العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 7

الدرس في العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 7، ألقاها

مفهوم الإكراه وأثره على الأحكام الشرعية

الإكراه هو حمل الغير على أمر لا يرضاه، ويشترط له عدة شروط للتخفيف في الأحكام الشرعية. الإكراه يعتبر سببا للتخفيف إذا توفرت شروط معينة مثل قدرة المكره على تنفيذ تهديده.

أسباب التخفيف في التكاليف الشرعية وأنواعها

يناقش أسباب التخفيف في التكاليف الشرعية مثل الإكراه والنقص والرق والنوم والإغماء. هذه الأسباب تؤثر على التكاليف البدنية والمالية والمركبة وتشمل حالات مثل الجنون والعته والأنوثة.

تطبيقات التخفيف في العبادات والحقوق المالية

يفصل في تأثير أسباب التخفيف على العبادات والحقوق المالية، ويشمل ذلك أحكام العبيد والأسرى. يشمل التخفيف حالات مثل الرق والنوم والإغماء وتأثيرها على التكاليف الشرعية.

ختام بالدعاء للنبي وآله

المقطع الأخير يتضمن الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه ويعبر عن الشكر. يمثل ختاماً للمواضيع السابقة.

التفريغ النصي الكامل

السلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشارع حفظه الله: سبب الخامس الجهل. قال: من أسباب التخفيف، وسيأتي إن شاء الله في كلام الناظم رحمه الله عند قوله: «والشرع لا يلزم قبل العلم». قال: سبب السادس الإكراه، وهو من الكره بالفتح، وهو المشقة، قاله الفراء. وقيل: من الكره. قال: من مفهوم في اللسان: أجمع كثير من أهل اللغة على أن الكره بالضمة، والكر بالفتح لغتان لمعنى: حمل الغير على أمر لا يرضاه لو خلي ونفسه. إذا الكره: الإكراه من الكره، هم من الكر. قال: ودليله قوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ فأخبر الله عز وجل بالمؤاخذة على من كفر من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره، يعني: من أكره على الكفر، فوقع منه على غير اختيار، وغير رضا، وقلبه مطمئن بالإيمان، يعني: ليس عليه شيء من الإثم والمؤاخذة. فإذا كان يعذر الإنسان بمثل هذا الأمر العظيم، وهو أن يكفر بالله جل وعلا بلسانه مع اطمئنان قلبه، وأنه لا يؤاخذ على ذلك بسبب الإكراه، فيدل هذا على أن ما دون ذلك من الأمور التي يكره عليها الإنسان، ويفعلها بغير رضا واختياره، أنه معذور فيها. قال: وأيضا حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكره عليه - أو ما استكره عليه -». قال: لكن أنكره الإمام أحمد، أي: أنكر هذا الحديث. والحديث له طرق كثيرة، وإن كان أكثرها لا يقل عن درجة الحسن، كما ذكر عن الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك الإمام أبو حاتم رحمه الله، فإنه ما ضعف هذا الحديث إلا من حيث إسناده، أما معناه فهو صحيح، ويدل على صحة معناه أدلّة كثيرة من الكتاب والسنة. فالخطأ مثلا: قول الله عز وجل: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. والنسيان كذلك: ﴿إن نسينا أو أخطأنا﴾. والاستكراه كذلك: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾. فتدل هذه الأدلة على رفع الحرج عن الإنسان إذا وقع منه شيء من الخطأ، أو فعل المحظور، أو ترك الواجب على سبيل الخطأ، أو النسيان، أو الإكراه. