العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 6

الدرس في العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 6، ألقاها

مقدمة في قاعدة المشقة والتيسير

يبدأ الدرس بشرح قاعدة المشقة تجلب التيسير، مبينًا أن الشريعة الإسلامية تركز على التيسير والتخفيف في التكاليف الشرعية. يُفصّل أيضًا أقسام المشقة وتأثيرها على الأحكام الشرعية.

أسباب التخفيف في العبادات

يتناول الدرس أسباب التخفيف في العبادة مثل النسيان والخطأ والمرض، ويشرح كيفية التعامل مع هذه الأسباب في مختلف العبادات. يُوضح أن هذه الأسباب تؤدي إلى تسهيل أداء العبادات وتخفيف الأحكام الشرعية.

السفر كسبب للتخفيف وشروطه

يشرح الدرس السفر كسبب للتخفيف في العبادات، ويشترط في ذلك أن يكون سفرًا مباحًا مع الخروج من البلد دون تحديد مدة معينة. يُفصّل أيضًا حكم المتردد في السفر وترخصه برخص السفر.

التفريغ النصي الكامل

رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال النظم رحمه الله: وكل ما كلفه قد يسر من أصله وعند عارض طرأ. معنى هذا البيت أن ما شرعه الله جل وعلا وأمر به من التكاليف التي كلف بها العباد فهي ميسرة، مبنية على التيسير والتخفيف من أصلها. لم يكلف الناس شيئًا فوق طاقتهم ولا فوق قدرتهم، كما قال عز وجل: «لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها». قد يحصل التيسير والتخفيف عند وجود عارض وسبب من الأسباب، وسيذكر الشارح عند أسباب موجبة للتخفيف. فإذن التيسير حاصل من أصل الشريعة بما أمرت به من أوامر، وكذلك أيضًا يحصل التيسير عند وجود سبب من الأسباب وطروق أمر من الأمور. قال الشارح رحمه الله: قوله «كلفه» أي التكاليف بالأمر، فرضه على من يستطيع القيام به. وقوله «طرأ» أي طرأت طرأً وطرؤًا، حدث وخرج فجأة، فهو طارئ. ومعنى طرأ يعني حدث ووقع وحصل. أشار الشيخ رحمه الله إلى أن التكاليف الشرعية ولله الحمد قد دخلها التيسير، ودخول التيسير في الأوامر الشرعية من وجهين. الوجه الأول من حيث الأصل، فالأصل في التكاليف الشرعية أنها مبنية على التيسير والتسهيل. الدليل قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسرى ولا يريد بكم العسرى﴾، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، وأيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين يسر، وليشاد الدين أحد إلا غلبه»، والحديث في الصحيحين. قال: فالوضوء والغسل والصلاة والصيام والزكاة، كلها مبنية على التيسير. فالآصار والأغلال هذه كانت على الأمم قبلنا، أما هذه الأمة فالأصل في الشريعة أنها مبنية على التيسير. ولهذا قال الله عز وجل مبينًا فضل النبي عليه الصلاة والسلام وما بعث به، وأن من ذلك أنه جاء بالتيسير والتخفيف ورفع الآصار والأغلال التي كانت في الأمم السابقة. قال جل وعلا: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾، وقبل ذلك: ﴿يرفع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾. قل يا أيها الناس، إن رسول الله إليكم جميعًا، الذي له ملك السماوات والأرض، لا إله إلا هو يحيي ويميت، فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾، مثل في التوراة والإنجيل: ﴿يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾. الوجه