شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 15

الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 15، ألقاها

التحذير من الشذوذ العلمي

يناقش التحذير من الشذوذ العلمي والانفراد بالفهم دون الرجوع إلى السلف، ويحذر من مغبة عدم الرجوع إلى فهم السلف عند تفسير النصوص الشرعية. يستشهد برسالة إمام الحرم رجب حول ظاهرة الظاهرية الذين جمدوا على ظواهر النصوص.

علم الكلام وآثاره السلبية

يتناول التحذير من علم الكلام وآثاره السلبية، حيث يرى أهل السنة أنه علم محدث أدى إلى الحيرة والضياع. يحذر من الخوض فيه لما فيه من شبهات ومخالفات للكتاب والسنة.

انتقاد طرق التلقي الصوفية

يناقش طرق التلقي عند الصوفية مثل الذوق والكشف والرؤى، ويبين أنها باطلة لأنها تدعي علم الغيب وتناقض الكتاب والسنة. يشير إلى أن العلم الصحيح مقيد بالكتاب والسنة.

ختام الدرس والإشارة للدرس القادم

يتم ختام الدرس بالإشارة إلى استكماله في الدرس القادم، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يشير إلى استمرارية الدروس وترابطها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحرم رجب رحمه الله في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف»: «وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم -يعني بعد زمن الأئمة من السلف-». قال: «فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة، وحدث من انتسب إلى متابعة السنة والحديث من الظاهرية». هكذا عندك يا بشير. وحدث -أو أحدث- ما رأيته. قال: «من الظاهرية ونحوهم، وهو أشد مخالفة لها؛ لشذوذه عن الأئمة، وانفراده عنهم بفهم يفهمه، أو يأخذ ما لم تأخذ به الأئمة من قبله». يحذّر رحمه الله من طريق بعض من انتسب إلى السنة ومتابعتها ممن وقع في شيء من الخطأ والشذوذ العلمي، كالظاهرية المنتسبين إلى أبي بكر داود الظاهري، ومن تبعه كابن حزم الأندلسي رحمه الله، ممن عنده غلو في باب التعامل مع ظواهر النصوص. فالظاهرية في كثير من المواضع نظروا إلى ظواهر النصوص بنظر الجمود، دون نظر إلى المعاني، فوقعوا في بعض الشذوذ في بعض المسائل، منها -مثلا- في مسألة نكاح البكر. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الأيم تستأمر، والأيم -يعني التي قد تزوجت من قبل- تستأمر -يعني يؤخذ أمرها-، والبكر تستأذن، وإذنها صماتها -يعني سكوتها-». قال الظاهرية: «إن تكلمت لم تنكح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وإذنها صماتها أن تسكت، فإذا تكلمت لا تنكح ولا تزوج». وهذا لا شك أنه من الجمود؛ لأن مقصود النبي عليه الصلاة والسلام أن البكر في الغالب تستحي، إذا قيل لها: فلان يخطبك، فإن لم ترده رفضت، وإن وافقت تسكت في الغالب لحيائها، فإذا سكتت دل ذلك على موافقتها، فإذا تكلمت كان ذلك من باب أولى، وزيادة في تأكيد الموافقة. فهم لم ينظروا إلى هذا المعنى، ورأوا وأخذوا بظاهر النص، قالوا: «لا بد أن تسكت». وهذا لا شك أنه جمود. وهكذا أيضا في قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، قالوا: «يجب على من حل من إحرامه أن يصطاد». وليس هذا المراد، المراد: إذا حللتم -يعني من إحرامكم- فاصطادوا، أي حل لكم