الدرس في العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 10، ألقاها
يناقش هذا الفصل قاعدة أصولية وهي أن النهي يقتضي الفساد، ويشرح أقسام النهي وتطبيقاتها الفقهية. يبين اختلاف المذاهب في التفريق بين الفاسد والباطل وأثر النهي على صحة العبادات والمعاملات.
يفصل هذا الفصل أقسام النهي وأثرها على صحة العبادات والمعاملات، مبيناً أن النهي إذا تعلق بذات العبادة أو المعاملة أدى إلى فسادها. يوضح أيضاً أن النهي إذا تعلق بشرط العبادة أو المعاملة أدى إلى فسادها أيضاً.
يناقش هذا الفصل قاعدة فقهية مفادها أن الأصل في الأشياء هو الحل والإباحة ما لم يرد دليل شرعي بتحريمها. يستدل لذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، ويشير إلى أن المحرمات محصورة ومعينة في الشريعة.
يتناول هذا الفصل قاعدة أن الأصل في العبادات هو المنع والحظر، ولا يجوز التعبد إلا بما جاء في الكتاب والسنة. يستدل لذلك بآيات وأحاديث نبوية، ويشير إلى تحريم التمتع بالطيبات على الكفار.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، واله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال النظم رحمه الله: «وما نهي عنه من التعبد أو غيره أفسده لا تردد، فكل نهي عاد للذوات أو للشروط مفسدا سيات، وإن يعد لخارج كالعمة فلن يضير، فافهم العلة». قال الشارح: هذه قاعدة أصولية، وهي قاعدة مشهورة: أن النهي يقتضي الفساد. وهذه القاعدة ألفت فيها مؤلفات، منها كتاب العلاء: «تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد»، وهو مطبوع. قال: ودليل هذه القاعدة قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة رضي الله عنها: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل». والحديث في الصحيحين. قاله النبي عليه الصلاة والسلام لما أرادت عائشة رضي الله عنها أن تشتري بريرة، فاشترط أهلها أن يكون الولاء لهم، فأنكر ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فقام في الناس خطيبا، فقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل. كتاب الله أحق، وإنما الولاء لمن أعتق». قال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط. شرط الله أحق، وكتاب الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق». قال: فدل ذلك على أن ما نهى عنه الشارع فإنه يقتضي الفساد. قال: وقوله: «وما نهي عنه من التعبدي أو غيره» يعني: ما نهى عنه من العبادات أو غيرها من المعاملات، والتبرعات، والأنكحة، وغيرها. أي: كل أمر جاء فيه النهي، سواء تعلق بأمور العبادات أو بأمور المعاملات: البيع والشراء، أو بالتروات، أو كذلك في باب الأنكحة، أو غيرها. فإن الأصل فيه أنه يقتضي الفساد. قوله: «أفسده» يعني: أحكم عليه بالفساد. «وما نهي عنه من التعبدي أو غيره أفسده لا ترددي» يعني: لا تتردد في الحكم عليه بأنه فاسد. قال: ذكر المؤلف رحمه الله أقسام هذه القاعدة، وأن هذه القاعدة تقسم إلى أقسام. وعلم أن الحنابلة من أوسع المذاهب في تطبيق هذه القاعدة. ولذلك ثلاثة من هذه الأقسام الأربعة يرون أنها تقتضي الفساد. القسم الأول: أن يكون النهي عائدا إلى ذات المنهي عنه، فإنه يقتضي الفساد. ويدل له أحاديث وآثار كثيرة، كنحو ما رواه أحمد في المسند مرفوعا: «لا صلاة لمن لا وضوء له». والحديث