شرح مسائل الجاهلية  95

شرح مسائل الجاهلية 95

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 95، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الاستسقاء بالأنواء

يشرح معنى الاستسقاء بالأنواء ويربطه بأفعال أهل الجاهلية، حيث كانوا يعتقدون أن النجوم والكواكب تؤثر في نزول المطر. يُوضح أن هذا الاعتقاد يعتبر شركًا في الربوبية لأنه ينسب الفعل إلى غير الله تعالى.

أقسام الشرك في النجوم وتأثيرها

يشرح اعتقاد بعض أهل الجاهلية في النجوم والكواكب، حيث قسمهم إلى قسمين: الأول يعتقد أن النجوم تخلق وتؤثر بنفسها، والثاني يعتقد أنها سبب لإنزال المطر. يبين أن القسم الأول أشرك الشرك الأكبر، بينما القسم الثاني وقع في الشرك الأصغر.

الحدود الشرعية للاستسقاء بالأنواء

يتناول مسألة الاستسقاء بالأنواء وحدودها الشرعية، حيث يوضح أن الاعتقاد بأن النجوم لها تأثير مباشر في الأمطار أو الأحداث يعتبر شركًا، سواء كان أكبر أو أصغر، بينما جعل النجوم علامة أو دلالة على حدوث شيء ما دون اعتقاد التأثير المباشر فهو جائز عند جمهور العلماء.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى السامعين بما قيل، ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: التاسعة والثمانون الاستسقاء بالأنواء. كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: يعتبر من مظاهر أهل الجاهلية، ودل على ذلك ما مر معنا في حديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه، والذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: «أربع من أمور الجاهلية، أو أربع في أمة من أمر الجاهلية لا يتركونهن»، فأخبر عليه الصلاة والسلام أن ذلك من خصائص ومن صور وسلوكيات أهل الجاهلية، فذكر من ذلك الفخر بالأحساب، وذكر في ذلك الاستسقاء بالنجوم. وأيضًا ما جاء في البخاري من حديث عبيد الله، من أبي زياد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: «ثلاث خلال من خلال أهل الجاهلية»، أي: ثلاثة من صفات أهل الجاهلية، فذكر الفخر بالأحساب، وذكر النياح على الميت، قال سفيان: ونسيت الثالثة. ويقولون: الاستسقاء بالأنواء، فيقولون: الاستسقاء بالأنواء، فإن ذلك من فعل أهل الجاهلية. فما معنى الاستسقاء بالأنواء؟ يقول علماء: الاستسقاء استفعال، والألف والسين والتاء تأتي لمعنى الطلب، فمنه استغفار بمعنى طلب المغفرة، الاستغاثة بمعنى طلب الغوث، الاستعاذة طلب العوض، الاستعانة طلب العون، فالألف والسين والتاء تفيد الطلب. وهذا ليس غالبًا، وهذا ليس دائمًا، وإنما غالبًا ما يأتي الاستفعال والألف والسين والتاء للطلب. وأحيانًا تأتي لزيادة المعنى، أحيانًا تأتي لزيادة المعنى ليس فيها معنى الطلب، فيأتي تارة بمعنى الدلالة على كمال الشيء، الدلالة على كمال الشيء، مثل استعظم، استعظم، ليس معنى أنه طلب العظمة، وإنما استعظم أي أصبح، صار عظيمًا، صار عظيمًا، دلالة على كماله. وهكذا في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾، واستغنى الله، ليس معناه أن الله طلب الغنى حاشاه جل في علاه، وإنما قد كمل غنى، قد كمل غناه جل في علاه. فالاستفعال، الألف والسين والتاء هي أصلا غالبًا تأتي بمعنى الطلب، وأحيانًا تأتي بمعنى الدلالة على كمال الشيء، وذلك يعرف بالقرينة، بقرينة السياق، وقرينة السابق واللاحق في وضعها اللغوي. فالاستسقاء هنا الاستفعال، وما معنى الاستسقاء هنا؟ معنى الاستسقاء إذن بمعنى الطلب، أي طلب السقية، طلب السقية، والمعنى هنا سقيا المطر، طالب سقيا المطر، هذا معنى الاستسقاء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الاستسقاء بالأنواء، الأنواء جمع نوء، وما هو النوء؟ فسره العلماء بأنه الكوكب، وبأنه النجم، ومنه من دقق العبارة فقال: المقصود بها منازل القمر، فالقمر له منازل. وإلا فإن أهل اللغة يقولون: بأن الأنواء أصلا ليس لها علاقة بالنجم ولا بالكوكب من حيث الاشتقاق اللغوي، وإنما هناك كانت علاقة بين هذه الكلمة وبين الكواكب والنجوم، إذ أن الأنواء مأخوذة من ناء ينوء نوءًا، بمعنى طلع ونهض، هذا أصل النوع، بمعنى الطلوع والظهور. وكانت الطلوع والظهور هذه من الأوصاف التي تطلق على النجوم وعلى الكواكب، طلع النجم الفلاني، ظهر النجم الفلاني، أي ناء، ظهر، بمعنى ناء ينوء، فلما كانت هذه من الصفات اللازمة للكواكب والنجوم، فأخذ طلق هذا الوصف على ذات الشيء، فسمي هذا بالأنواء، وإن له وصف ليس والذات، لكن مع الاستمرار فأطلق هذا الوصف، وصف الطلوع والظهور على الذات، فسميت الأنواء، وإلا أصل هي عبارة عن الطلوع والظهور. فحينها أطلقت على الكواكب والنجوم، إذن معنى أن الأنواء هي النجوم أو الكواكب، فمعنى العبارة الاستسقاء بالأنواء، أي طلب السقية من الكواكب، طلب السقية من الكواكب، أو عن طريق الكواكب والنجوم، هذا الفعل إخواني في الله، كما ذكر في الحديث أن ذلك من أفعال الجاهلية. وكان أهل الجاهلية يعتقدون في النجوم، وأن لها علاقة بالأمطار بنزول الأمطار، وكانوا على عقيدتين، طائفة من المشركين من أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن الكواكب وأن النجوم هي المؤثرة، هي المؤثرة لإنزال المطر، هي المؤثرة لإنزال المطر، أي بقدرة الكواكب وبقدرة النجوم تنزل الأمطار على الأنحاء الأرضية، وهذا لا شك أنه شرك في الربوبية، إذ أن في حقيقته اعتقاد بوجود خالق آخر مع الله سبحانه وتعالى. أن الله جل وعلا كما أنه يخلق، فهذه الكواكب والنجوم هي أيضًا تخلق، هي أيضًا تخلق، فكان هذا اعتقاد عند بعض أهل الجاهلية، وهم قلة، هذا الاعتقاد وجد عند أهل الجاهلية، وهم قلة، من كان يعتقد بأن الكوكب وأن النجم هو الذي بقدرته وإرادته أنزلت لكم الأمطار التي عمت على وجه الأرض، وهذا من أمثال هؤلاء كذلك الصابئة، الصابئة كانوا على هذه العقيدة. كان حتى يذكر من ديانتهم أنهم كانوا يتخذون للنجم وللكوكب أصنام وتماثيل صورة، يعتقدون في ذاك النجم، فيتخذون له هيكلًا وصورة في معبد، وذاك نجم آخر يهيئ له شكل هيكلي في معبد، وهكذا كانوا يجعلون للنجوم والكواكب لها صور في صوامعهم وفي هيكلهم وفي أماكن تعبدهم، فكانوا يطلبون منها، وهذا عند الصابئة وعند جماعة من أهل الجاهلية. وكما قلنا: وهذا من كان على هذا المنوال فقد أشرك الشركة الأكبر، لأنه اعتقد بوجود خالق مع الله يزاحم الرب سبحانه وتعالى في خلقه وفي إيجاده للمخلوقات. الطائفة الثانية من طوائف أهل الجاهلية في اعتقادهم في النجم، أن بعضهم ليس هذا اعتقاده، يعتقد أن النجم هو المؤثر بنفسه لا، لكن يعتقد أن النجم سبب، سبب من أسباب إنزال المطر، وهذا كذلك كان من فعل أهل الجاهلية، وهذا هو الكثير، هذا كان هو