الثاني من حيث العارض، فقد يعرض لهذه التكاليف الشرعية المبنية على التيسير أسباب، فيدخلها التيسير مرة أخرى. ولهذا قال الشيخ رحمه الله: «وعند عارض طرأ»، يعني التيسير حاصل من جانبين: من الجانب الأول من أصل التكاليف ومن أصل الشريعة، فهي مبنية على التيسير والتخفيف. والجانب الثاني عند حصول ما يطرأ للإنسان ويقع له من حوادث وأمور، فيقع معها التخفيف والتيسير. هذه القاعدة الثانية الكلية من القواعد الخمس، وهي قاعدة «المشقة تجلب التيسير». ومعنى ذلك أن إذا وجدت المشقة وجد التيسير. وهذا على إطلاق سيأتي أن هناك تفصيلًا. قالوا: هذه القاعدة يعبر عنها أيضًا بلفظ آخر: «إذا ضاق الأمر اتسع». إذا ضاق الأمر اتسع. دليل هذه القاعدة ما تقدم من قوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، وقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، وقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، وقوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. وما رواه أحمد في مسنده وغيره مرفوعًا: «إنما بعثت بالحنيفية السمحة»، والحديث صحيح. قالوا: أما الإجماع فحكاه غير واحد، كالشاطبي في الموافقات. قالوا: والمشقة قسمها العلماء رحمهم الله إلى قسمين: القسم الأول مشقة معتادة، فهذه يكلف بها الشارع. فالإنسان اعتاد أن يتحملها. فيقول الإنسان: فكون الإنسان يصلي الصلوات الخمس هذه مشقة، لكنها معتادة. وكونه يصوم شهر رمضان ويزكي هذا الجزء من ماله، هذه مشقة لكنها معتادة. القسم الثاني: مشقة خارجة عن العادة، فهذه لا يكلف بها الشارع، يعني شيء ليس بطاقة الإنسان ولا في قدرته. فهذه لا يأتي بها التكليف، كما قال عز وجل: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾. قال: مثال ذلك إطالة السهر في القيام، وإطالة الصوم في النهار، وإخراج كل المال في الزكاة أو نصف المال أو ربعه، إلى آخر هذه لا يكلف بها الشارع. لأن فيها مشقة خارجة عن العادة. فالشرع مثلًا لم يمر بصيام السنة كلها أو نصف السنة، هنا فيها مشقة، بخلاف شهر من 12 شهرًا، شيء يسير. وهكذا الزكاة في المال، ما أوجب الشرع في الأموال إلا ربع العشر، شيء يسير. ما أوجب ربع إخراج ربع المال أو نصفه أو كله. قال: والمشقة يقسمها الفقهاء كما نص على ذلك ابن نجيم الحنفي في الأشباه والنظائر إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول مشقة تخرج الفعل عن طاقة العبد وقدرته، كإخراج المال كله في الزكاة. القسم الثاني مشقة خفيفة لا تخرج الفعل عن طاقة العبد وقدرته، كأدنى مرض، يعني مرض يسير خفيف، صداع يسير، ألم يسير في الأصبع أو في الضرس، هذه ما تجلب التخفيف. القسم الثالث مشقة يتنازعها القسمان السابقان، فقد تصل إلى رتبة الأول، وقد تنزل إلى رتبة القسم الثاني، مثل صداع شديد، شيء يؤلم الإنسان، فهذه بين القسم الأول وبين القسم الثاني، هل يترخص أو لا يترخص؟ نعم، وإن كان هناك مشقة، فله الترخص لعموم الأدلة التي تدل على ذلك، لأن المشقة توجب التيسير. قال: وإنما جاءت الرخصة مع هذا النوع من المشاق لسببين اثنين، كما قال الشاطبي رحمه الله في الموافقات: الأول لحفظ جوارح العبد ونفسه وماله، وما إلى ذلك، حتى لا ينقطع العبد عن العبادة، ويكره التعبد لله. يعني جاء التيسير إذا وجد شيء من المشقة، فيترخص بترك شيء من الواجبات، كترك صلاة الجماعة، أو استعمال الماء في الوضوء، أو كذلك أن يجمع بين الصلاتين مثلًا. فمن حكم ذلك حفظ الجوارح، أن يحفظ جوارحه، ربما إذا استعمل الماء تضرر في مرضه، أو إذا خرج إلى الصلاة في حال مرضه زاد المرض. فيترخص لحفظ جوارحه ونفسه، أو كذلك أيضًا حفظ ماله، إذا كان شيء تعلق بالمال، وهكذا أيضًا حتى لا يجد العبادة ثقيلة، يعني لو أمر بالخروج إلى الصلاة ولو كان مريضًا، سيجد مشقة. وهذه المشقة ربما توقع في قلبه كراهية لهذه العبادة. فلجأ الشريعة للتخفيف والتيسير وإسقاط هذا الواجب، حتى يعلم أن الشريعة لا تكلفه شيء فوق طاقته، وأنه إن مرض أو عنده عذر، فله أن يترخص بترك هذا الواجب. فهذا يحببه في الطاعة والعبادة، ويترك هذا الواجب مع رغبته ومحبته لفعله وأدائه. فإذا زال هذا العذر وزال هذا المانع، سارع إلى وبادر إلى القيام بهذا الواجب. قال: الثاني حتى لا يصيب العبد انقطاع عن العبادة عند تزاحم الأعمال التعبدية، ويصيبه الكسل والملل. يعني أنه يستمر في العبادة ولو في بيته، لو ترك صلاة الجماعة يصلي في بيته. طيب كان يقوم الليل فمرض، فلا بأس أن يصلي جالسًا، إن أحب. فيستمر في العبادة، وكذلك لا ينقطع عنها. قال: وعلم أن المشقة من حيث مجيئها وأحكامها ثلاثة أقسام: القسم الأول مشقة لا تعلق للعبد وفعله بمجيئها، مثل المصائب والابتلاءات، كالأمراض. فعن هذه المشقة ليس للعبد إرادة في فعلها، فهي شيء خارج عن إرادته وطاقته، كنزول المرض عليه وإصابته به، هذا شيء ليس بطاقته. وكذلك أيضًا مثلًا نزول الأمطار والرياح الشديدة الباردة، هذا شيء ليس بطاقته. القسم الثاني: مشقة للعبد تعلق بمجيئها، وقد يأتي الفعل بدونها، فهذه غير مطلوبة شرعًا من المكلف، مثل ما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنه في صنيع أبي إسرائيل من كونه نذر أن لا يستظل، وأن لا يفطر، وأن لا يقعد، وأن لا يتكلم. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يستظل ويقعد ويتكلم، وأن يستمر في صيامه، والحديث في البخاري. فهذه جلابها العبد على نفسه، يعني الشرع ما كلفه بها. الشرع ما كلفه أن يترك الاستظلال، وأن يستمر في الصيام ولا يفطر، وأن يبقى قائمًا ولا يقعد، هذا هو الذي كلف نفسه بهذا. الشرع ما كلفه به. ولهذا لما سأل عنه النبي عليه الصلاة والسلام، أخبر بما قال، أمر هو أن يقعد وأن يستظل، وكذلك أيضًا أن يتكلم، وأمره بإتمام الصيام، لأن الصيام عبادة وطاعة، وقد نذر أن يصوم، فوجب عليه الصيام. القسم الثالث: ما كانت مصاحبة للفعل، وهي نوعان: مشقة اعتيادية، الأول مشقة اعتيادية، الثاني مشقة زائدة. ومر الكلام عليها فيما مضى في ذكر أنواع المشقة. قال: قوله «عند عارض طرأ»، ما هو هذا العارض؟ هذا العارض يعبر عنه العلماء رحمهم الله بقولهم: «أسباب التخفيف». فالتخفيف والتخفيف الشريعة له أسباب، يعني هناك أشياء وأسباب إذا وجدت وجد معها التخفيف. السبب الأول: النسيان، وسيأتينا بكلام الشيخ رحمه الله، فنؤجل الكلام على هذا السبب إلى أن يرد في كلام الشيخ رحمه الله. قال: مثال ذلك لو أن الإنسان نسي وصل عليه نجاسة، فنقول: هذا النسيان من أسباب التخفيف، فصلاته صحيحة. فصلاته صحيحة، لأن النجاسة من باب التروك التي