الدرس في العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 16، ألقاها
إذا تعذر اليقين في العبادات، يُرجع إلى غالب الظن أو اليقين. هذا المبدأ مستمد من الشريعة وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
القرعة هي طريقة شرعية لفصل الخصومات وتمييز الحقوق، وقد دل عليها القرآن والسنة. تكون مباحة في مواضع معينة ومحرمة في أخرى.
تستخدم القرعة في خمسة مواضع رئيسية وتكون بالطريقة التي يجرى بها العرف، حيث يمكن أن يكون الاقتراع بطرق مختلفة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الله من عثيمين رحمه الله في منظومته في قراءة فقه ووصوله: «وإن تعذر اليقين فارجع لغالب الظن تكن متابعة». قال الشارح: إذا تعذر اليقين، فإننا نرجع لغالب الظن. عندنا ظن وعلم، وجهل بسيط وجهل مركب، وشك ووهم. قال: فالعلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه، يعني إدراكًا جازمًا أن تعلم الشيء على حقيقته من غير شك أو ارتياب، ذلك كأن تعلم أن الكل أكبر من الجزء، وأن الطهارة شرط للصلاة، وأن الصلاة واجبة، وأن الصيام واجب، وأن الزنا حرام، وأن الخمر حرام، إلى آخر ذلك. قال: والجهل البسيط هو عدم الإدراك بالكلية، عدم الإدراك بالكلية، كأن تسأل عن حكم مسألة فتقول: الله أعلم، مثلا متى غزوة أحد؟ تقول: الله أعلم، هذا الجهل البسيط. قال: والجهل المركب هو إدراك الشيء على غير ما هو عليه، إدراك الشيء على غير ما هو عليه، تسأل عن شيء فتجيب على خلاف الصواب، وأن تظن أنك تعرف وتعلم، كأن تسأل مثلا: متى غزوة أحد؟ وتقول: في السنة الرابعة، هذا جهل مركب، مركب من شيئين: مركب من جهلك بالحكم، والأمر الثاني من جهلك أنك تجهل. قال: والشك التردد بين الأمرين، إذا ترجح أحدهما فالراجح ظن، والمرجوح وهم، التردد بين الأمرين، كان يقال مثلا: متى غزوة أحد؟ فيقول: في السنة الثانية أو الثالثة، ثم يقول: الأظهر والأرجح أنه في السنة الثالثة، فهذا الراجح ظن، والمرجوح الذي هو في السنة الثانية وهم. قال: فإذا حصل للإنسان شك، فإنه يرجع إلى الظن إذا تمكن من الظن، إذا لم يتمكن من الظن يبني على اليقين، أن يأخذ بالأقل، الأصل أنه يأخذ باليقين، الأصل أنه يأخذ باليقين، فإن تعذر اليقين رجع إلى الظن وعمل بغالب الظن. فالرجوع إلى الظن عند تعذر اليقين هذا مما أذنت به الشريعة؛ لأن الإنسان لا يكلف الشيء إلا في طاقته، والله يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. قال: ودليل ذلك حديث ابن مسعود رضي الله عنه في الشك في الصلاة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فليتحر الصواب»، يعني ينظر إذا غلب على ظنه شيء فإنه يأخذ به. فإذا شككت في الصلاة هل صليت ثلاثًا أو أربعًا، وترجح عندك أنها ثلاث، فاجعلها ثلاثًا، أو ترجح عندك أنها أربع، فاجعلها أربعًا، فإذا لم يترجح عندك شيء، تأخذ بالأقل وهو اليقين. فإذا شك الإنسان في الصلاة لم يدر كم صلى: ثلاثًا أو أربعًا، أو ثلاثًا أو ثنتين، فيتحرى يعني ينظر إلى ما يغلب على ظنه، إن غلب على ظنه شيء عمل به، يعني مثلا ترجح عنده أنه صلى ثلاثًا، يجعلها ثلاثًا، هذا عمل بغلبة الظن عند تعذر اليقين. وإذا لم يترجح عنده شيء أخذ بالأقل، فيبني على الأقل، الأقل مثلا هي الاثنتان، فيجعلها الاثنتين، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه كما سيأتي. قال: إذا شككت في