شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 14

الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 14، ألقاها

فضل علوم السلف وأهميتها في التفسير والحديث

يُبين الإمام ابن رجب أهمية علوم السلف في التفسير والحديث، ويعتبرها الأفضل لأنها مأثورة عن الصحابة والتابعين. يشدد على أهمية التفقه في دين الله.

أهمية الاعتماد على كلام السلف في فهم الدين وضرورة التمييز بين الصحيح والضعيف

يؤكد النص على أهمية الرجوع إلى كلام السلف الصالح لفهم الدين بشكل صحيح، ويشدد على ضرورة معرفة الجرح والتعديل لتمييز الصحيح من الضعيف.

الاعتناء بكلام السلف وأئمة الدين والإسناد كجزء من الدين

يبرز النص أهمية العلم المأثور عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى أن الإسناد جزء من الدين، مع التأكيد على أهمية كتابة كلام أئمة السلف والاعتناء به.

جهود العلماء في جمع كلام الأئمة في العقيدة ومعاملة أهل البدع

اهتم العلماء بجمع كلام الأئمة في العقيدة ومعاملة المخالفين، وألفوا مؤلفات هامة في ذلك مثل كتب السنة للإمام أحمد والآجري والالكائي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام نرجب رحمه الله في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف»: قال: «فأفضل العلوم ما كان في تفسير القرآن ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام، ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، إلى أن ينتهي إلى زمن أئمة الإسلام المشهورين المُقتدى بهم، الذين سمَّيناهم فيما سبق. أفضل العلوم على جهة الإطلاق هو علم التفسير؛ لأنه يختص بكلام الله جل وعلا، الذي هو أفضل الكلام وأصدق الكلام. فالاهتمام بذلك والنظر في معاني القرآن ومعرفة أحكامه وفهمها مما يعين على تدبر القرآن وعلى فهمه ومعرفة معانيه. وهكذا بعده معاني الحديث؛ الحديث الذي قوال النبي عليه الصلاة والسلام، والسنة هي المصدر الثاني في التشريع بعد القرآن، فالاهتمام بها كذلك من أفضل العلوم. النظر في معاني الأحاديث ومجتملت عليه من أحكام ومن فوائد، هذا من العلوم المهمَّة النافعة. ولهذا يقول الشافع رحمه الله: فيما ينسى بليه كل العلوم سوى القرآن مشغلة، إلا الحديث وإلا الفقه في الدين. العلم ما كان قال فيه: حدثنا، وما سوى ذاك وسواس الشياطين. فأفضل العلوم وأشرف العلوم علم الكتاب والسنة، علم الكتاب والسنة، والتفقه في دين الله جل وعلا. وهكذا أيضًا النظر في الآثار الثابتة عن الصحابة رضوان الله عليهم، وهكذا عن التابعين فيما ورد من أقوالهم في تفسير القرآن، أو كذلك أيضًا في توجيه معاني الأحاديث، أو في الحلال والحرام. وهكذا أتباع التابعين، قال: إلى أن ينتهي إلى زمن أئمة الإسلام المشهورين، كالثور والليث والأوزاع وغيرهم من أئمة السلف. قال: «فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلم مع تفهمه وتعلقه والتفقه فيه». ضبط ما روي عنهم في ذلك يعني من الآثار، ضبط ألفاظها وتفهمها وتعقلها وتفقه فيها. قال: «وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه، إلا أن يكون شرحًا لكلام يتعلق من كلامهم». إذا ما وجد من الكلام والتوسع في كلام من بعدهم، إذا كان شرحًا لكلام يتعلق بكلامهم في تفسير آية أو شرح حديث يكون هذا الكلام توضيح وزيادة تبيين، فهذا أمر حسن. وأما ما كان مخالفًا لكلامهم فأكثره باطل، ولا منفعت فيه. ما كان من كلام يخالف كلام السلف فالغالب فيه أنه من الباطل، فلا منفعت فيه ولا يعبأ به ولا يؤخذ به، وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة. فلا يوجد في كلام من بعدهم حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظٍ وأخصر عبارة. من أراد الحق فهو موجود في كلام السلف وفي ألفاظهم وعباراتهم، فمن أراده فليأخذه منهم: من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، والتابعين وأتباع التابعين، وهكذا من سار على نهجهم على طريقهم وورث علمهم من علماء الأمة الموثوق بعلمهم، فإنه يجد كلامهم ككلامهم، لا يخالفهم ولا يخرج عن طريقتهم، فيأخذ منهم العلم والفقه ويستنير بأقوالهم. قال: «إلا ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله». ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم ولا يلم به. فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله، مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم. نعم، يوجد في كلامهم من المعاني البديعة التي هي في غاية من البيان والوضوح والفصاحة، والمآخذ الدقيقة والاستنباطات العميقة من كتاب الله ومن أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وفهم ماذا للنصوص لا يوجد عند من بعدهم. فلذلك الأخذ بفهمهم وبأقوالهم يحصل به النفع ويسلم به المرء من كثير من طرق الظلال والزيغ والانحراف. قال: «ويحتاج من أراد جمع كلامهم إلى معرفة صحيحه من سقيمه، وذلك بمعرفة الجرح والتعديل والعلل». فمن لم يعرف ذلك فهو غير واثق بما ينقله