عفه بعض الأئمة: كلمة «محمد» رحمه الله، والعقيلي وغيرهما. وفي الصحيحين مثل بهريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». وهذا نفي، وهو أعم من النهي. يعني: نفي قبول الصلاة بعدم وضوء، فيه دلالة على النهي أن يصلي الإنسان بغير وضوء. إذا كانت الصلاة بغير وضوء منفية، وغير مقبولة، إذن معناها أنها باطلة. وإذا كانت كذلك دل على أنه لا يجوز للإنسان أن يصلي بغير وضوء. قال: وما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه صلى الفجر بالناس وهو جنب، فأعادها. ولم يعيدوا. والأثر صحيح. صلى عمر رضي الله عنه الفجر بالناس وهو جنب -طبعا ناسيا- فأعادها. ذكر أنه كان على جنابة، فأعاد الغسل، و أعاد الصلاة. وأما الناس لم يعيدوا؛ لأنهم صلو، صلوا وهم على طهارة، ولا يعلمون بحال الإمام. فلا يلزمهم الإعادة. الشاهد: فعل عمر رضي الله عنه أنه أعاد الصلاة؛ لكونه صلى بلا وضوء. دل هذا على أن الصلاة بلا وضوء باطلة. قال: والمراد بالفساد: أنه لا يترتب على الفعل الآثار المقصودة منه، سواء في العبادات أو العقود. هذا معنى الفساد. لا يترتب المقصود من العبادة أو المعاملة. في العبادة مثلا إذا كانت صحيحة، ما يترتب على ذلك؟ سقوط الطلب، وبراءة الذمة. وفي المعاملات: حصول المقصود منها: من انتقال الملك، إن كان في البيع والشراء، أو حل البضع، إذا كان في النكاح. فإذا كانت المعاملة فاسدة أو باطلة، لم يترتب عليها هذه الآثار. قال: قطرب رحمه الله: «هذا مذهب العلماء في قديم الدهر وحديثه» يعني: أن النهي إذا عاد إلى ذات منه عنه فهو باطل. قال: والعلماء لا يفرقون بين الفاسد والباطل. أي: جمهور أهل العلم. جمهور أهل العلم لا يفرقون بين الفاسد والباطل، فيطلقون الفاسد لمعنى الباطل، والباطل لمعنى الفاسد. قال: والحنفية يفرقون. فعندهم: الفاسد ما نهى عنه لوصفه، والباطل ما نهى عنه لأصله. قالوا: الفاسد ما نهى عنه لوصفه؛ يعني: ما كان أصله حلالا، ثم حرم لوصف، ثم حرم لوصف. هذا يقولون بأنه فاسد. مثل: الربا. الربا أصله بيع، أصله بيع. لكن لما وجد فيه هذا الوصف -وهو الزيادة في الثمن الربوي الذي يجب فيه التساوي، أو تأخير القبض في كذلك الصنف الذي لا يجوز تأخيره- فصار على هذا الوصف ربا، صار محرما لهذا الوصف. فهذا يقولون بأنه فاسد. والباطل ما نهى عنه لأصله. ما نهى عنه لأصله، كمثل بيع الإنسان شيئا مجهولا، أو يبيع شيئا لا يملكه. وهكذا أيضا الصلاة بلا وضوء، النكاح بلا ولي. أو هذا ممكن يقول بأنه فاسد. المهم هكذا فرقوا: ما كان محرما لأصله فهو باطل، وما كان لوصفه فهو فاسد. قال: بعض الحنابلة يقول: الفاسد ما لم يقع إجماع على تحريمه وفساده، والباطل ما وقع إجماع على تحريمه. ولذلك يقولون: نكاح المتعة باطل؛ للإجماع على تحريمه. والنكاح بلا ولي فاسد؛ لعدم الاتفاق عليه؛ لأن الحنفية خالفوا، قالوا بأنه صحيح. بخلاف نكاح المتعة، فأجمع العلماء على تحريمه. فهكذا فرق الحنابلة في هذه المسألة في النكاح بين الباطل والفاسد. فما أجمع العلماء على بطلانه فهو باطل، وما اختلف في بطلانه فهو فاسد. وهكذا أيضا في مسألة الحج أيضا فرقوا في الحج بين الباطل والفاسد. فجعلوا الباطل: مرتدا فيه -مثلا- المسلم عن دين الإسلام بعد الوقوف بعرفة، أو قبل الوقوف بعرفة. والباطل هذا باطل. نعم إذا ارتد بعد وقوفه