الدرس في العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 9، ألقاها
الضرورات تبيح المحظورات بشروط معينة مثل وقوع الضرورة وعدم وجود بديل، مع التقيد بقدر الضرورة. يُشرع ارتكاب المحرم عند الضرورة مع عدم تجاوزها.
يُفرّق بين الضرورة والحاجة، حيث تُعرّف الحاجة بأنها حالة ضيق تُنزل منزلة الضرورة إذا كانت عامة. الضرورة تبيح محظورًا بنص شرعي مؤقتًا، بينما تبيح الحاجة غالبًا دون مخالفة نص.
يشترط في بيع التمر بتمر التساوي في الكيل والتقابض يدا بيد، مع مراعاة التساوي في اليبوسة والرطوبة. تنطبق هذه الشروط على بيع الربوي بجنسه.
والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الناظم رحمه الله في البيت الثامن عشر: «وكل ممنوع فللضرورة يباح والمكروه عند الحاجة». قال: هذه قاعدة أن الضرورات تبيح المحظورات، المحظورات هي المحرمات، والأصل أن هذه المحرمات لا تبيحها إلا الضرورات، معنى لا تبيحها إلا الضرورات: يعني إذا اضطر الإنسان إلى ارتكاب هذا المحرم جاز له ارتكاب وفعله. قال: والمكروه تبيحه الحاجات. قال بعض العلماء: إلا ما كان تحريمه تحريم وسائل، فإن الحاجة أيضا تبيحه. ويأتي قوله: «وكل ممنوع فللضرورة يباح والمكروه عند الحاجة»، وسيذكر كذلك الشيخ المحققين رحمه الله في منظومته أن الحاجة كذلك تنزل منزلة الضرورة، فما كان محرما تحريم وسائل فإنه يباح عند الحاجة. وشيء في الأبيات، قال الدليل على أن الضرورات تبيح المحظورات قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، فالله عز وجل لما ذكر المحرمات قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ يعني إلى شيء من هذه المحرمات، ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ يعني مبتغي للحرام مع وجود الحلال، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي متجاوز لقدر ما تندفع به الضرورة، ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ يعني في ارتكابه لهذا المحظور. قال: لكن يشترط لذلك شروط، الشرط الأول: أن تكون الضرورة واقعة، فإن كانت منتظرة -يعني في المستقبل- فإن المحرم لا يباح، يعني إذا كانت الضرورة غير واقعة الآن لكن يخشى أن تقع في المستقبل، يخشى أن تقع في المستقبل، فحينئذ المحرم لا يباح. مثاله: مثلا يقول إنسان: أنا سآكل من الميتة خشية أن يصيبني الجوع، هل يجوز له هذا؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن هذه الضرورة غير واقعة الآن، غير واقعة الآن، فلا يباح له ارتكاب المحرم. قال: مثال ذلك إنسان وقع في مخمصة -وهي شدة الجوع- فإن له أن يأكل من الميتة، أما إذا لم يصبه الجوع وإنما يخشاه فليس له أن يأكل منها، يعني يخشاه في المستقبل ولم يقع بعد، فحينئذ لا تحل له الميتة. قال: شرط الثاني: أن لا يكون هناك وسيلة أخرى غير المحرم، يعني لسا هناك وسيلة يدفع بها هذه الضرورة إلا هذا المحرم، إن لم يأكل من هذه الميتة هلك ومات، حينئذ يباح له الأكل منها. قال: فإن كان هناك وسيلة مباحة فإنه لا يجوز، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾، الباغ هو الذي يبغي الحرام مع قدرته على الحلال، فالله عز وجل أباح ارتكاب