يجب اجتنابها وتركها. وباب التروك لا يشترط فيه النية، وقد حصل هنا أن نسي أن يزيل هذه النجاسة، فصلى ولم يذكر إلا بعد انتهاء الصلاة، فصلاته صحيحة. ويدل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وعند أبي داود: لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي نعليه قذرا، فأوحي إليه جبريل بذلك، فنزع نعليه. فلما رأى الصحابة ذلك نزعوا نعالهم أو خفافهم. فلما قضى الصلاة، قال: «ما حملكم على أن نزعتم نعالكم وخفافكم؟» قالوا: «رأيناك خلعت نعالك فخلعنا نعالنا». قال: «إن جبريل أوحى إليه أن فيهما قذرا». فالحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم استمر في الصلاة، واستمر في الصلاة. فدل هذا على أن الإنسان إذا نسي النجاسة فإن صلاته صحيحة، ولو كانت صلاة. لستأنف النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة من جديد. قال: ولو نسي وأكل وهو صائم، فإن هذا من أسباب التخفيف، فصيامه صحيح. لو نسي وأكل وهو صائم، إنسان صائم نسي أنه صائم فأكل، فصومه صحيح. ويدل عليه حديث أبي هريرة في الصحيحين: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». وهذا من باب فعل المحذور، وفعل المحذور جهلا أو نسيانًا يسقط الإثم ويسقط الحكم. قال: ولو نسي وصلى وهو محدث، سواء حدث أكبر مما يوجب الغسل كالجنابة، أو حدث أصغر مما يوجب الوضوء. قال: فإن هذا من أسباب التخفيف، فلا إثم عليه، لكن يجب عليه أن يعيد الصلاة. صلى وعليه جنابة، يعني نسي حتى فرغ من الصلاة، ثم ذكر أنه لم يغتسل. نقول: ما عليك إثم، ويجب عليك إعادة الصلاة. لماذا؟ لأن هذا من باب ترك المأمورات، وترك المأمورات جهلا أو نسيانًا يسقط الإثم، ولا يسقط الحكم. قال: السبب الثاني: الخطأ، وسيأتي إن شاء الله، وسيتكلم عليه المؤلف رحمه الله مع النسيان. السبب الثالث: المرض، من أسباب الموجبة للتخفيف. والمرض في اللغة هو السقم واعتلال الصحة، والمريض هو السقيم، وهو ضد الصحيح. قال: في الاصطلاح: كل ما يكون معه حرج ومشقة مع عدم التخفيف حال فعل المأمور. يعني إذا لم يخفف، إذا فعل هذا المأمور أصابه شيء من الحرج والمشقة، فيكون هذا مرض موجب للتخفيف. قال: ولذلك أمثل منها المثال الأول: إذا كان الإنسان يلحقه حرج ومشقة ظاهرة إذا لم يفطر وهو مريض، فنقول: هذا من أسباب التخفيف. إنسان صائم مرض، فأصابه الجهد والتعب والجوع والعطش، وكذلك بدأ يعني في الضعف، وربما أغمي عليه أو شيء من ذلك. فهذا لا شك أنه موجب للتخفيف. ومثل: إذا صام ويخاف أن يصاب مثل ذلك سبب المرض، فإنه يفطر. مثال الثاني: إذا كان المريض يلحقه مشقة ظاهرة إذا لم يجمع بين الصلاتين أو لم يتيمم، فله الجمع والتيمم. يعني إنسان مثلًا على الفراش، أصابته حمى شديدة، يتحرج من استعمال الماء، ويجد مشقة في استعماله لمرضه وتعبه. فيجد مشقة أن يتوضأ لكل صلاة ويصلي كل صلاة في وقتها، فلا بأس حينئذ يجمع بين الصلاتين. وكذا إذا كان يعني مريضًا فعل عملية، أيضًا يشق أن يصلي كل صلاة في وقتها، فيجمع بين الصلاتين، ونحو ذلك. قال: وكذا إذا لحقه حرج ومشقة إذا صلى قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا، فإنه يجلس ويومئ بالركوع والسجود، كما في حديث عمران بن