أشواط الطواف هل هي ستة أو سبعة، ترجع للظن، غلب على ظنك أنها سبعة، اجعلها سبعة، أو غلب على ظنك أنها ستة، اجعلها ستة، يعني إذا حصل الشك ثم ترجح عندك أحد الاحتمالين. قال: أو شككت في أشواط السعي هل سعيت خمسة أو ستة، فانظر إن غلب على ظنك شيء عملت به. قال: أو في عدد حصيات رمي الجمار هل رميت ستة أو سبعة، فتعمل بغلبة الظن، إلى آخره، يعني مما شككت فيه من العبادات التي لها عدد. قالوا: على هذا نقول: إذا شك الإنسان فإن شكه ينقسم إلى قسمين: القسم الأول أن يترجح عنده شيء، فإنه يأخذ بالراجح، لما تقدم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «ثم ليتحرى الصواب، ثم ليبني عليه»، يعني أمر النبي صلى الله عليه وسلم عند الشك بتحري الصواب والنظر إلى ما يغلب على ظنه، ثم ليبني عليه، يعني يعمل به ويكمل ما تبقى من العبادة. قالوا أيضًا: حديث عائشة رضي الله عنها في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض الماء على سائر بدنه»، الشاهد قوله: «حتى إذا ظن»، يعني غالبًا على ظنه أن البشرة قد ارتوت بالماء. القسم الثاني: أن لا يترجح عنده شيء، فيأخذ بالأقل، لحديث أبي سعيد رضي الله عنه في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى: ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبني على ما استيقن». فهنا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من شك في صلاته ولم يدر كم صلى: هل ثلاث أم أربع، اثنتين أم ثلاث، وليس عنده غالب الظن، حيث ابن مسعود قال: «فليتحرى الصواب ويعمل به»، طيب إذا لم يكن عنده غالب الظن ولم يترجح عنده شيء، فهنا يأخذ بالأقل، قال: «فليطرح الشك وليبني على ما استيقن»، ما هو المشكوك؟ الزائد، يعني إذا شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا، الرابعة هذه مشكوك فيها، لكن الثلاث متيقنة، إذن يجعلها ثلاثًا. الشك: ثلاث أم أربع، ولم يترجح عنده شيء، يجعلها ثلاثًا؛ لأنها هي اليقين، طيب صلى ولم يدر كم صلى: اثنتين أم ثلاثًا؟ يجعلها اثنتين؛ لأنها هي المتيقنة، وهكذا إذا شك في العدد ولم يترجح عنده شيء أخذ بالأقل. قالوا: من أمثلة ذلك إذا شك الصائم في غروب الشمس، نقول: إذا ظننت أن الشمس غربت فأفطر، وإلا فالأصل بقاء النهار، فلا تفطر؛ لأنه اليقين. إذا شك في غروب الشمس يعني هل غربت أو لم تغرب، فالأصل هو بقاء النهار، الأصل وبقاء النهار، فإن غلب على ظنه أنها قد غربت فله أن يفطر، لئلا يصوم يوم الشك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام أصابهم غيم فأفطروا. قالوا: عملوا بغلبة الظن فأفطروا، ثم طلعت الشمس، مع أنهم هنا اجتهدوا وعملوا بغلبة الظن، لكن إذا لم يكن هناك عندك ظن بغروب الشمس، وإنما أنت متشكك، فلا تفطر؛ لأن الأصل بقاء النهار. وإذا شككت في دخول الوقت، فالأصل عدم دخوله، أنت ما تدري هل دخل وقت الفجر أو لم يدخل، أو دخل وقت الظهر أو لم يدخل، في الأصل عدم دخول الوقت حتى تتيقن أو يغلب على ظنك. لكن إذا ظننت أن الوقت قد دخل فصلي، إذا ظننت، وإن شككت ولم يترجح عندك شيء، فنقول: انتظر حتى تظن أن الوقت قد دخل، يعني هنا إذا تعذر اليقين في معرفة الوقت تعمل بغلبة الظن. قال: ومن ذلك إذا شك في عدد الركعات أو أشواط الطواف أو السعي ونحو ذلك، فيأخذ بالأقل؛ لأنه اليقين. وهذا التقسيم لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أما