المحظور -ارتكاب المحرم- من غير ماذا باغ، غير باغ يعني باغ أي طالب ومريد للحرام مع قدرته على الحلال. وفي هذا وبهذا نعلم ضلال كثير من أهل الأهواء والعقلانيين في هذه الأزمان الذين يبيحون كثيرا من المحرمات بدعوى الضرورة، ومنهم أيضا جماعة الإخوان، فكم أباحوا من المحرمات بدعوى الضرورة، أجازوا للمرأة أن تخلع الحجاب قالوا: ضرورة، أجازوا كذلك الاختلاط بدعوى الضرورة، وهكذا غير ذلك من المحرمات بدعوى أنها ضرورة، هكذا أيضا الدخول في الانتخابات والبرلمانات بدعوى الضرورة. طيب ما يوجد سبيل آخر إلى تحقيق هذا المراد غير هذه الطريق؟ يعني دعواهم مثلا أننا ما يمكن أن نحكم بشريعة إلا أن ندخل ونشارك في هذه البرلمانات حتى نصل إلى الحكم ثم نحكم بشريعة الإسلام، هل لا يوجد طريقة أخرى صحيحة سليمة غير مخالفة للشرع نتوصل بها إلى تحكيم الشريعة؟ الجواب: يوجد، وذلك بالتحاكم إلى الكتاب والسنة ونشرهما والدعوة إليهما، فإن هذا وأحسن طريق وأسلم طريق إلى تحكيم الشريعة، إذا تربى الناس على الكتاب والسنة وحبوا أحكام الشريعة هم بأنفسهم سيطالبون بتحكيم الشريعة، ولا أحتاج هنا إذن أن ندخل في هذه المحرمات وما يمليه علينا أهل الكفر. قال: شرط الثالث: أن يكون الأخذ من المحرم بقدره، وعبر عنه بعض العلماء بقوله: أن يكون الزمن الإباحة مقيدا بزمن بقاء العذر، وعبر عنه بعض العلماء بقوله: الضرورة تقدر بقدرها، فيأخذ من المحرم ما يسد رمقه، والدليل قوله تعالى: ﴿فَمَا اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾، والباغ والعادي تقدم تعريفهما، قلنا: العادي الذي لا يتجاوز ويتعدى محل الضرورة، فيكون الأخذ من المحرم بقدر ما تندفع به الضرورة. قال: مثال ذلك نظر الطبيب للمريضة، يعني لو امرأة اضطرت أن تتعالج عند طبيب ذكر، فلا يجوز لهذا الطبيب أن ينظر منها إلا بقدر الضرورة، مثلا تعالجت عنده فيما يتعلق بالأسنان، فلا تكشف وجهها كامل، تكشف محل الفن فقط، تكشف الفم، طيب أراد أن يعالج مثلا كفها أصيبت بشيء بجروح مثلا أو كذا من الأمور الجلدية في الكف، فتكشف موضع الكف، موضع الألم، ما تكشف ذراع وهكذا. مثل أيضا: لو احترق بيت وفيه نساء، ولا شك أنه لا يمكن إنقاذ هؤلاء النسوة إلا بحملهن وإخراجهن من داخل البيت، طيب وحينئذ إما أن يدعى الرجل المرأة داخل حتى تحترق وتموت، وإما أن يضطر إلى مسها فيحملها ويخرجها من داخل هذا البيت المحترق، فحينئذ لا بأس أن يحملها وأن يمس منها بقدر ما تندفع به الضرورة ويحصل به الإنقاذ. قال: أو لعورة المريض، الضرورة لا تبيح النظر مطلقا، بل القدر الذي تندفع به الضرورة. الشرط الرابع: أن تندفع الضرورة بهذا المحرم، فإذا لم تندفع به فإنه لا يجوز، يعني أن يكون اندفع الضرورة بارتكاب هذا المحرم أمر محقق، ليس أمر ظني ووهمي، يكون أمر محقق، أنا إذا فعلنا هذا المحرم اندفعت هذه الضرورة، أما إذا كان شيء مشكوك فيه وشيء وهمي وظني ليس بيقيني، فإنه لا يجوز أن نرتكب هذا المحرم. قال: وإذا شككنا هل تندفع الضرورة بهذا المحرم أو لا؟ فالأصل عدم الحل، لأن ارتكاب المحظور مفسدة متيقنة، واندفاع الضرورة مشكوك فيها، واليقين مقدم على الشك، والأصل هو التحريم، الأصل تحريم المحرم وعدم حله، هذا هو الأصل، فإذا كان اندفاع هذا الضرورة بارتكاب هذا المحرم مشكوك فيه، فنبقى على الأصل وهو عدم الجواز. قال: شرط الخامس: أن يكون المحظور أنقص من الضرورة، مثاله: إذا أجبر إنسان وهدد على أن يقتل إنسانا، قيل له: اقتل هذا الرجل وإلا قتلناك، ففي هذه الحال لا يجوز أن يقتله، لأن هذا المحظور ليس أنقص بل مساوي، لأنه لا فرق أن يقتله أو يقتل أخاه، وليس نفسه بأولى من نفس غيره، فحين ذا لا يجوز أن يقتل غيره حتى ينجو بنفسه، فلابد أن يكون المحظور أنقص من الضرورة، لا يكون مشاوي لها أو يكون أعظم، لا يكون المحظور أعظم من الضرورة، بل لابد أن يكون أنقص، وهذا الذي يعبر به أهل العلم في قولهم: الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها. قال شيخ الشعدي رحمه الله في منظومته: «وكل محظور مع الضرورة بقدر ما تحتاجه الضرورة»، قال: قول: «والمكروه عند الحاجة»، الفرق بين الضرورة والحاجة: أن الضرورة ما يضطر الإنسان للمحافظة على نفسه أو منافعه أو أطرافه، وقيل: الضرورة حالة تطرأ يخاف معها فوت شيء من مصالح الدين أو الدنيا، بحيث لا تندفع إلا بارتكاب محرم أو ترك واجب، حالة تطرأ يعني تحصل للإنسان، يخاف معها فوت شيء من مصالح الدين أو الدنيا، يعني إذا لم يرتكب المحظور خاف أن يصيبه شيء من مصالح الدين، من مصالح الدين، يعني يخاف على دينه، أو شيء من مصالح الدنيا، من عرض أو مال أو نفس، يعني أن يصيبه شيء من الضرر في ضروريات الخمس، إن لم يرتكب هذا المحظور أو يترك هذا الواجب، حينئذ يجوز له ارتكاب المحظور. قال: والحاجة ما يلحق الحرج والمشقة بعدمها، يعني إن لم يرتكب هذا المحظور حصل شيء من الحرج والمشقة، وإن لم يصل إلى حد الضرورة، قال: يعني المكروه تبيحه الحاجة، فالمكروه أخف من المحرم، فإذا احتاج الإنسان إلى هذا المكروه فإنه يباح. مثال ذلك: أكل البصل والثوم مكروه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يأكل الرجل البصل والثوم ثم يأتي إلى المسجد، فتتأذى منه الملائكة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم»، فالناس تتأذون من رائحة الثوم والبصل التي تخرج من فم من أكلهما، فإذا احتاج الإنسان إلى أكل الثوم والبصل -اشتهت نفسه إليهما أو أراد أن يأكلهما لقصد العلاج أو شيء من ذلك- جاز ذلك. قال: لك إذا احتاج إلى الأكل منهما، وإن لم يكن مضطرا فإنه الآن يكره، حتى وإن كان هناك شيء آخر يستطيع أن يدفع به غير الثوم أو البصل، مثل مثلا أراد أن يأكل ثوما أو بصل على أنه يقوم بمعنى مادة المضاد الحيوي، هناك حبوب تستعمل لمن يأكل من مضاد حيوي، لكن أراد استعمال الثوم والبصل لكونه يعني شيء طبيعي، هل له ذلك؟ نعم له ذلك، وإن كان يوجد غيره، فليس عليه حرج في أكلهما. قال: مثال آخر: سفر الإنسان وحده، هذا مكروه لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يسافر الرجل وحده، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب»، قال: هذا مكروه، لكن قد يحتاج إلى السفر وحده، ولا يضطر فيباح، قد يحتاج الإنسان إلى أن يسافر وحده وليس بضرورة، هل نقول في حقه مكروه؟ نقول: لا، لا بأس، ولا مانع من أن يكون هناك حاجة، فليس عليه شيء. قال: وكذلك الالتفات في الصلاة مكروه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يلتفت الرجل في صلاته، وقال: «إذا صلى أحدكم فلا يلتفت، فإن الله ما دام العبد لم يلتفت في صلاته»، قال: لكن الحاجة تبيحه، فإذا احتاج الإنسان أن يبصق فإنه يلتفت ويدفعه عن يساره، نعم، إذا احتاج أن يبصق له أن يلتفت ويدفعه عن يساره، أو إذا وسوس عليه الشيطان في صلاته فإنه لا بأس أن يلتفت إلى الجهة اليسرى وينفث عن يساره ثلاثا، وهكذا مثلا إذا كان يصلي وخشي على ولده أو أن يصاب بشيء من السوء فالتفت ينظر ماذا يفعل؟ لا بأس. قال الناظم رحمه الله في البيت التاسع عشر: «لكن ما حرم للذريعة يجوز للحاجة كالعرية»، قالوا رحمه الله: لكن ما حرم للذريعة يجوز للحاجة كالعرية، قلنا: إن المحرم لا يباح إلا عند الضرورة، ويستثنى من ذلك ما كان تحريمه من باب تحريم الوسائل، وليس من باب تحريم المقاصد، فإن الحاجة تبيحه، إذا كان هذا المحرم حرم تحريم وسائل -يعني لكونه وسيلة إلى الوقوع في الحرام- فحرم، فهذا تبيحه الحاجة، بخلاف ما حرم تحريم مقاصد، فإنه لا يباح. قال: ومعنى الحاجة هي الحالة التي يصل فيها الإنسان حدا إذا لم تراعى لكان في ضيق وحرج، يعني إذا لم يراعى هذا الحد بارتكاب شيء من المحرم أو ترك شيء من الواجب، وقع الإنسان في شيء من الحرج والضيق والشدة. قال: ولكن لكن لا تضيع مصالحه الضرورية، والحاجة تنزل منزلة الضرورة -عامة كانت أو خاصة-، قولنا: عامة، هي الحاجة الشاملة لجميع الأمة، يعني ما يحتاج له عامة الناس، وقولنا: خاصة، هي الحاجة الشاملة لطائفة معينة من الناس، كأهل بلد أو حرفة معينة، كالتجار أو الصناع أو الزراع. أما الحاجة الخاصة بفرد أو بأفراد محصورين فغير معتبرة أصلا، ولا تلحق بالضرورة، لأن كل فرد لأن لكل فرد حاجات متجددة ومختلفة عن غيره، ولا يمكن أن يكون لكل فرد تشريع خاص به. والفرق بين الضرورة والحاجة من وجهين: الوجه الأول: أن الضرورة في الغالب تكون إباحة لمحظور ممنوع بنص شرعي، وتكون هذه الإباحة مؤقتة، حيث تنتهي بزوال الإضطرار، وتتقيد بالشخص المضطر، أما الإباحة الاستثنائية الثابتة بالحاجة، فهي غالبا لا تخالف نصا صريحا، لكن تخالف القواعد العامة في الشرع، والحكم في الغالب يكون بصورة ثابتة. يقول: من الفروق بين الضرورة والحاجة: أن الضرورة في الغالب تكون إباحة لمحظور ممنوع بنص شرعي، يعني يكون هناك شيء محرم منصوص على تحريمه، منصوص على تحريمه، فلأجل الضرورة التي وقع فيها الإنسان، ولدفع عليه الضرورة، أبيح له ارتكاب هذا المحظور، وهذه الإباحة -وهو إباحة ارتكابه للمحظور- هي وقت معين محدد، وهو باندفاع الضرورة، إذا دفع الضرورة رجع التحريم إلى أصله. قال: واضح؟ رجع التحريم إلى أصله، يعني مثلا إباحة أكل الميت للمضطر، إذا اضطر أبيحت له أكل الميت، طيب زالت هذه الضرورة، صارت الميتة عليه حرام على الأصل محرم عليه، إذن هذه الإباحة إباحة مؤقتة، إباحة مؤقتة حتى تندفع الضرورة. أما الإباحة الاستثنائية بالحاجة، يقول: في الغالب لا تخالف نص صريح، بل ربما يأتي النص بالإباحة والجواز، يأتي النص بالإباحة والجواز، ويكون هذه الإباحة مستمرة، وهي تكون يعني كصورة مستثناة من القاعدة العامة. قال: وجه ثاني: أن الضرورة تبيح المحظورات -سواء كان الإضطرار حاصلا للفرد أم للجماعة-، أما الحاجة فلا تكون سببا للتيسير إلا إذا كانت حاجة عامة أو خاصة بطائفة كثيرة غير محصورة، فلا تكون سببا للتيسير في حق فرد أو أفراد محصورين، يعني أن الضرورة تبيح المحظورات ولو كان المضطر فردا واحدا، يعني لو واحد أصابته المخمصة جاز له أن يأكل من الميتة، فهو مضطر، إنسان أكره أن يسرق مال غيره وإلا قتل، جاز له أن يسرقه لدفع الضرر عن نفسه. لكن الحاجة ما تباح لفرد واحد معين، وإنما تباح إما إباحة عامة، وإما إباحة خاصة متعلقة بطائفة من الناس، كشيء تعلق بالتجارة أو بالصناعة أو بعمل طائفة من الناس أو نحو ذلك، فحينئذ يباح هذا الشيء للحاجة. قال: وقول: «يجوز للحاجة كالعرية»، قال: ضرب المؤلف رحمه الله مثالا بالعرية، ومسألة العراية مستثناة من المزابنة، والمزابنة هي بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر اليابس، يعني إنسان عنده نخل طيب خرف هذا النخل وصار رطبا، الرطب يتفكه به يقول الناس: كالفاكهة، يأتي إنسان يقول: ما عندي مال أشتري به هذا الرطب، لكن عندي تمر يابس، عندي تمر يابس، هل يجوز لي أن أشتري الرطب بالتمر؟ نقول: هذا هو بيع العراية، الأصل أنه لا يجوز أن يباع رطب على رؤوس النخل بتمر يابس، لماذا؟ لأنه بيع المزابنة المحرم، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المزابنة أن يباع الرطب بالتمر. ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع التمر الرطب، قال: «ينقص الرطب إذا يبس»، قيل: نعم، قال: «فلا»، لكن استثنى الشرع هذا النوع من البيع -العراية-، أجاز لأجل أن يشتري رطبا على رؤوس النخل بالتمر، فصارت هذه الصورة مستثنى، لماذا؟ للحاجة، إنسان يجي تفكه مثل الناس ويأكل رطبا، لكن ما عنده مال وثمن يشتري به الرطب، فجاز له أن يشتريه بالتمر. قال: الأصل أنه لا يجوز بيع التمر اليابس بالتمر الرطب، لأنك إذا بعت ربويا بجنسه فإنه يشترط التساوي من كل وجه، لا بد أن يكون يدا بيد، مثلا بمثل ويدل لذلك حديث عبادة بن الصامت و أبي سعيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد»، والحديث في الصحيحين، حديث أبي سعيد وحديث عبادة بن الصامت. طيب هذا الحديث أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأصناف الستة -الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح- إذا بيعت، إذا بيع أحدها بجنسه -يعني ذهب مع ذهب، فضة مع فضة، تمر مع تمر، شعير مع شعير، ملح مع ملح- فلابد من أمرين، لابد من التساوي والتماثل، ولابد من التقابض، واضح؟ مثلا بمثل، سواء بسواء، في رواية: «يدا بيد»، وهو التقابض، لابد من التقابض، تبيع تمرا بتمر، تسلم التمر وتأخذ التمر من الآخر، ويكون التمر متساوي، صاعا بصاع. قال: فإذا بعت تمرا بتمر فلابد أن يكون يدا بيد، وأن يتساوي في الكيل، وفي اليبوسة والرطوبة، يعني الآن الأمران عندنا: أمران، التقابض والتساوي، إذا بيع الربوي بجنسه -إذا بيع الربوي بجنسه- تمر بتمر، ذهب بذهب، فضة بفضة، ملح بملح، شعير بشعير، لابد من أمرين: التساوي والتقابض.