بعرفة. والفاسد: إذا حصل منه الجماع قبل التحلل الأول. هذا عند الحنابلة. أو إلا في جمهور أهل العلم على عدم التفريق، قالوا: لهذا أمثلة منها -يعني- في عود النهي إلى ذات المنهي عنه. قال: المثال الأول: صيام يوم العيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم العيد. والحديث في الصحيحين. حيث بسعيد بن أبي سعيد رضي الله عنه. فنقول: بأن هذا الصيام فاسد -يعني- أنا قلت: أنا سأسوم يوم النحر أو يوم الفطر. أقول: هذا الصيام فاسد وباطل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصيام في هذا اليوم. فالنهي هنا يعود إلى ذات المنهي عنه: هو إيقاع الصيام. الصيام في مثل هذا اليوم. فمن صامه فصومه باطل، وهو آثم. قال: المثال الثاني: الصلاة في أوقات النهي. نقول بأنها فاسدة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أبي سعيد رضي الله عنه في الصحيحين- قال: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». والحديث أيضا في الصحيحين من حيث أبي سعيد. والمراد بالصلاة هنا: الصلاة المطلقة. الصلاة المطلقة التي ليس لها سبب. فإذا أراد الإنسان أن يصلي صلاة مطلقة، يتنفل بعد الفجر، نقول: صلاته باطلة. أو بعد العصر كذلك نقول: صلاته باطلة أو فاسدة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في مثل هذا الوقت. قال: المثال الثالث: الصلاة في المقبرة والحمام وأعطان الإبل. كل هذه نهى الشارع عنها. فالنهي يعود إلى ذات المنهي عنه، فيقتضي الفساد. الصلاة في المقبرة. قال النبي صلى الله عليه وسلم -حديث أبي سعيد- في سنن أبي داود: «الصلاة أرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام». وجاء في حديث كذلك: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في أعطان الإبل. والعلل في ذلك أنها خلقت من الشياطين. فالصلاة في هذه المواضع منهي عنها، والنهي يقضي الفساد. فإذا صلى الإنسان في مقبرة، فصلاته باطلة. وكذا قال: «لا تصلوا إلى القبور» كذلك فصلاته باطلة. أو في الحمام فكذلك. وغيرها من الواضع التي نهى الشارع عن الصلاة فيها، فالصلاة فيها باطلة. قال: المثال الرابع: نكاح المحارم. فنكاح زوجة الأب أو نكاح زوجة الابن. كل هذا النهي يعود إلى ذات المنهي عنه، فيقتضي الفساد. يعني: أصل هذا النكاح محرم. لا يجوز للإنسان أن ينكح محرما من محارمه. فلا يتزوج بزوجة أبيه، ولا بزوجة ابنه؛ لأنه محرم عليه. فإذا فعل ذلك فالنكاح باطل. قال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ يعني: ما قد حصل قبل التحريم، فليس عليكم جناح -يعني إثم- وليس المراد به إباحة إبقاء هذا النكاح. لا. المقصود: ما حصل قبل التحريم، فليس عليكم جناح -ليس عليكم إثم-؛ لأن المؤاخذة إنما تكون بعد قيام الحجة والعلم. فقول جل وعلا: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ هذا نهي وتحريم. نهي عن نكاح زوجة الأب. وهذا النهي -كما علمنا- أنه يعود إلى ذات المنهي عنه، فيقتضي الفساد. قال: مثال الخامس: بيع الميتة إلى آخره. كما في حديث جابر رضي الله عنه في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام». والحديث في الصحيحين. فهنا يعود النهي إلى ذات المنهي عنه، فيقتضي الفساد. فإذا باع الإنسان ميتة، فبيعه باطل. أو باع خمرا، فبيعه باطل. أو باع خنزيرا، فبيعه