الصيد، كما أنه كان حلالا لكم قبل الإحرام. وغير ذلك من المسائل التي وقع فيها الظاهرية في الجمود، وخالفوا بذلك كثيرا مما عليه الفقهاء. قال: «لشذوذه عن الأئمة، وانفراده عنهم بفهم يفهمه». كذلك أيضا يحذر رحمه الله من انفراد الشاص بفهم يفهمه دون الرجوع إلى فهم السلف، وهذا باب من أبواب ماذا التي يحصل فيها الانحراف والانزلاق، وكذلك البعد عن الصواب. أن ينظر الشاص إلى النصوص، ثم يفهمها بفهمه، ولا يرجع إلى فهم السلف، لا ينظر إلى فهم الصحابة، وإلى فهم التابعين، وماذا قالوا في هذه الآية أو في ذاك الحديث، فيخرج بفهم من عنده يشذ به عن العلماء. وهذا لا شك أنه منزلق. كمن قال -مثلا- بجواز قراءة القرآن بالمعنى؛ لأنه رأى حديثا أو أثرا أنه لا فرق أن تقول: «إن الله كان سميعا عليما» أو «كان عزيزا حكيما». قال: «هذا يدل على أنه يجوز قراءة القرآن بالمعنى». فشذ بهذا القول، ولم يقل به أحد من السلف. لم يقل به أحد من السلف بسبب انفراده بالفهم. هذا خطأ. ولذلك كان الأئمة ينصحون بأن أشخاصا لا يأتي بقول إلا وله فيه سلف، كما قال إمام أحمد رحمه الله: «لا تقول قولا إلا ولك فيه سلف». لماذا؟ لأن هذا يعصمك من الزلل، ومن الوقوع في الخطأ. إذا أردت أن تفهم آية، فلابد أن تنظر إلى أقوال الصحابة والتابعين فيها، وما قال فيها العلماء، فتأخذ بقولهم. إن اختلفوا، تنظر من هو الذي قوله أقرب إلى الصواب، فتأخذ بقوله. لكن أن تنفرد بقول من عندك، فتخالف به العلماء، هذا خطأ. ومثل أيضا من نظر إلى نصوص الأئمة في التحذير من المبتدعة، وفي هجرهم، وكذلك أيضا بحكمهم على قتل بعض المبتدعة الذين بلغت بدعتهم الكفر، فيأتي ويحكم على المبتدعة جميعا بالقتل، وماذا؟ وسفك الدم. هذا أيضا من الشذوذ والانحراف؛ وذلك بسبب عدم الأخذ بقول العلماء، والرجوع إلى أقوالهم، وإلى فهمهم لنصوص الكتاب والسنة. وأيضا لكذلك ما ثبت عن السلف من الآثار والأقوال في مثل هذه الأبواب. قال: «فأما الدخول مع ذلك في كلام المتكلمين أو الفلاسفة فشر محض، وقل من دخل في شيء من ذلك إلا وتلطخ ببعض أوضارهم -يعني ببعض أدرانهم وأوساخهم- من أقوالهم المخالفة للكتاب والسنة». كما قال الإمام أحمد: «لا يخلُو من نظر في الكلام إلا تجهَم». تجهَم -يعني أخذ بقول الجهم-، معقيدة الجهم، الجهم، نصفوان، رأس الجهمية. وهذا تحذير من الإمام أحمد رحمه الله من ماذا الخوض في علم الكلام. وقال بعض أهل العلم: «كرِه السلف علم الكلام لاجتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق». ومن ذلك مخالفتها للكتاب والسنة، وما فيه من علوم صحيحة، فقد وعّروا الطريق إلى تحصيلها -يعني يجعلوا بينك وبين الوصول إلى هذه العلوم الصحيحة سُبُل وعِرة وصعبة- وفيها ماذا ما فيها من الصعوبة. وكذلك أيضا من تشديق الكلام والعبارات التي لا يُفهم معناها، إلى آخر ذلك، وإطالة الكلام في إثباتها مع قلة نفعها. فهي «لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيُرتقى، ولا سمين فيُنتقل». فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشبه والشكوك، بل زادت الشبه والشكوك بسبب ذلك. فالمهم أن علم الكلام علم محدث، خاض فيه المتكلمون، فشغلوا أنفسهم بالقيل والقال، قالوا