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» قال: أي إكراه. والحديث رواه أبو داود وابن ماجه، فضعفه الإمام أبو حاتم رحمه الله. وقوله: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»، أي: معنى الإغلاق، لكن ظهر أن الإغلاق كما ذكر أهل اللغة هو بمعنى شدة الغضب، بمعنى شدة الغضب. «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»، يعني: عند شدة الغضب، إذا غضب الإنسان غضبا شديدا فطلق أو أعتق، فإنه لا يقع الطلاق ولا العتق. وفي هذا يعني نفس الحكم كذلك الإكراه، إذا أكره فطلق أو أعتق، فكذلك أيضا لا يقع. قال: وليس كل إكراه يكون سببا للتخفيف، وإنما اشترطوا له شروطا. إلا مسألة واحدة ذكر فيها أهل العلم أن الإنسان إذا أكره عليها وقع مع الإكراه، ما هي؟ مسألة ذكرها أهل العلم أنه وإن وقعت من الإنسان وهو مكره، فإنها تقع. الرضاع، لو أن امرأة أكرهت على إرضاع طفل بغير اختيارها، فرضعته مكرهة، هل يثبت التحريم لهذا الطفل؟ الجواب: نعم يثبت، فيصير ابنا لها. طيب، هذه مستثناة. قال: الشرط الأول: أن يكون المكره قادرا على إيقاع ما هدد به، والمكره ليس قادرا على دفعه، يعني: أن يكون هذا الإكراه محققا، ما يكون شيئا وهميا، وإنما أن يكون هذا المكره عنده سطوة وقدرة على إيقاع الضرر بالمكره، وهذا الإيقاع أمر متحقق، فحينئذ يكون المكره معذورا. قال: الشرط الثاني: أن يكون الإكراه عاجلا، ليس آجلا، يعني: ما يقول: أنا سأقتلك بعد سنة إن لم تفعل كذا، هذا ما يعتبر به، لكن إذا قال: سأقتلك الآن إن لم تفعل كذا وكذا. قال: مثال ذلك: قال شخص لآخر: طلق زوجتك وإلا قتلتك بعد سنة، فإنه لا يكون إكراها معتبرا لأنه آجل. الشرط الثالث: أن يكون ما يكره عليه يشق تحمله، يعني: لا يتحمل هذا الشيء الذي أكره عليه. فإذا كان كذلك فيكون معذورا، مثل: القتل، الحبس، الضرب الشديد، ونحو ذلك من الأشياء التي تشق على الإنسان تحملها، فإنه يعذر. لكن لو قال: إن لم تفعل كذا ما أطعمك هذا اليوم، هذا ليس بشيء شديد، يوم واحد يستطيع الإنسان أن يصبر بلا طعام. قال: الشرط الرابع: أن يظن المكره أن المكره سيوقع ما هدد به، لأنه لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يعلم أو يظن أنه سيوقع ما هدد به، فيكون سببا للتخفيف. يعلم أو يظن، يعني: ظن راجح، ظنا راجحا أو غلب الظن، فهذا يعمل به، فهذا يكون سببا للتخفيف. قال: حالة ثانية: أن يشك أو يظن أنه لن يوقع ما هدد به، فهذا لا يكون سببا للتخفيف، يعني: أتى له شخص بكلام فيه التهديد، وهو يشك في هذا التهديد، أو يظن ظنا أو يغلب على ظنه أنه ما سيفعل هذا الشيء، حينئذ لا يكون هذا التهديد أو هذا الإكراه سببا للتخفيف. قال: الشرط الخامس: أن يكون الإكراه بغير حق، فإن كان بحق فلا يكون سببا للتخفيف. أن يكون الإكراه بغير حق، يعني: اعتداء وظلم وبغي. أما إن كان بحق فلا يكون سببا للتخفيف، كما يكره على مثلا الحبس لأجل ما عليه من ديون وحقوق للناس حتى يردها، هذا إكراه بحق، أو نحو ذلك. قال: والإكراه قد يكون سببا للتخفيف، وقد لا يكون كذلك. فيكون سببا للتخفيف في العبادات، مثال ذلك: إذا أكره على الإفطار في رمضان، فلا يبطل صومه، أو أكره أن يأكل في الصلاة، فإن صلاته لا تبطل. وهذا يتصور يتصور إذا كان المسلم تحت يد الكفار، أسر في أيدي الكفار، فجاء رمضان فصام، فأكرهه على الإفطار، أتى له بطعام وأكرهه أن يفطر، فحينئذ يكون معذورا، صوم صحيح، ولو أكل. وإن أكل هكذا أيضا، إذا