باطل. أو باع صنما، فبيعه باطل. قال: القسم الثاني: أن يكون النهي عائدا إلى أمر خارج، فلا يقتضي الفساد. ومثل المؤلف رحمه الله بقوله: «وإن يعد لخارج كالعمة». والعمة لغة في العمامة. والعمة يعني: العمامة. والمراد بها: عمامة محرمة، كعمامة الحرير، أو عمامة مغصوبة. قال: مثال ذلك: إنسان صلى وعليه عمامة من حرير. فهذا لا يتعلق بذات الصلاة، ولا بشروط الصلاة. فنقول: لا يقتضي الفساد. يعني: هذا شيء منفصل. لبس عمامة الحرير محرم؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير للرجال. فكونه اعتم بعمامة حرير، هل هذا يتعلق بذات الصلاة أو شرطها؟ الجواب: لا. إذن الصلاة صحيحة، وهو آثم على لبس العمامة -على لبس عمامة الحرير-. فهنا النهي عائد إلى شيء خارج عن ذات المنهي عنه وشرطه. قال: مثال الثاني: صلى وعليه خاتم من ذهب، فصلاته صحيحة إلى آخره. كذلك هو آثم على لبس الخاتم من الذهب. وأما من حيث صحة الصلاة فهي صحيحة. وهكذا لبس صورة من ذهب، أو سلسلة. فالصلاة صحيحة مع الإثم. قال: المثال الثالث: اغتاب وهو صائم، فصيامه صحيح؛ لأن الغيبة منهي عنها، لكن لا يعد هذا النهي لذات الصيام أو شرطه. فالصيام صحيح، والغيبة هذه تنقص من أجله. قال: فما دام أن النهي لا يعود إلى ذات المنهي عنه، ولا شرطه، وإنما يعود إلى أمر خارج، فإنه لا يقتضي الفساد. القسم الثالث: أن يعود إلى شرط العبادة أو المعاملة على وجه يختص بتلك العبادة أو المعاملة. فإذا كان كذلك فإنه يقتضي الفساد. مثال ذلك: الشارع نهى عن كون الثمن مجهولا. فالنهي هنا يعود إلى شرط المعاملة، لكن على وجه يختص بهذه المعاملة -أي يختص بالبيع-. فهذا النهي يقتضي الفساد. يعني: لا يجوز أن يكون الثمن مجهولا. تشتري سلعة، طيب ما هو الثمن؟ تقول: وأشتري هذه السلعة منك بما في داخل الجيب. ها. الذي في داخل الجيب أعطيك إياه. هذا لا يجوز. لماذا؟ لأنه غرر. هذا غرر، فيه جهالة، وأنه سلعة. نهى عن بيع بيع الغرر. الله يعلم هل في داخل الجيب قليل، كثير؟ فأنت بين المغرم والغارم: إما أن تربح، وإما أن تخسر. مثل هذا لا يجوز. لا يكون الثمن معلوما. إذن إذا تم البيع على مثل هذا الوصف: أن يبيع بثمن مجهول، فالبيع لا يصح؛ لأن من شرط البيع أن يكون الثمن معلوما. قال: روى أبو هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر. قال: فما دام أنه يتعلق بهذه المعاملة، ويتعلق بالبيع، وتوجه النهي إلى الشرط، فإنه يقتضي الفساد. المثال الثاني: بيع الإنسان شيئا لا يملكه. فهذا يعود إلى شرط من شروط المعاملة، يقتص بهذه المعاملة. فالنهي يقتضي الفساد. بيع الإنسان شيئا لا يملكه: من شروط البيع أن يبيع الإنسان ما يملك. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تبع ما ليس لك». ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع الإنسان ما لا يملك. إذن هذا الشرط في صحة البيع: أن تكون السلعة يملكها البائع، أو موكل من البائع -من مالكها- بأتصرف فيها. فكونه يبيع شيئا لا يملكه، إذن هنا اختل شرط من شروط هذا البيع. وعاد النهي هنا إلى شرط المعاملة، فتكون باطلة. قال: المثال الثالث: إذا صلى وعلى ثوبه نجاسة، فإن هذا يختص بشرط العبادة على وجه يختص بالعبادة -وهو طهارة الثياب-. قال: فإن النهي يقتضي الفساد. وهذا إذا صلى وهو عالم بالنجاسة، متعمدا. أما