من ذلك، ويلتبس عليه حقه بباطله، ولا يثق بما عنده من ذلك. كما يرى من قل علمه بذلك لا يثق بما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن السلف لجهله بصحيحه من سقيمه، فهو لجهله يجوز أن يكون كله باطل لعدم معرفته بما يعرف به صحيح ذلك وسقيمه. يقول رحمه الله: بعد الاهتمام بهذا الأمر، وهو النظر فيه الآثار الواردة عن السلف، لا بد من الاعتناء بصحة الأسانيد والنظر في ذلك ومعرفة الصحيح من غيره، وتمييز الصحيح من الضعيف بمعرفة علم الجرح والتعديل، والنظر في كلام الأئمة الذين تكلموا في الرواة، فينظر من يقبل منه حديثه فيأخذ، ومن لا يقبل منه فيرد، حتى يبني أقواله ويأخذ من أقوالهم بما صح وثبت. وكذلك أيضًا ما كان واثقًا من ثبوته، سواء كان ذلك مما يتعلق بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الأهم. لا بد من تمييز صحيحها من سقيمها؛ لأنه سيبني أحكامًا على هذا الحديث، فلا بد أن يكون ما يبني عليه صحيحًا ثابتًا، وإلا لهدم كل ما بناه على هذا الحديث إذا تبين أنه ضعيف لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولذلك اهتم السلف رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله بذلك بتمييز الصحيح من غيره. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «كنا نحدث، كنا نأخذ الحديث ممن قاله، فلما وقعت الفتنة قلنا: سموا لنا رجالكم». فينظر أهل السنة فيوخذ منهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ عنهم. وهذا ذكره الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه. وأيضًا يقول ابن السيرين رحمه الله: «هذا العلم -إن هذا العلم- دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». وأيضًا قال بعض السلف: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء». فلهذا تم العلماء رحمهم الله بهذا العلم: علم الحديث، والنظر في صحة الأسانيد وبيان صحيحها من سقيمها. وأيضًا الآثار الواردة عن السلف. قال الأوزاعي: «العلم ما جاء به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فما كان غير ذلك فليس بعلم». وهذا الأثر ذكره ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية. قال: وكذلك قال الإمام أحمد. نعم، لا شك أن العلم ما جاء به أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؛ فهم ممن صاحب النبي عليه الصلاة والسلام وأخذوا الحديث من فيه، وشاهدوا نزول الوحي وعاصروه، فهم أعلم هذه الأمة، أعلم هذه الأمة على جهة الإطلاق. وكذلك أعلم بمراد النبي عليه الصلاة والسلام في سنته وأحاديثه. فلذلك من أراد أخذ العلم الصحيح فهو بما جاء عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. قال: «وقال في التابعين: أنت مخير بين كتابته وتركه»، يعني بين كتابة ما جاء عن التابعين وبين تركه وعدم كتابته. قال: «وقد كان الزهري يكتب ذلك». الزهري: محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد بن شهاب. قال: «وخالفه صالح بن كيسان، ثم ندم على تركه كلام التابعين». والذي ذكره ابن عبد البر رحمه الله في جامع بيان العلم وفضله: أن ذلك فيما يختص بما ثبت عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. قال صالح بن كيسان: «اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم، فقلنا: نكتب السنن. فكتبنا ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام». قال: «ثم قال أي الزهري: نكتب ما جاء عن أصحابه؛ فإنه سنة». فقلت أنا: «ليس بسنة، فلا نكتبه». قال: «فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت». يعني كتب الزهري فأفلح بذلك، وحصل على العلم الكثير مما كتبه عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وترك -وترك صالح بن كيسان- فضيع كثيرًا من العلم. فشاهد أن هذا الأثر فيما يتعلق بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «وفي زمننا يتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم إلى زمان الشافعي والإمام أحمد وإسحاق وأبي عبيد». ويريد بهذا الاعتناء بكلام السلف، وإن كانوا أبعد من التابعين؛ لأهمية ذلك وتقييد العلم، والسير على ما كانوا عليه في عقيدتهم وطريقتهم ومنهجهم، وذلك لأجل السلامة من الانحراف عن طريقهم. فلذلك قال رحمه الله بأنه يكتب ويتعين كتابة كلام أئمة السلف. وكذا يقال في هذا الزمن، فإنه يتعين النظر في كلام أئمة السلف والاعتناء به والأخذ به، والسير على ما كانوا عليه رضي الله تعالى عنهم. واهتم العلماء بذلك، وجمعوا كلام الأئمة في باب العقيدة، في معاملة أهل البدع والمعاملة مع المخالفين، وفي فهم نصوص الكتاب والسنة إلى آخر ذلك. أُلفت في ذلك المؤلفات الكثيرة: كالسنة للإمام أحمد، ولعبد الله بن إمام أحمد، وسنة للخلال، وهكذا الشريعة للآجري، وأصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، وغيرها من كتب السنة التي اعتنت بهذا الباب. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على