سيفه، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وإذا أعرابي قد اخترط سيف النبي عليه الصلاة والسلام وأخرجه من غمده، فقال: "يا محمد، من يمنعك مني؟"، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "الله"، فارتجفت يد الأعرابي فسقط السيف من يده، فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام ومواقفه كثيرة عليه الصلاة والسلام في عظيم ثقته بربه وتفويض الأمور عليه والتوكل عليه سبحانه وتعالى. وهكذا أيضًا من تلكم الصور ما أخبر الله عز وجل عن أم موسى عليه السلام لما أراد الله عز وجل أن يبعث موسى عليه السلام ليخلص بني إسرائيل من ظلم فرعون وتجبره. علم فرعون وأخبر أن زوال ملكه وذهابه على يد فتى من بني إسرائيل، فأمر بقتل الصبيان كلما ولد صبي أمر أن يقتل حتى لا يوجد هذا النبي الذي يزول ملكه على يده. فلما فعل ذلك وأكثر من ذلك قال له قومه: "إنا نخشى الفناء على بني إسرائيل من كثرة القتل"، ألا قتلت سنة وتركت سنة، ففعل ذلك، فولد موسى عليه السلام في السنة التي يقتل فيها الغلمان. وأراد الله عز وجل أن يقضي أمره وأن يبين جل وعلا عظيم قدرته وأنه لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ولد موسى عليه السلام في تلك السنة التي يقتل فيها الغلمان، فخافت أم موسى على ولدها فكانت ترضعه خفية. فأوحى الله إليها: "إذا خفتي فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني"، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. فما كان منها إلا أن وثقت بأمر ربها وما أخبر الله جل وعلا، فألقت بفلذة كبدها في ماء النيل وهي خائفة وجلة عليه، لكن تعلم أن وعد الله جل وعلا حق. ألقت بولدها في الماء، ثم ما كان من أمر الله إلا أن يصل موسى إلى قصر فرعون، فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا. نعم، لأن موسى هو عدو فرعون وهو الذي سيزول ملكه على يده، فأبى الله جل وعلا إلا أن يتربى موسى في ملك فرعون وتحت رعايته وتحت كفالته وتحت نظره. أمر أراده الله فلا بد أن يكون، فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا. ثم إن من حماية الله لموسى أن ألقى الله عز وجل محبته في قلب امرأة فرعون المؤمنة وهي آسيا بنت مزاحم رضي الله عنها، فأحبته حبًا شديدًا، فقالت: "لا تقتلوه، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا". وهم لا يشعرون بما يريد الله وبما قضى الله سبحانه وتعالى من أمر هذا الغلام، ولو علموا حقيقة أمره لقتلوه وسفكوا دمه. ثم إن الله عز وجل حرم عليه المراضع ومنع أن يقبل ثدي امرأة حتى يرجع إلى أمه، فأخرجوا إلى السوق ينظرون هل من امرأة يقبل هذا الغلام ثديها. وأرسلت أم موسى أختها لتبحث وتنظر في أمر أخيها من غير أن يشعروا بأنها تبحث عنه، وقالت لأخته: "قصي أثره وانظري أمره"، فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون. فقالت: "هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون؟"، فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق. انظر عباد الله، الله عز وجل مكن لموسى عليه السلام وأذهب الخوف من قلب أمه بعد أن كانت ترضعه وهي متسترة وخائفة، أصبحت ترضعه وهي آمنة. بل وهي كذلك تلقى أجرة عظيمة من فرعون وملكه، هكذا أمر الله سبحانه وتعالى الذي إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: "كن فيكون". وتربى موسى عليه السلام في ملك فرعون حتى أوحى الله إليه بالنبوة والرسالة، وبعثه الله إلى فرعون فدعاه إلى الإيمان بالله فأبى وتجبر وكفر وتكبر. فأراد الله عز وجل أن يذهب ملكه وأن يهلكه ومن معه من جنوده، وهنا تظهر صورة أخرى من صور التوكل على الله والثقة بالله جل وعلا. لما خرج موسى ومن معه من المؤمنين هاربين من بطش فرعون وجنوده، أدركهم البحر أمامهم، فقال أصحاب موسى: "إنا لمدركون"، سيدركنا فرعون، هذا البحر أمامنا وهذا فرعون وجنوده خلفنا. فقال موسى عليه السلام الواثق بربه الواثق بنصر الله له وبتأييده: "كلا، إن معي ربي سيهدين"، هكذا المؤمن الذي يتوكل على ربه ويثق بالله، فالله جل وعلا لا يخذله بل يكفيه سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾، ثم دخل موسى وأصحابه في وسط البحر لكي يغرق الله عز وجل فرعون وجنوده. قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. هكذا أهلك الله عز وجل فرعون وجنوده وأخرجهم الله من جناتهم وعيونهم التي كانوا يتمتعون بها وكانوا يتكبرون ويفتخرون بها، فأهلكهم الله سبحانه وتعالى بقدرته وقوته وإرادته عز وجل. هكذا عباد الله، ينبغي أن يكون المؤمن على ثقة بربه. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، أقول ما تسمعون وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. عباد الله، ومن صور الثقة بالله جل وعلا والتوكل عليه ما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام لما خرج بهاجر وابنها إسماعيل، فوضعهم عند البيت عند دوحة فوق زمزم قبل أن يوجد البيت، كانت أرضًا قاحلة وصحراء مغبرة ليس فيها ماء وليس فيها أنيس ولا ونيس. وضعها في ذلك الموضع، ووضع معها جرابًا فيه تمر وسيقاء فيه ماء، ثم ولَّى إبراهيم عليه السلام، فقالت هاجر: "يا إبراهيم، لمن تتركنا؟"، فلم يجبها، قالت: "يا إبراهيم، الله أمرك بهذا؟"، قال: "نعم"، فقالت: "إذا لا يضيعنا"، إذا كان هذا الذي أمرك الله به فلن يضيعنا الله جل وعلا. فقبلت هذا الأمر ووكلت أمرها إلى الله وفوضت أمرها إلى الله جل وعلا، وهي واثقة أن الله عز وجل لن يضيعها. فأكلت من ذلك التمر وشربت من ذلك السقاء حتى نفذ ما معها، فجاع ولدها فجعل يتقلب من الجوع، فذهبت ونظرت لعلها أن تجد أحدًا يغيثها. فذهبت إلى الصفا فلما نزلت في بطن الوادي غاب عنها ولدها، فسعت، ثم صعدت على المروة فجعلت تنظر يمينًا وشمالًا لعلها ترى أحدًا، حتى فعلت ذلك سبع مرات. وإذ بها تسمع صوتًا، وقد أرسل الله جل وعلا إليها الملك، فقالت: "أغث إن كان عندك غواث"، فضرب بجناحه الأرض فنبع ماء زمزم، فجعلت أم إسماعيل تحوطه وتجمعه. قال النبي عليه الصلاة والسلام: "يرحم الله أم إسماعيل، لو ترك زمزم لكانت عينًا معينًا"، لكنها جعلت تحوطه وتجمعه، وشربت من ماء زمزم وأرضعت ولدها، وأنجاها الله عز وجل ولم يخيبها، وهكذا كان ظنها بربها سبحانه وتعالى. هكذا عباد الله، ينبغي أن يكون المسلم أن يربي نفسه على هذا المقام العظيم، الثقة بالله والتوكل عليه وتفويض الأمور إليه، مهما تكالب الأعداء ومهما تجمعت الجموع من الكفار. وهو يعلم أن الله عز وجل ناصر دينه وأن الله عز وجل مؤيد أولياءه، فثقته بالله عظيمة، وكذلك تفويضه الأمور لربه وخالقه كبيرة. انظر إلى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لما تجمعت عليهم الأحزاب من جميع القبائل من قبائل العرب والمشركين، وأرادوا قتل النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين، فحاصروا المدينة وبلغ الأمر في قلوب المؤمنين مبلغًا عظيمًا. قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. هكذا قد يبتل الله عز وجل أهل الإيمان بحصول الشدة وتكالب الأعداء عليهم، ولكن ذلك امتحان واختبار من الله جل وعلا، فإذا ثبتوا وإذا ولوا أمورهم إلى ربهم وفوضوا أمرهم إلى خالقهم ولجأوا إليه ووثقوا بالله جاء نصر الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل بعد ذلك: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، ما زادهم هذه الجموع وهذه التكالبات التي فعلها الكفار عليهم إلا إيمانًا بالله وثقة بالله سبحانه وتعالى أن وعده جل وعلا صدق وأن نصره جل وعلا واقع. فهكذا ينبغي أن يكون العبد في سائر أحواله وفي سائر تقلباته، معتمدًا على ربه ومفوضًا أموره إلى خالقه. يا صاحب الهم إن الهم منفرج أبشر بخير فإن الفارج الله، اليأس يقطع أحيانًا بصاحبه لا تيأسن فإن الكافي الله، إذا ابتليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو الله، والله ما لك غير الله من أحد فحسبك الله في كل لك الله. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته وأن يثبت قلوبنا على طاعته وعلى الإيمان به. اللهم إنا نسألك يا قوي يا متين يا جبار السماوات والأرض أن تنصر دينك وأن تعلي كلمتك وأن تخذل أهل الكفر وأعوانهم. اللهم عليك بالروافض وأعوانهم، اللهم وهزمهم شر هزيمة، اللهم وفرق جمعهم وشتت كلمتهم وأضعف قوتهم يا عزيز يا متين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.