إذا كان جاهلا أو ناسيا، فصلاته صحيحة. أما دليل بطلان الصلاة إذا كان عالما، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». والشريعة أمرت بطهارة الثياب. وأما إذا كان جاهلا أو ناسيا، ففي عموم الأدلة في عدم المؤاخذة بما يقع للإنسان على جهة الجهل أو النسيان. وأيضا حيث بسعيد: لما نزع النبي صلى الله عليه وسلم نعليه حين أخبره جبريل أن فيهما قذرا، ولم يستأنف الصلاة من جديد. قال: القسم الرابع: أن يعود النهي إلى شرط العبادة أو المعاملة على وجه لا يختص بالعبادة أو المعاملة. فهذا موضع خلاف. والصحيح: أن النهي لا يقتضي الفساد. قال: وله أمثلة كثيرة. يعني: هذا القسم: أن يعود النهي إلى شرط العبادة أو المعاملة على وجه لا يختص بها. قال: مثال أول: الوضوء بماء مغصوب. الوضوء بماء مغصوب: الغصب لا يتعلق بالعبادة، هو شيء منهي عنه. أن يقتصب الإنسان شيئا لغيره، يأخذ مال غيره غصبا، هذا محرم. طيب ما الذي يتعلق بالعبادة؟ الوضوء. الوضوء يتعلق بالعبادة. قال: الذي يتعلق بالعبادة: أن الإنسان يتوضأ بماء طهور، فيرتفع حدثه. والشارع نهى عن الغصب. الشارع نهى عن الغصب: يعني على جهة العموم. أن الغصب محرم، لا يجوز أن يأخذ الإنسان شيئا من مال غيره غصبا. «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيء بنفس منه». «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم». فإذا توضأ بماء -توضأ في إناء مغصوب- توضأ بماء في إناء مغصوب. فهنا استعمل هذا الإناء، وهو مغصوب في عبادة -وهي الصلاة- وهو الوضوء. لكنها هنا النهي -وهو الغصب- هل يعود إلى أو يختص بالعبادة؟ هل يختص بالوضوء أو هو نهي عام؟ ها. الجواب: النهي عام. النهي على الغصب: هذا نهي عام. فكونه توضأ بإناء مغصوب، لا يعود هذا النهي إلى شرط العبادة أو ذاتها المتعلق بها. فحينئذ نقول: الوضوء صحيح. هو آثم -آثم على الغصب- ووضوءه صحيح. قال: قال: والشارع نهى عن الغصب، ولم ينه عن الوضوء بالماء المغصوب. فالنهي عاد إلى شرط من شروط العبادة، لكن على وجه لا يختص بتلك العبادة. المثال الثاني: التيمم على تراب مغصوب. التيمم على تراب مغصوب: غصب إنسان تراب، وتيمم به إنسان عنده عذر -ما عنده ماء- أخذ تراب صاحبه غصبا، وتيمم به. هل نقول: يرتفع حدثه أو لا يرتفع؟ الصحيح: أنه يرتفع. قال: وكذلك الصلاة في بيت مغصوب. فكذلك هو آثم على غصبه، وصلاته صحيحة. قال: وفي ثوب مسروق، أو منتهب، أو مختلس إلى آخره. فكل هذه الأشياء النهي فيها لا يختص بتلك العبادة، فلا يقتضي الفساد؛ لأن الشارع نهى فقط عن الغصب. قال: أهل العلم رحمهم الله: إن الجهة إذا انفكت، فكان مأمورا من وجه، ومنهيا من وجه، صحة العبادة؛ لأن النهي لا يعود إلى شرط العبادة، ولا إلى ركنها. وهو لا شك أنه عاص بفعله هذا. ولأن النهي غير متعلق بذات العبادات شرعا، فهو تعلق بعيد، لا يلتفت إليه الشرع في الإبطال. يعني: الجهة هنا منفكة. إنه مغصوب. توضأ فيه. الوضوء توفرت شروطه وأركانه. إذا ما صحيح؟ والغصب هذا شيء آخر. هو آثم على هذا الغصب. صلى في أرض مغصوبة. طيب هذه الأرض ليست ملكه، وهو معتدي بغصبه لها. هو آثم على هذا. صلى، وأتى بشروط الصلاة وأركان واجباتها. إذا صلاته صحيحة. وهكذا. قوله: «فلن يضير» رائع. لا يضر. إذا كان عائدا إلى أمر خارج. قوله: «ففهمنا العلة» المؤلف رحمه الله أمرك أن تفهم العلة. وهذا يشمل العلة في كل المسائل. لكن مراده هنا: «ففهمنا العلة» يعني: علة أن النهي يقضي الفساد. إيش العلة؟ فيريد بهذا أن العلة في قضاء الفساد: كون النهي يعود إلى ذات المنهي عنه أو شرطه. فهذه العلة المقتضية للفساد. فإذا عاد إلى شيء خارج، فلا يقتضي الفساد. قال: وسيأتي تعريف العلة عند قول المؤلف: «كل حكم فلعلة تبع». قال: إذا فهم الطالب العلل، فإنه يعرف سمو الشريعة وحكمتها، وبناء الأحكام فيها، وأنه لم يشرع فيها شيء إلا لسبب يقتضيه. قال السعد رحمه الله: «وإن أتى التحريم في نفس العمل أو شرطه فذو فساد وخلل». قال النظم رحمه الله: «والأصل في الأشياء حل فامنع، وامنع عبادة إلا بإذن الشارع». قال: هذه قاعدة فقهية. وهي في حقيقة قاعدتان: القاعدة الأولى: الأصل في الأشياء الحل. والقاعدة الثانية: الأصل في العبادات الوقف. قالوا: هذه قاعدة فقهية يدخل تحت ذلك أشياء كثيرة. وهذه قاعدة مندرجة تحت إحدى القواعد الخمس الكلية -وهي المشقة- «اليقين لا يزول بالشك». فمن القواعد المندرجة تحت هذه القاعدة -كما سيأتي إن شاء الله- قاعدة: «الأصل في الأشياء الحل». يندرج تحت ذلك أشياء كثيرة. فالأصل في المعاملات: من بيع وإجارة ورهن والشركة وغير ذلك الحل. وكذلك التبرعات: من هبات وأوقاف ووصايا. وفي باب الأطعمة: من حيوانات ونباتات وزروع وثمار وطيور. الأصل في ذلك الحل. وأيضا في باب الألبس: من قطن وصوف وشعر وكتان وغير ذلك. وكذلك في باب الأنكحة: الأصل في ذلك الحل. فالإنسان له أن يتزوج أي امرأة إلا إذا كان هناك مانع. وإلا فالأصل في الأشياء الحل. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾. فأساق الآية مساق الامتنان، وغايته الحل والإباحة. كما قال القرطبي رحمه الله في تفسيره: ﴿هو الذي خلق لكم﴾ اللام للإنسان. الله عز وجل يمتن على عباده بما خلق لهم في هذه الأرض. وهذا يقضي إباحته -أنه مباح وأنه حلال- إلا ما جاء في الشرع التحريم لهذا. كانت المحرمات محصورة ومعينة. هذا يدل على أن الأصل فيها الحل. ولو كان الأصل التحريم، لجاء الحل بالتعيين: «يحل لكم كذا وكذا وكذا». لكن جاء ذكر التحريم. معنى ذلك: أن غير هذه المحرمات فهو حلال. قال: وقد يأتي التصريح بالحل. «وأحل لكم ما وراء ذلكم». هذا في باب الأنكحة بعد ذكر المحرمات. قال: «أحل لكم ما وراء ذلكم». قال: وقوله تعالى: ﴿والأرض وضعها للأنام﴾. الأنام يعني الخلق. ﴿فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان﴾. وهذا كذلك على جهة الامتنان. وقوله تعالى: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه﴾ كذلك. ولما روى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم، ثم حرم من أجل مسألته». رواه البخاري ومسلم. قال: فهذه الأدلة تدل على أن الأصل في الأشياء الحل. يعني: من أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته. يعني: قبل السؤال كان حلالا على الأصل. فلما سأل جاء التحريم، فكان هذا مانعا للناس من استعماله والانتفاع منه. قال: شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى»: هو كالإجماع. نعم. الأولى أن يقول: قال شيخ الإسلام ابن تيمية -كما في «مجموع الفتاوى»-؛ لأن «مجموع الفتاوى» ليس هو الذي جمعه شيخ الإسلام، وإنما جمعه عبد الرحمن بن القاسم رحمه الله. جمع فتاوى شيخ الإسلام. قال: هو كالإجماع. يعني: أن الأصل في الأشياء الحل. هذا أمر مجمع عليه. قال: وأنكر وجود المخالف في هذه المسألة عندهم. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الأصل في الأشياء الإباحة، وطهارة الثياب والحجارة لمن كان مسلما يعمل الصالحات؛ لأنها إعانة له على الطاعة. وأما الكافر ومن يستعملها في غير محلها، فإن الأصل في حقهم المنع؛ سدا لذريعة التقوي بها على المعاصي. ويستدل لهذا: وكان أيضا كثيرا ما يذكر ذلك شيخ العلامة ابن عثيمين رحمه الله: على أن إباحة الأطعمة والمباحات إنما هي لأهل الإسلام. وأما الكفار فإنها محرمة عليهم. ويعاقبون ويحاسبون عليها يوم القيامة. ويدل بقول الله عز وجل في سورة الأعراف: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة لهم يوم القيامة﴾. فالله عز وجل يقول: ﴿قل هي للذين آمنوا﴾. الله جعلها مباحة لهم -خصة بأهل الإيمان-. وفهم الآية: أن غير المؤمنين ليس لهم -ليس حلالا لهم-. وعلى هذا ذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى أن الكافر: الأصل في حقه: المنع. أنه ممنوع عليه حتى يسلم ويؤمن؛ لأنه يستعين بها على معصية الله سبحانه وتعالى. قال: قوله: «وامنع عبادة إلا بإذن الشارع» الأصل في العبادات الحظر والمنع. فلا يتعبد الإنسان بأي عبادة إلا بعبادة جاءت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال: شيخ الإسلام: العبادات ممنوعة على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداء. ودليل ذلك القرآن والسنة. أما القرآن: بقوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾. فما لم يأذن به الله جل وعلا فليس مشروعا -سواء في كتابه أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام-. قال: وقال تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله﴾. قال: فحصر الله التحليل والتحريم إليه سبحانه وحده. وقال تعالى: ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا﴾. وأما السنة: فحديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». أي: أن عمله مردود عليه. قال: الشاطبي رحمه الله في «الاعتصام»: وهذا أصل في أن الأصل في العبادات المنع والحظر. فقول: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا» يعني: ديننا -ليس عليه ديننا- «أمرنا» هنا بمعنى الدين والشريعة. «فهو رد» أي: مردود على الفاعل، غير مقبول. قال: وقال أيضا: هذا -يعني حديث عائشة- عده العلماء: ثلث الإسلام؛ لأنه جمع وجه المخالفة لأمره عليه السلام. ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية. وأخرج البيهقي في «السنن الكبرى» والخطيب في «الفقه والمتفقه» عن سعيد بن المسيب: أنه رأى رجلا يصلي بعد طلوع الفجر ركعتين زائدتين عن سنة الفجر، يطيل في سجودهما وركوعهما، فزجره عن ذلك. وأيضا حكى شيخ الإسلام: والأثر كما رواه البيهقي والخطيب. وهكذا أيضا الدارمي في «سننه». وهو صحيح: أنكر عليه ذلك؛ لأن هذا الفعل على غير هدى النبي صلى الله عليه وسلم وشريعته. والمسلم نهى عن الصلاة في مثل هذا الوقت. قال: وأيضا حكى شيخ الإسلام رحمه الله في «مجموع الفتاوى»: اتفاق السلف رحمهم الله على أن الأصل في العبادات الحظر والمنع. طيب نقف هنا إن شاء الله، ونقوم إن شاء الله في الدرس القادم.