المشهور عند الحنابلة رحمهم الله هو الأخذ بالأقل مطلقًا، وصحح هذا التفصيل جمع بين الحديثين: حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي فيه الأمر بتحري الصواب، وحديث أبي سعيد الذي فيه الأخذ بالأقل. قال الناظم رحمه الله: «وكل ما لأمر به يشتبه من غير ميز قرعة توضحه». قال الشارح: هذه القاعدة في القرعة، والقرعة في اللغة: السهم والنصيب، والقرعة يسمى مصدر بمعنى الاقتراع، وهو الاختيار. قال: في الاصطلاح: فهو ما يستعمل لتمييز النصيب أو الحق من بين أمثاله، والقرعة طريق من طرق فصل الخصومات وتمييز الأنصباء والحقوق، وقد دل عليها القرآن والسنة، بل واتفق كذلك عليها الفقهاء في الجملة. أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، قال ابن عباس رضي الله عنهما: اقترعوا، يعني في كفالة مريم، فجرت الأقلام مع الجرية، وغلب قلم زكريا الجرية، فكفلها زكريا، فدلت الآية على مشروعية القرعة. فإن قيل: هذا في شرع من قبلنا، فيقال: جاءت في شريعتنا تقرير هذا الحكم ومشروعيته. قال: وقوله تعالى عن يونس عليه السلام: "فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ"، يعني اقترع فكان ممن وقعت عليه القرعة، فألقي في البحر. قال: ووردت القرعة في السنة في ستة مواضع، من ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه»، والحديث في الصحيحين، الشاهد: «إلا أن يستهموا عليه»، يعني اقترعوا حتى يعلم أيهم تقع عنده القرعة فيصلي في الصف الأول. قالوا أيضًا: حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه»، والحديث في الصحيحين. وفي صحيح مسلم: أن رجلًا أعتق ستة مملوكين عند وفاته، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرع بينهم، فأعتق أربعة وأرق اثنين؛ لأنها يعني من باب الوصية، ولم ينفذ من الوصية إلا الثلث، فنفذ النبي صلى الله عليه وسلم وصيته بعتق الثلث، وهم اثنان من ستة. قال: وسعد من أبي وقاص رضي الله عنه أقرع بينهم في الأذان يوم القادسية، وهذا الأثر على شرط البخاري في صحيحه في صيغة التمريض، ورواه البيهقي في السنن، وهو منقطع كما قال ابن رجب، ومن حجر، ووصله الطبراني يحتج به الإمام أحمد. قال: ولأن القرعة تحل الإشكال وتحسم النزاع؛ لأنه إذا حصل خصام بين اثنين وليس لأحدهما مزية على الآخر، فإن قدمنا أحدهما ورددنا الآخر كان فيه شيء من الظلم والحيف بالآخر، فإذا أقرعنا بينهما فحينئذ حسمنا هذا الخلاف بطريقة يحصل بها التراضي بين الطرفين. قالوا: تدفع داء التشهي، وما قيل: إنها نوع من القمار، فهو قول غير صحيح، ولا يصح، بل هي أعظم ما يطيب به النفوس، وهذا من محاسن الشريعة. قال: والقرعة هي لفصل الخصومات، تارة تكون مباحة، وتارة تكون محرمة، فتكون مباحة في مواضع. قال: ومرجح رحمه الله حصر المواضع التي ذكر العلماء رحمهم الله أن القرعة تستعمل فيها، كالأذان والإمامة وولاية النكاح إلى آخره. قالوا: القرعة تستخدم في مواضع: الموضع الأول: تستخدم لتمييز المستحق المبهم ابتداء، مثال ذلك: القسم بين الزوجات، القسم بين الزوجات: رجل زف إليه زوجتان جميعًا، أيهما يبدأ بالقسم لها؟ فكل من الزوجتين مستحقة للقسم ابتداء، وهذا الاستحقاق مبهم، فتجرى القرعة بينهما. قال: يعني إذا زف في وقت واحد، فهنا كل واحد له حق، ولا يمكن إيفاء هذا الحق إلا بالقرعة، فمن وقعت عليها القرعة وفاها حقها أولًا، ثم وفت ثانية حقها، ثم قسم بينهما. أما إذا زفت أو زفت إحداهما قبل الأخرى، فيوفي التي سبقت حقها، ثم يوفي الأخرى حقها. مثال آخر: رجل أوصى بعتق ستة عبيد له، والثلث اثنان، فهل نخرج زيدًا وبكرًا أو عمرًا وصالحًا أو محمدًا وإبراهيم؟ يعني من هؤلاء الستة من هؤلاء الاثنان الذين سنعتقهما؟ فنجري قرعة، فمن وقعت عليه القرعة نعتقه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي أعتق ستة مملوكين عند موته، فأعتق النبي صلى الله عليه وسلم منهم اثنين بالقرعة. قال: وتجري بينهما القرعة. قال: والموضع الثاني: التزاحم في الاختصاصات، فإذا سبق اثنان إلى مختص من المختصات، مثل مكان البيع أو مكان الشراء أو مكان الجلوس أو مواقف السيارات، كل منهما سبق إلى هذا المحل في وقت واحد، ولا يتسع لهما، فنجري القرعة بينهما. وكذلك أماكن الإقراء والإفتاء والتدريس، كعالمين سبق إلى مسجد للتدريس فيه أو للإفتاء أو نحو ذلك، فإننا نجري القرعة بينهما. قال: يعني هذا إذا لم يكن بينهما اتفاق ومواعيد محددة، هذا له الوقت الفلاني وهذا الوقت الفلاني، أو هذا اليوم الفلاني وهذا اليوم الفلاني، أو كذلك لم يحصل التنازل، يعني جاء في وقت واحد، وكل واحد يريد أن يدرس على هذا الكرسي، ولم يتنازل أحدهما للآخر، وحصلت المشاحة، فهنا نقرع بينهما. قال: والموضع الثالث: التزاحم في الولايات، مثل ولاية النكاح، إذا كان عندنا أخوان شقيقان كل منهما له أن يعقد، أو عمّان شقيقان كل منهما له أن يعقد، أو ابن أخ وابن أخ، كل منهما له أن يعقد، رتبتهما واحدة، حتى لو كان أحدهما كبيرًا والآخر صغيرًا، فإن رتبتهما واحدة، فنجري القرعة بينهما. قال: يعني إذا حصلت المشاحة كل منهما يريد أن يعقد. قال: إلا إذا عينت المرأة واحدًا، فإنه يتعين، يعني إذا قالت: أنا أريد فلانًا من إخواني مثلا أو فلانًا من أعمامي، فيتعين المعين، أما إذا لم تعين وحصلت المشاحة، فيقرع بينهما. قالوا: إذا لم يتعين وتشاح، نجري القرعة بينهما، لا طريق لفصل هذا النزاع إلا بالقرعة. قالوا: مثل ذلك الأذان إذا تزاحم عليه، وكل واحد منهما توفرت فيه الشروط الشرعية، وكذلك في الإمامة إذا تشاح وتوفرت الشروط الشرعية في كل منهما، فإننا نجري القرعة بينهما. الموضع الرابع: تمييز المستحق المعين عند اشتباهه بغيره، فرق بين الموضع الأول وهذا الموضع، فالموضع الأول: المستحق مبهم، لكن في هذا الموضع: المستحق معين معروف، ولكن اشتبه بغيره. مثال ذلك: رجل طلق إحدى زوجتيه، ثم التبس عليه أيهما طلق: الصغيرة أم الكبيرة؟ فإننا نجري القرعة. وقال بعض أهل العلم في مثل هذه الصورة: لا تجرى القرعة، ولكن يتحرى يعني ويعمل بما يغلب على ظنه؛ لأنه بإجراء القرعة في مثل هذه الحال ربما تقع القرعة على غير المطلقة، وهو قد عين من طلق، فيكون في ذلك شيء من الحيف والظلم. ففي مثل هذه الحال إذا طلق ونسي من طلقها من نسائه، فإنه يتحرى ويعمل بغلب ظنه. قال: المثال الثاني: أعتق أحد رقيقه ولا يدري أيهم أعتق؟ فإننا نجري القرعة. وهذه التي قبلها المثال الثالث: زوج وليان هذه المرأة، يعني لها أخوان: الكبير زوجها لعمر، والصغير زوجها لزيد، لا ندري أي العقدين السابق؟ فإن نرجع إلى القرعة؛ لأن كلاهما يصح تزويجه لها، ولم ندري أيهما أسبق: هل نكاح الكبير أو الصغير؟ فنجري القرعة، وما حصلت به القرعة كان الزوج لها. قال: المثال الرابع: إذا وصف اللقطة اثنان، فنجري القرعة بينهما، يعني إنسان وجد لقطة، فجاء اثنان وكل واحد منهما ذكر صفة هذه اللقطة، فهنا ما نستطيع يعني أن نعطي أحدهما ونحرم الآخر، وكلاهما أتى بصفتها، ويحتمل تكون لقطة له، وهنا نقرع بينهما. قال: موضع الخامس: بين الشركاء عند تعديل السهام في القسمة، كأن تكون السهام مختلفة، وقيمة أجزاء المقسوم متساوية، مثال ذلك: ثلاثة يملكون أرضًا، هذا له النصف، وهذا له الثلث، وهذا له السدس. قال: نجعلها ستة أسهم بقدر أقلها، يعني بقدر السدس وهو الأقل، ثم بعد ذلك نجري القرعة، فصاحب النصف يأخذ ثلاثة أسهم، وصاحب الثلث يأخذ سهمان، وصاحب السدس يأخذ سهمًا. وكذلك إذا كانت السهام متساوية وقيمة أجزاء المقسوم مختلفة، كأرض بين ستة أشخاص، لكل واحد السدس، فتعدل بالقيمة وتجعل ستة أسهم متساوية القيمة، ثم يقرع بينهم. قال: فهذه المواضع الخمسة تستخدم فيها القرعة، وعندنا موضعان لا تستخدم فيهما القرعة، واستخدام القرعة فيهما من قبيل المحرم. الموضع الأول: إذا تعينت المصلحة، فلا يجوز أن نجري القرعة هنا، مثال ذلك: تقدم اثنان لإمامة المسجد، أحدهما أقرأ من الآخر، فنقول: تعينت المصلحة أن يكون الإمام الأقرأ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله»، فهنا ما نقرع بينهما؛ لأنهما لم يتساويا في المنزلة ما دام أن أحدهما أقرأ، إذا نقدم الأقرأ. قال: أو تقدم اثنان للأذان في هذا المسجد، أحدهما تتوفر فيه الشروط الشرعية، نقول: بأنه يقدم؛ لأن المصلحة تعينت في إجراء القرعة هنا لا يجوز. الموضع الثاني: إذا ظهر الحق، فإن المستحق يأخذ حقه، ولا يجوز إجراء القرعة؛ لأنه يكون من الميسر ويكون فيه مخاطرة، مثال ذلك: عرفنا المرأة المطلقة، فلا يجوز أن نجري القرعة. قال: يعني حصل اشتباه أو شك، ثم تيقن بمعرفة أي المرأتين المطلقة، إما بإخبار شهود أو مثلا وجد ورقة كانت كتبها أو نحو ذلك، أو تذكر بعد النسيان، فمثل هذه الحالة لا يجوز حينئذين أن يجرى القرعة. قال: أو أن الشريكين أو أعرفنا الرقيق الذي أعتق عندما اشتبه بغيره، فلا يجوز أن نجري القرعة. قال: أو أن الشريكين: زيد وعمرو، هذا له نصف الربح، وهذا له نصف الربح، ثم بعد ذلك قالوا: نضرب القرعة، ومن خرجت له القرعة يأخذ ثلاثة الأربع، والآخر يأخذ الربع، فلا يجوز ضرب القرعة؛ لأن صاحب الحق واضح، كل يأخذ نصيبه؛ لأن هذا سيكون فيه نوع من الميسر. قال: مسألة كيفية القرعة: تقدم لنا في القواعد أن ما جاء مطلقًا على لسان الشارع ولم يقيده بشيء، نرجع في تقييده إلى العرف، فالقرعة وردت في الشارع ولم يأت فيها تحديد لكيفيتها، فكل ما جرى به العرف أنه قرعة فيصح أن يقرع به. قالوا: على هذا فبأي شيء حصلت القرعة فإننا نأخذ به، سواء بكتابة أوراق، تكتب أوراق يعني مثلا في الاستحقاق: هذا الشيء، هذا يكتب اسم فلان، وهنا في لغة ثانية: اسم فلان، ومن وقعت عنده الورقة أو تكررت مرتين فله الحق. قال: مثلا بكتابة أوراق: أن تشتبه المطلقات، فيكتب المطلق كذا والمطلق كذا، ثم تأخذ القرعة، أم بإلقاء حجارة، أم بغير ذلك، بإلقاء حجر أو وضع حجر في اليد مثلا، ثم يختار من يختار إحدى اليدين، فمن وقعت اختار اليد التي فيها الحجر فله الحق، والآخر ليس له شيء، أو بغير ذلك من أنواع الاقتراع. قال: المهم أنه ليس لها طريقة معينة، بل الشارع أطلقها، فنرجع في ذلك إلى العرف، فكل ما يميز بين المشتبهات فإننا نصير إليه.