قام يصلي فأكره على الطعام في أثناء الصلاة مثلا، فإنه كذلك يعذر، وصلاته صحيحة. قال: وكذلك في المعاملات، إذا أكره على البيع أو الشراء، أو في النكاح، أكره على الطلاق، فكل ذلك لا يقع. عنده سلعة سيارة مثلا، فجاء ناس هددوه بالسلاح أن يبيعها لفلان، خاف على نفسه فباعها، هذا العقد باطل لا يصح. أو العكس إذا اشترى مكرها، لا يقع هذا البيع. أو هذا العقد كذلك في النكاح، إذا أكره أكره على الطلاق، ألزم وأرغم وهدد أن يطلق، وطلق دفعا للضرر عن نفسه، لا يقع هذا الطلاق. قال: وقد لا يكون الإكراه سببا للتخفيف، إذا أكره على قتل إنسان، فليس له أن يقتله، فلا يكون سببا للتخفيف. لماذا؟ لأنه ليس نفسه بأولى من نفس غيره. ولأن الضرورة تبيح المحظورات بشرط عدم تفريطها عنها، فلا يكون المحظور أعظم وأرفع من الضرورة. أعظم وأرفع من الضرورة. فكونه يقتل إنسانا حتى يسلم هو من القتل، هذا لا يبيح له ذلك، لأن القتل كبيرة من كبائر الذنوب، ولا يجوز للإنسان أن يعتدي على نفسه أو غيره، ودم غيره بغير حق حتى ينجو بنفسه وتسلم نفسه من القتل. قال: فالقاعدة الأصل: أن الإكراه سبب للتخفيف في الإثم والضمان، وقد لا يكون سببا للتخفيف، كما في مسألة القتل ونحوها. يعني: ممكن يقال: ما كان الإكراه متعلقا بحقوق الله جل وعلا، فهذا محل أو سبب للتخفيف. إذا كان الإكراه في شيء يتعلق بحق من حقوق الله عز وجل، فإنها توجب التخفيف، لأن حقوق الله مبنية على المسامحة، كالعبادات والطاعات. إذا أكره على فعلها أو أكره على تركها، فهو معذور. وأما ما يتعلق بحقوق الناس، فيفصل. فإن كان فيه اعتداء على عرض أو دم، فهذا لا يجوز أن يفعله، ولا يكون سببا للتخفيف، كمن أكره على قتل إنسان، أو أكره على هتك عرض امرأة عفيفة، فإنه لا يجوز له ذلك. وأما ما يتعلق بالأموال، فله أن يدفع الضرر عن نفسه، مع ضمان ما أتلف من هذا المال، ثم الرجوع على من أكره على ذلك. قال: السبب السابع: النقص. وقد ذكر علماء أهل العلم له أنواعا. النوع الأول: الجنون، وهو فقد للعقل، يصحبه طرب وهيجان أحيانا. وهذا من أسباب التخفيف، فالمجنون لا تجب عليه الصلاة والصيام إلى آخر ذلك، يعني: من الفرائض والواجبات، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكره عن المجنون حتى يفيق. حديث من رواية عمر وعائشة رضي الله عنهما عند الإمام أحمد وغيره. قال: وقد لا يكون سببا للتخفيف، مثل: الحقوق المالية، فالزكاة والنفقة تجب عليه، يعني: تجب على المجنون. لماذا؟ لأن هذه من أحكام الوضع، من الأحكام الوضعية. والأحكام الوضعية لا يشترط فيها التكليف، إن هي متعلقة بأسبابها وشروطها. فوجوب الزكاة في المال متعلق بالمال، إذا وجد المال وبلغ النصاب وحال عليه الحول، وجبت فيه الزكاة، بغض النظر: هل مالكه عاقل أو ليس بعاقل؟ طيب، أو بالغ أو ليس ببالغ؟ وهكذا أيضا النفقة، إذا كان عنده أولاد أو عنده زوجة، تجب عليه النفقة، وإن كان مجنونا، لأن هذا حق متعلق بالمال. قال: أيضا ما يتعلق بحقوق الآدميين، كضمان المتلفات وأروش الجنايات. فإذا أتلف المجنون شيئا، فيجب عليه الضمان في ماله. نعم، هو مجنون، نقول: مجنون، ليس بمكلف، لكن إذا أتلف أموال الناس، اعتدى على مثلا سيارة إنسان فكسر زجاجها، نقول: هو مجنون، ما عليه إثم، لكن يجب الضمان. ما أتلف، أخذ شاة لأناس وذبحها أو باعها، عليه الضمان. وهكذا