حصين: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فجالسًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». قال: ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، والتقدير: فأفطر من كان منكم مريضا أو على سفر، فأفطر فعدة من أيام أخر. وليس المقصود وجوب القضاء على المريض والمسافر كما يقول الظاهرية، لا. المراد إذا أفطر فحينئذ عليه عدة من أيام أخر. قال: وحديث عمران بن حصين رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما شك له أنه به بواسير: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». السبب الرابع: السفر، وفي اللغة قطع المسافة. أما في الاصطلاح: الخروج من الوطن على قصد السفر عرفًا. الخروج من الوطن على قصد السفر عرفًا. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾. فالسفر يكون بالضرب في الأرض وخروج من البلد. قال: ودليل على أن السفر من أسباب التخفيف قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. فأسقط الله عز وجل وجوب الصيام على من كان مسافرًا، فدل هذا على أن السفر من أسباب التخفيف. وأيضًا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه إذا سافر قصر وجمع، إلى آخره. فدل على أنه من أسباب التخفيف. وذكر العلماء رحمهم الله للسفر الذي يكون من أسباب التخفيف شروطًا، إذ ليس كل سفر يكون سببًا للتخفيف. وهذه الشروط نأخذها على سبيل الإجمال. الشرط الأول: المسافة، هل يشترط لهذا السفر مسافة أو لا يشترط؟ هذا موضع خلاف. فجمهور أهل العلم رحمهم الله: أن مسافة القصر مسيرة يومين، تساوي 48 ميلًا. وعند الحنفية مسيرة ثلاثة أيام. والصواب أنه لا يشترط له مسافة. فكل ما دل العرف على أنه سفر فهو سبب للترخص. وهذا هو الصحيح أن السفر ليس له حد محدود في الشرع، والمرجع في ذلك إلى العرف. فما عده الناس في عرفهم أنه سفر فهو سفر، سواء كانت المسافة 48 ميلًا أو أكثر أو أقل. لم يأت في الشرع أن من سافر كذا وكذا فعليه القصر، أو حد تحديد المسافة بزمن ومسافة معينة. لم يأت في الشرع ذلك. إذا لم يأت التحديد فالمرجع حينئذ يكون إلى العرف. قال: الشرط الثاني: أن لا يكون سفرًا محرمًا. وعلى هذا إذا كان سفرًا محرمًا فلا يترخص فيه المسافر. وهذا ما عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله، هو قول الجمهور. وسلك بقول تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فأولئك لا إثم عليهم﴾، قال: الباغ هو الذي يخرج على الإمام، والعادي هو قاطع الطريق. وهذا يكون في السفر. الرأي الثاني: أن هذا ليس شرطًا، وبه قال أبو حنيفة وشيخ الإسلام رحمهم الله، لعمومات الأدلة. وهذا هو الأقرب. فيترخص الإنسان في جنس السفر، حتى في السفر المحرم، فيجمع ويقصر ويمسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن، إلى آخره. فكونه يسافر سفرًا محرمًا هو آثم على هذه النية، وآثم على هذا السفر. لكن كونه مسافرًا، كونه مسافرًا سفرًا تقصر فيه الصلاة، كيف نمنعه من شيء قد رخص فيه الشرع وأوجب فيه الترخيص أو أجاز فيه الترخيص؟ فهو آثم على سفره، ومن جهة مشروعية الترخص فله الترخص لكونه مسافرًا. والسفر نفسه علّة للترخص، علّة للقصر. قال: الشرط الثالث: الخروج من البلد، فلا يترخص حتى يخرج من البلد. فليس له أن يترخص داخل البلد. قال تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر﴾، قال تعالى: ﴿أو على سفر﴾، ولم يقل الله عز وجل: «أو على نية السفر». يعني قد سافر، إلا إذا خرج من بلده. إذا خرج من بلده وضرب في الأرض. أما وهو موجود في بلده فلا يترخص، فلا يترخص إلا في حالات نادرة. مثال ذلك: إنسان سيسافر وسيتحرك مثلًا قبل العصر، وهو يعلم أن هذا المركب لن يقف مثلًا باص ما سيقف في وقت العصر، لن يقف في وقت العصر إلا في وقته العشاء مثلًا. فكيف يفعل؟ هل يصلي العصر في الباص وهو جالس على غير القبلة؟ أو يجمعها جمع تقديم؟ الأجل يرفع هذا الحرج، وهو وإن لم يكن مسافرًا. الجواب: يجمع في مثل هذه الحالة، بأن يجمع جمع تقديم، لكن من غير قصر. يجمعها مع الظهر من غير قصر، حتى يرفع هذا الحرج والمشقة عن نفسه. قال: فهذا يدل على أنه لا يترخص حتى يخرج. لا يقصر ولا يجمع ولا يفطر. ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم ترخص حتى خرج من البلد. الشرط الرابع: الزمن، هل للسفر الذي يترخص فيه مدة محددة أو ليس له مدة محددة؟ يعني إذا سافر كم له أن يترخص برخص السفر؟ هل هناك مدة محدودة أم لا؟ قال: هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله. الرأي الأول: أن مدة السفر الذي يترخص فيه أربعة أيام، يعني إذا أراد أن يقيم أربعة أيام ووصل البلد لا يترخص. وبه قال الحنابلة رحمهم الله، وهو أيضًا قول الإمام مالك والشافعي، وهو قول الجمهور: أنه يقصر أربعة أيام، فإن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام أتم. لكن قالوا: لا يحسب يومي الدخول والخروج. الرأي الثاني: أن مدة السفر الذي يترخص فيه خمسة عشر يومًا، وبه قال الحنفية رحمهم الله. الصواب في ذلك أنه ليس له حد. لماذا؟ لأنه لم يأت في الشرع تحديد حد معين يترخص فيه المسافر لرخص السفر. قال: لكن إذا أطال الإنسان الإقامة وتشبه بالمقيمين بطول الإقامة، هذا ما لم يكن مترددًا. أما إذا كان مترددًا يعني: اليوم أسافر، قد أن أسافر، يريد أن ينهي معاملة ويذهب، أو منعه مانع وهو يريد أن يسافر، فهذا في حكم المسافر، ولو طالت المدة باتفاق العلماء. لكن إذا بقي في المكان الذي ذهب إليه وسافر إليه وأعجبه وجلس، هذا معنى كلامه: أنه إذا أطال في الإقامة وتشبه بالمقيمين بطول الإقامة، كأن يقيم شهرًا فأكثر أو غير ذلك، وتشبه بالمقيمين يعني من حيث أنه مقيم مثلهم، لم يضرب في الأرض ولم يسافر، وبقي كالمستوطن. قال: في الصواب أنه ليس له أن يترخص. أما إذا كان الإنسان سيقيم أسبوعًا أو أسبوعين أو عشرين يومًا، ونحو هذا إلى آخره، فهذا لا يخرج عن كونه مسافرًا. والأحوط أنه إذا كان سيمكث نحو من عشرين يومًا فما دون، فيترخص برخص السفر. وإن كان سيقيم أكثر من ذلك فيتم، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في تبوك أنه أقام عشرين يومًا يقصر الصلاة. قال ابن عباس: «ولو زاد لأتممنا». قال: «ولو زاد لأتممنا» أو «لأتم» كما قال رضي الله تعالى عنهما. فهذا والأحوط أنه يقصر هذه الفترة، فإن أطال فيتم خروجًا من الخلاف. هذا كما قلنا إذا لم يكن مترددًا. أما إذا كان مترددًا فله أن يترخص برخص السفر، ولو طالت المدة. قال: سبب طيب، نقف هنا إن شاء الله. طيب إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على