وقلنا، قالوا وقلنا، وهكذا ضيعوا النصوص، وتركوا نصوص الكتاب والسنة، وبقوا في الحيرة. أدّى بهم الخوض في علم الكلام إلى أن تحيروا، ولم يعرفوا أين الصواب، حتى كان مآل كثير منهم في آخر أمرهم إلى الرجوع إلى مذهب السلف، إلى الرجوع إلى مذهب السلف؛ كالفخر الرازي، والشهرستاني، وغيرهم ممن خاض في علم الكلام. ويقول الشهرستاني: «لعمري لقد خُط المعاهد كلها، وصيّرت طرفي بين تلك المعالم، فلم أر إلا واضعا كف حائر على ذقن، أو قارعا سن نادمي». هكذا يصف معاهد علم الكلام أنها أدت بهم إلى الحيرة والندم، وألعظ على أضراسهم ندماً وحسرة على ما حصل لهم من ضياع الأوقات، وذهاب الأعمار من غير فائدة، ولا تحصيل علم نافع. فرد عليه بعض أهل السنة: «لعلك أهملت الطواف بمعهد الرسول، ومن والاه من كل عالم، فما حار من يهدي بهدي محمد، ولست تراه قارعا سن نادمي». يعني لو طفت بمعاهد أهل السنة الذين ماذا اهتموا بالكتاب والسنة، لما حُرْتَ، ولا وقعت عليك الحيرة والندم، لكن أهملت هذه المعاهد المباركة، فلم تقف عليها. فالمهم أن علم الكلام علم محدث، حذّر منه السلف رضوان الله تعالى عليهم، ورحمهم الله. قال: «وكان هو -أي محمد- وغيره من أئمة السلف يحذّرون من أهل الكلام، وإن ذبّوا عن السنة -يعني وإن كان منهم من يذب عن السنة، ويدافع عنها-، ومع ذلك فحذّروا من هذه الطريقة التي كانوا يسيرون عليها». قال: «وأما ما يوجد في كلامي من أحب الكلام المحدث، واتبع أهله، من ذمّه من لا يتوسع في الخصومات والجدال، ونسبته إلى الجهل، أو إلى الحشو -يعني ادعاء بأنهم حشوية-، وهذا رمى به أهل الكلام أهل السنة لإثباتهم الصفات، أو إلى أنه غير عارف بالله، أو غير عارف بدينه، فكل ذلك من خطوات الشيطان، نعوذ بالله منه». وهذا أيضا ذم لأهل الكلام الذين أضاعوا أوقاتهم في الخصومات والجدال، والقيل والقال، ثم رموا من لم يفعل مثلهم، ويخوض بخوضهم، ويجادل ويخاصم، نسبوه إلى الجهل، وأنه ليس عنده علم، أو أنهم حشوية، كما قال، أو غير عارف بالله، أو غير عارف بدينه، أو نحو ذلك من الألقاب والأقوال التي قالوها في ذم من لم يخض بطريقهم، أو بخوضهم، ويسير على طريقهم. وهذا من تلبيس الشيطان عليهم. وإلا فالصواب ما عليه أهل السنة من ترك هذا الباب، وعدم الخوض في هذا السبيل. قال: «ومما أحدث من العلوم الكلام في العلوم الباطنة من المعارف وأعمال القلوب، ويريد بذلك علم التصوف وتوابعه، ذلك بمجرد الرأي والذوق أو الكشف، وفيه خطر عظيم». الذوق عند الصوفية هو: «فور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه، ويفرقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقل ذلك من كتاب أو غيره». هذا الذوق عند المتصوفة عبارة عن تجلي للتجلي الله سبحانه وتعالى في قلوب أوليائه، فيكشف لهم الأمور، فيميز بها بين الحق والباطل، دون أن ينظر إلى كتاب، لا ينظر إلى القرآن، ولا للسنة، ولا شيء. ولا شك أن هذا باطل. قال: «أول الكشف، والكشف عندهم الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية وجودا وشهودا». وهذا معناه أنهم يطلعون على علم الغيب، ويدعون بذلك علم الغيب. ولا شك أن هذا أيضا ظلال وكفر. والله عز وجل يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. هذه