الكثير الغالب عليهم. أنهم كانوا يعتقدون هذه العقيدة بأن النجم هو سبب من أسباب إنزال الأمطار، أي سبب، أي له تأثير، النجم له تأثير على السماء بإنزال المطر، وهذا يعتبر العلماء من الشرك الأصغر، نوع من أنواع الشرك، أي الشرك الأصغر، إذا اعتقد أن النجم سبب من أسباب إنزال الأمطار. وهنا قاعدة مفيدة يذكرها العلماء في ضابط الشرك الأصغر، القاعدة عند العلماء، وهذا من بعض الضوابط للشرك الأصغر. أنك إن جعلت لأمر ما سببًا، وهذا الذي جعلته سبب، لو نظرنا وفتشنا في الأدلة الشرعية لرأينا أن الشرع ما جعل هذا الأمر الذي أنت جعلته سببًا، نجد أن شرع لم يجعله سببًا، وإذا ذهبنا إلى الناحية الكونية ومن حيث ما عليه حياة الناس وفي دنيا الناس، من حيث الناحية الكونية الشرعية والكونية الكونية مقابل الشرعية، ما عليه الناس، نجد أن الناس ما اتخذوا هذا الشيء الذي أنت تزعم أنه سببه، وليس بسبب عندهم. فإذا قال علماء: فمن وجد أو أوجد شيئًا وجعله سببًا، وهو ليس سبب لا كوني ولا شرعي، فإن هذا يجعله في عداد الشرك الأصغر. مثال في باب الطب: ما لو أن رجلًا مرضا مرضا، فجاء من يسعفه بعلاج، قال: خذ هذا العلاج، وما هذا العلاج؟ قال: هذا العلاج عبارة عن حب سودة مع بعض الأعشاب، اجعلها قلادة في عضدك أو في عنقك، اجعلها وسيشفيك الله من هذا العلاج الشافي الله، وهذا سبب، هذا سبب، اعتقد أن الله هو الشافي، وهذا سبب يعينك على الشفاء. نقول: ننتظر، انتظر في هذا، ما هذا؟ قال: هذا سبب، ننظر هل في شريعة الله عز وجل، هل في الكتاب والسنة ما دل على أن الحب السوداء والأعشاب بهذا التعلق يعتبر علاج شرعي؟ ما عندنا هذا، العلاج السنة قد بيّنت أن من العلاج الشرعي العسل، الحب السوداء، وذلك بتناولها، الحجامة، الرقية الشرعية، هذه علاجات شرعية قد دلت شريعة عليها، وهذا التعليق هذا ليس عندنا من الأدلة شرعية، أو ما يسعفه من الأدلة ما يدل على جعله سببًا، إذن هذا ليس بسبب شرعي. نعطي فرصة للماذا؟ العلاج الكوني، ننظر في باب الطب والتداوي عند الناس، وما كان عليه خبرة الناس، هل يوجد عندكم أن هذا التعلق، تعليق الحب السوداء في العضد أو في الرقبة، أنه علاج لهذا المرض؟ فقال العلماء: ما علمنا هذا، نحن أهل الطب وأهل خبرة، ما علمنا هذا، وما هناك خاصية أصلًا بين هذا التعلق وهذا ما يسع علاقة، هذه الأمراض علاجه بكذا وكذا، بتحاليل بعقاقير بحبوب بأمور أثبت التجربة الفعلية، هذا ما عندنا سبب، وما عرفنا أن أحد من أهل الطب وأهل الحذاقة جعله سببًا، إذن علمنا أنك يا من جعلت هذا السبب، هو ليس بسبب لا كوني ولا شرعي، ما حكمه؟ هذا مباشر عند العلماء يجعله من الشرك الأصغر، من الشرك الأصغر. وقس على هذا الباب، وهذا مفيد في جعلك أن تحكم على بعض الأمور بالشرك الأصغر، ومنها ما نحن بصدده، فمن اعتقد أن هذا النجم سبب، نذهب إلى أهل الاختصاص، علماء الفلك، علماء الفضاء، وعلماء الأرض، ويوجد من يتابع حركات النجم، هل هذا عندكم سبب؟ هل لكم علاقة بين أن النجم فلان له خاصية، خاصية بسحب الغيوم مثلًا، بسحب الغيوم أو بتجمع الغيوم، أو وجدتك كثافة فوق مكان، ثم إنزال، يقول العلماء: ما عندنا هذا، نحن من خلال تجربتنا، المئات عبر التلسكوبات والنظر والتحاليل ورصد الأفلاك، ما عندنا هذا السبب، جزاكم الله. نأتي للعلماء الشرع، هل هذا جاء في الكتاب والسنة والسبب؟ قالوا: هذا ما عندنا سبب، إذن من هذا الذي يدعي السببية؟ من قال أنه سبب قد أدخل نفسه في الشرك الأصغر، أدخل نفسه في الشرك الأصغر. إذن الاستسقاء بالأنواء عند أهل الجاهلية هم بين أمرين، إما أن يجعلهم في عداد الشرك الأكبر، إن ظن أن هذا النجم هو بنفسه مؤثر، مؤثر، وهم بعد ذلك هؤلاء أصحاب الشرك الأكبر. بين أمرين، إما أنهم يعتقدون اعتقاد، وهذا الاعتقاد بحد ذاته كفر، لأنهم يجرهم اعتقاد بوجود خالق مع الله، وبعضهم قد يصل به الحال إلى الجر أن يتلفظ، فما يستغيث بهذا النجم: يا نجم الفلاني أغثنا، يا نجم الفلاني أمطرنا، وهذا الشرك على الشرك، هذا في حق من اعتقد التأثير. وأما إن كان دون هذا، يقول: لا، أنا ما أقول لهذا، حاشا وكلا، بل المؤثر والنازل حقيقة للأمطار وللغيث هو الله سبحانه وتعالى، أجل في علاه، لكن هذا النجم مؤثر، له خاصية، إما بعضهم يوسع الأمر، يقول: هذا النجم خاصية في خصب الأرض، هذا النجم خاصية في جذب الأسماك إلى محيط الماء، هذا النجم خاصية في إنزال أمطار، فنقول: كونك جعلت ذلك سببًا، وإن كنت تعتقد بأن الخالق للمطر هو الله عز وجل، لكنك جعلت إلى ما ليس سببًا بسبب، هذا يجعلك في عداد من وقع في الشرك الأصغر. ولهذا كان أهل الجاهلية يتراوحون بين هذا وبين هذا، ولهذا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن من صور مسائل الجاهلية الاستسقاء بالأنواء، وقد حذر نبينا في أحاديث كثيرة، ولم يذكر في هذا المقام حتى لا يطال في هذا المقام، ما جاء في الصحيح: أن النبي لما صلى بأصحابه على إثر سماء، فقال: يقول الله جل وعلا: «أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فمن قال مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، ومن قال مطرنا بفضل نوء فلان بنوء كذا ونوء كذا، فهذا كافر بي مؤمن بالكوكب». وأيضًا مما يدلك على شناعة هذا الفعل، كونك يا عبد الله نسبت النعمة إلى غير الله، نسبت النعمة إلى غير الله، كونك تقول: مطرنا بفضل ذاك النجم، وبفضل ذاك النجم، بغض النظر عن اعتقادك، فهذا فيه ماذا؟ سوء أدب مع الله جل وعلا، في أنك نسبت النعمة إلى غير الله سبحانه وتعالى، فإن الله هو الذي أنزل النعم على عباده، ومنها الأمطار. فقول رحمه الله تعالى: الاستسقاء بالأنواء، إذن علمنا الاستسقاء بالأنواء، إذا كان بقصد التأثير أو بقصد السببية، فهذا في عداد الشرك، إما الأكبر أو الأصغر. أما من جعل ذلك علامة فقط، علامة، مثل من يستدل بالفصول الأربعة، من يستدل بالرياح، من يستدل بكذا، بحركة النجوم، فهذا على قول جماعة من العلماء أن هذا ليس فيه شيء، كعلامة، علامة ليست سببية، ليست لها خاصية، خاصية التأثير لا استقلالًا ولا تبعية، ليست لها استقلال، لكن تجعل هذه علامة، هذه أمارة على ظهور النجم، ظهر هذا، إن شاء الله، هذا دلالة على وجود كذا، فقط كعلامة وكأمارة، هذا ليس فيه شيء. وعلى ماذا؟ بجماعة من العلماء، وإن كان بعضهم يرى البعد من ذلك، سلامة لحمى التوحيد، وعدم التعلق بشيء من النجوم، لكن على قول جمهور العلماء، وهذا الذي عليه سلفنا الصالح، من ذكر بعض الأشياء وجعل النجوم عبارة عن فقط علامة، علامة ودلالة على وجود أمر فلاني، وليس تأثير، وليس كسبب، هذا إن شاء الله لا حرج عليه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.