إذا اعتدى على إنسان فجرحه، فإنه كذلك عليه الضمان. ما أتلف. قال: فالقاعدة في المجنون من حيث التخفيف: أنه أولا: أنه لا تجب عليه العبادات البدنية، أو المركبة من المال والبدن، كالكفارات والحج والجهاد، ولا تصح منه، يعني: لو فعلها. لو ذهب مجنون يحج، ما صح حجه. قال: ثانيا: عدم صحة عقوده، وفسخها، كطلاقه ونحوه. إذا طلق المجنون، لا يقع طلاقه، لأنه لا يعقل ما يتلفظ به، ولا يدري ما معنى الطلاق، فلا يقع طلاقه. أيضا بيعه وشراؤه، لو باع مجنون، يبيع، باع سيارة أو باع شاة أو باع أرضا، لا يصح بيعه، لأنه مجنون لا يعقل. وهكذا إذا اشترى، كذلك لا يصح شراؤه. فجميع عقوده من بيع وشراء، وكذلك ما يتعلق بالنكاح والطلاق ونحو ذلك، كل هذه العقود لا تصح منه. قال: ثالثا: ما يتعلق بالحقوق المالية المحضة، كالزكوات والنفقات، وضمان المتلفات، تجب في ماله، فلا يكون الجنون هنا سببا للتخفيف، يعني: فيما يتعلق في المال من واجبات ونفقات، وضمان المتلفات، فإنها تجب، لأنها متعلقة بالمال. قال: رابعا: الحدود والجنايات لا تستوفى منه، لكن عليه أروش الجنايات، وتتحمل عنه العاقلة دية النفس، يعني: لو أن مجنونا قتل إنسانا، هل يقتل به ويقتص منه؟ الجواب: لا، لأنه غير مكلف، والقصاص لا يجب إلا على من كان مكلفا. لكن تجب عليه الدية، تجب عليه الدية على العاقلة، يعني: عصبته، لأنه يعتبر قتل خطأ، كما يقول أهل العلم: قتل المجنون والصغير، أو عمد المجنون والصغير، خطأ، لا يعتبر عمدا. وأيضا لو كان دون النفس، ضرب إنسان فكسر يده، هل تكسر يده؟ الجواب: لا، لكن عليه الضمان، يعني: بدفع نصف الدية، ونحو ذلك. قال: النوع الثاني: العته. والفرق بين المعتوه والمجنون: أن الجنون فقد للعقل، يصحبه طرب وهيجان أحيانا، يعني: يكون المجنون عنده شيء من الخفة والاضطراب والأذية للآخرين. وأما العته فهو نقص في العقل، يصحبه خمول وكسل وسكون، نقص في العقل يصحبه خمول وكسل وسكون، يعني: يكون إنسان المعتوه عنده نقص في العقل، تجده مثل عقله مثل عقل الصغير، مع ما عنده من هدوء وكسل، ليس كالعاقل في أفعال وتصرفاته، فهو يعني أقل حالا وضارا من المجنون. قال: فعته قد يكون سببا للتخفيف، وقد لا يكون سببا للتخفيف. فمن حيث إيجاب الصلاة والصيام إلى آخره، هذا سبب للتخفيف، يعني: لا تجب عليه الصلاة والصيام، لأنه ليس بعاقل، تسقط عنه الفرائض والواجبات. قال: لكن بالنسبة للحقوق المالية، كالزكاة والنفقة ونحو ذلك، وحقوق الآدميين، كضمان المتلفات وأروش الجنايات، لا يكون سببا للتخفيف، فيضمنها المعتوه كالمجنون فيما يتعلق بالأموال، فعليه إخراج الحقوق، حقوق المال من زكاة ونفقة ونحو ذلك. وأيضا ضمان المتلفات وأروش الجنايات، لا يعذر على الآخرين. قال: فالقاعدة: أن العته بالنسبة للتخفيف ينقسم قسمين: الأول: عته ليس معه إدراك، فهذا حكمه حكم المجنون، كما تقدم. حكمه عته ليس معه إدراك، يعني: ما يدرك، لا يدرك ما يفعل، ولا ما يفعل، ويتجرع على فعله، هذا مثل المجنون. الثاني: عته معه إدراك، فهذا حكمه حكم الصبي المميز. ويأتي حكم الصبي المميز: تصح منه العبادات، ويؤجر عليها، ولا تجب عليه. النوع الثالث: الأنوثة. فالأنوثة قد تكون سببا للتخفيف. فالأنثى يسقط عنها من التكاليف ما لا يسقط عن الذكر. والقاعدة: أن الأصل تساوي الذكور والإناث في التكاليف، إلا ما دل الدليل عليه. هذا