من طرق التلقي عند الصوفية: الذوق، والكشف، والرؤى، والمنامات، والإلهامات، وغيرها من الطرق التي يدعون بها التلقي. يقول التلمساني، وهو من أئمة التصوف ورؤوس الزندقة: «ثبت عندنا بطريق الكشف ما يناقض صريح العقل». ثبت عندنا بطريق الكشف ما يناقض صريح العقل -يعني ما لا يقبله العقل الصريح-. ومعلوم أن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح. ومعنى هذا أن عندهم بطريق الكشف أشياء لا يقبلها العقل، ولا يسلم لها العقل الصريح. وهذه الأمور هي من الكفر والزندقة. قالوا: «فيه خطر عظيم، وقد أنكره أعيان الأئمة كالإمام أحمد وغيره». وكان أبو سليمان -كما قال المعلق- الداراني، أبو سليمان الداراني من الصوفية المشهورين، يقول: «إنه لتمري النكتة من نكتة القوم». هكذا عندي في النسخة: «لتمري». قال في الأصل بالزاي -يعني لتمزي-. هكذا عندك بشير، بالزاي، بالراء. نعم. قال في التعليق بالزاي. قال: «أراه خطأ، فإنه من المزية -بمعنى الفضيلة-». قال: «والذي أراه أنه بالراء، من أمرة الناقة -أي در لبنها-، فيكون المعنى: لتمري النكتة -أي لتدر النكتة-، شبهها بدر اللبن». لكن ذكر صاحب اللسان أن المزي بالزاي: «المزو والمزي والمزية في كل شيء التمام والكمال». التمام والكمال. فقد يكون هنا معنى صحيح بالزاي: «لتمزي النكتة» -بمعنى لتكتمل وتتم-، تكتمل وتتم عند القوم -أي من الصوفية-. فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة. وهي بهذا المعنى بالزاي أقرب إلى الصواب، والله أعلم. والمعنى: أنه لا يقبل ما يأتي من عند الصوفية حتى يعرضه على الكتاب والسنة، حتى يعرضه على الكتاب والسنة. فإن ماذا وجد في الكتاب والسنة ما يدل على صحته قبله، وإلا رده. وذلك لكثرة ما عند القوم من مخالفات للكتاب والسنة. قال: «وقال الجنيد -وهو ينقل من أقوال ماذا المتصوفة الذين ليس عندهم من الانحراف ما عند غلاة التصوف-، والجنيد هو ابن محمد بن الجنيد، أبو القاسم الخزاز، نشأ ببغداد، وسمع بها الحديث، ولقي العلماء، ودرس الفقه على أبي ثور، وصاحب جماعة من الصالحين -كما في تاريخ بغداد-». قال: «فيه شيخ الإسلام رحمه الله بأنه من شيوخ أهل المعرفة المتبعين للكتاب والسنة». وقد رد عليه ابن عربي في مواضع، أي رد على الجنيد لعدم موافقته لهم. وقال في موضع آخر قال بخلاف الجنيد. قال الجنيد: «علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، من لم يقرأ القرآن، ويكتب الحديث، لا يقرأه في علمنا هذا». وهذا رد على المتصوفة والطرق التي سلكوها في هذا المسلك من الذوق والكشف وغيرها من هذه الطرق، وأنها طرق باطلة. والذي ينبغي هو أخذ الأمر بما ثبت في الكتاب والسنة. ومن أراد ماذا الزهد -والمعنى الذي كان عليه القدماء من المتصوفة- بمعنى الزهد والعبادة ونحو ذلك، فلابد أن يكون موافقا للكتاب والسنة. وأما التوسع الذي حصل بعد ذلك، والخروج عن الشريعة، فهذا أمر مردود. ولهذا نبه ابن رجب رحمه الله بعد ذلك، وذكر شيئا من ذلك مما وقع فيه المتصوفة من مخالفة الكتاب والسنة والخروج عن الشريعة. وهذا إن شاء الله نتركه في الدرس القادم بإذن الله. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على