هو الأصل، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «النساء شقائق الرجال»، إلا ما دل الدليل على استثنائه في الأمور الخاصة المتعلقة بالنساء، أو ما دل الدليل أنها لا تجب على النساء ما يجب على الرجال، فحينئذ لا يكون واجبا عليهن. قال: مثال ذلك: الأنثى لا تجب عليها صلاة الجماعة والجمعة، والأذان والإقامة، والجهاد إلى آخره، وذلك للأدلة الدالة على عدم وجوبها على الأنثى. فصلاة الجماعة والجمعة، والأذان والإقامة تجب على الرجال، أما المرأة لا تجب. هل يشرع لها؟ في هذا خلاف بين العلماء بالنسبة للأذان والإقامة، فمن العلماء من أجاز لها الأذان والإقامة، ومنهم من أجاز لها الإقامة ولم يجز لها الأذان. والأظهر أن هذه من خصائص الرجال، أن الرجال هم الذين يؤذنون ويقيمون. قال: النوع الرابع: الرق. وهو في اللغة: العبودية. وهو في الاصطلاح: عجز حكمي يقوم بالإنسان، بسببه الكفر بالله عز وجل. ومعنى عجز حكمي: يعني حكم الشرع على هذا الإنسان بالرق، العبودية، بسبب كفره بالله جل وعلا، وذلك إذا وقع الكافر أسيرا في أيدي المسلمين، فلهم في التصرف مع هذا الكافر إما أن يقتل، وإما أن يفدى، وإما أن يمن عليه بالإطلاق من غير فداء، وإما أن يؤسر ويكون أسيرا، أو يسترق ويكون رقيقا، ويكون عبدا مملوكا. هذا هو الأصل في سبب الرق. ثم بعد ذلك قد ينتقل بالبيع أو بالهبة، ويبقى رقيقا إلى أن يعتق. قال: والقاعدة: أن التكاليف الشرعية بالنسبة للرقيق تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: التكاليف البدنية المحضة، فحكمه التساوي مع الحر. فالصلاة والصيام يجبان على الحر والرقيق. والصواب أن صلاة الجماعة والجمعة أيضا تجب على الحر والرقيق، لأن بعض العلماء، بعض الفقهاء يقولون: بأن الرقيق لا تجب عليه صلاة الجماعة ولا الجمعة. لماذا؟ قالوا: أنه إذا ذهب إلى صلاة الجمعة أو الجماعة، ربما كان في ذلك إضرار بسيده، وهو عبد مملوك، ليس كالحر في التصرفات. لكن الصحيح أن الصلاة تجب عليه كما تجب على الحر. قال: القسم الثاني: التكاليف المالية المحضة، كالزكاة والنفقات والكفارات المالية ونحوها، لا تجب على الرقيق. لماذا؟ لأن الرقيق لا يملك شيئا، كل ما عنده من مال ملك سيده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ملك عبدا له مال، فماله للذي باعه»، يعني: السيد. إذن المملوك لا يملك شيئا، فكيف تجب عليه الزكاة أو نفقة وهو لا يملك شيئا من المال؟ قال: وما يتعلق بقيم المتلفات وأروش الجنايات، فتتعلق برقبته. قال: هنا في التعليق: ومعنى تعلقها برقبته: أن الرقيق إذا أتلف أو جنى، يعني: جنى اعتدى على إنسان، فإن سيده مخير بين أن يفديه بأن يغرم قيمة الإتلاف أو الجناية، أو أن يباع الرقيق. فإن فضل شيء بعد سداد قيمة الإتلاف، رد إلى السيد. فإن لم يفضل أو كانت قيمته أنقص، لم يلزم السيد بشيء. واضح، إذا اعتدى الرقيق على غيره أو أتلف ما لغيره، فيخير السيد بين أن يفديه، يعني: يفدي هذا الرقيق، فيغرم قيمة الإتلاف، يتحملها السيد، فيدفعها. أو يباع الرقيق، يباع هذا العبد، وبثمنه يدفع ما عليه من ضمان هذا المتلف. فإن كان ثمنه ثمن الرقيق زائدا على ما أتلف، رد الزائد إلى السيد. وإن كان أقل من قيمة المتلف، أعطي لمن أتلف ماله ما يعادل قيمة هذا العبد، وما بقي له فليس له شيء، ولا يتحمله السيد. قال: القسم الثالث: التكاليف المركبة من المال والبدن، مثل: الحج والعمرة، لا تجب على الرقيق. لكن هل تصح منه؟ الجواب: نعم تصح. وإذا عتق بعد ذلك، وجب عليه حجة الإسلام. وهذا باتفاق أهل العلم، يصح منه الحج إذا أذن له السيد، فإذا عتق بعد ذلك، وجبت عليه حجة الإسلام. قال: القسم الرابع: عقوده لا تصح إلا مع الإذن، يعني: إذا باع أو اشترى، إذا أذن له السيد صحت، وإن لم يأذن له السيد لم تصح. القسم الخامس: الحدود والقصاص تستوفى منه، أي: تستوفى من العبد. قال: النوع الخامس، السادس: النوم والإغماء، هذان أيضا من أسباب التخفيف. ودليل ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: «النائم حتى يستيقظ، والمغمى عليه». أشد من النائم، يعني: إذا كان النائم يعذر ويكون النوم سببا للتخفيف وعدم المؤاخذة، فالإغماء من باب أولى. قال: والتخفيف عن النائم والمغمى عليه انقسم إلى قسمين: أولا: ما يتعلق بالحكم التكليفي، فلا يأثم عند ترك المأمور، وفعل المحظور، لكن يجب عليه تدارك المأمور الذي يجب عليه تداركه، وضمان المتلفات وأروش الجنايات. يعني: إنسان نائم، فنام عن الصلاة، معذور، ما عليه إثم. أو فعل محظور وهو نائم، أتلف شيء مثلا في حال نومه، فإنه ليس بآثم، لكن عليه الضمان. ما أتلف في حال نومه. وأما ما تركه من الواجبات، فإنه يفعله متى استيقظ، ويبقى في ذمته. قال: ثانيا: ما يتعلق بعقود وفسخها، كعقود المعاملات والتبرعات، والأنكحة والطلاق إلى آخره، فلا تنعقد من النائم والمغمى عليه. لو أن إنسانا نائما قال: «بنتي فلانة زوجتها لفلان»، هو نائم، وهذا الذي زوج صاحيا قال: «قبلت»، هل يقع عقد النكاح؟ ما يقع. أو قال: «زوجتي فلانة طالق»، وهو نائم. أو «سيارتي فلانة بعتها لفلان»، وهو نائم، ما يصح. كل هذه العقود ما تصح. قال: ومن مثل ذلك: إذا نام الإنسان عن الصلاة، فلا يأثم، وكذلك إذا باع أو اشترى إلى آخره وهو نائم، أو طلق وهو نائم، فلا يقع. وأيضا بالنسبة للإغماء، لو أغمي عليه، فهذا من أسباب التخفيف، فلا يأثم بتأخير الصلاة. لكن إذا كان الإغماء بغير اختياره، فإنه لا يجب عليه قضاء الصلاة، إلا إذا أفاق فيها. أو أغمي عليه في وقتها، ولم يصلها. يقول: إذا كان الإغماء بغير اختياره، فإنه لا يجب عليه قضاء، لكن إذا كان باختياره، فهذا يلزمه القضاء، لأنه ليس بذلك معذورا، وإنما هو الذي تسبب في ترك هذا الواجب حتى خرج وقته. بخلاف ما لو وقع الإغماء من غير اختيار، سقط وهو قائم، فأغمي عليه، ففاته وقت الصلاة، فهذه مسألة فيها خلاف: هل يقضي المغمى عليه الصلوات؟ من العلماء من قال: ليس عليه قضاء. ومنهم من قال: يقضي مطلقا. ومنهم من قيدها بخمس صلوات، إذا أغمي عليه قدر خمس صلوات، فإنه يقضيها، وإن كان أكثر فلا يقضيها. قول الحنفية. والأظهر: أنه ليس عليه قضاء ما فاته من الصلاة، لأنه يكون حينئذ معذورا. والإغماء أقرب إلى الجنون من النوم، أقرب إلى الجنون من النوم. لماذا؟ لأن النائم إذا يقضي ويستيقظ متى ما قيل له: «لا»، يقوم، يقوم. خلاف المغمى عليه، فهو يعني كالمجنون الذي لا يفيق. فلهذا هو أقرب إلى المجنون، وعلى هذا فليس عليه قضاء. الله أعلم. قال: وكذلك إذا باع أو اشترى، أو طلق زوجته وهو مغمى عليه، فهذا من أسباب التخفيف، فلا يقع. طيب، نقف هنا إن شاء الله. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. شكرا لك.

شاركنا على