شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 13

الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 13، ألقاها

هدي النبي في الكلام والخطابة

كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بكلام واضح ومفصل وقصير يحفظه من جلس إليه، وكان ينهى عن كثرة القول وتشقيق الكلام. يعتبر البيان الذي يستخدم لنصرة الباطل مذموما.

البلاغة والإفراط في الكلام وآراء العلماء

الإيجاز والإطناب في الكلام لهما مقاماهما، والإفراط في الكلام مذموم. يستشهد بآثار وأحاديث نبوية تشير إلى ذم المبالغة في الكلام.

فضل السلف الصالح وذم كثرة الكلام

السلف الصالح كانوا أبر الأمة قلوبا وأعمقها علوما وأقلها تكلفا، ويحذر من الاغترار بكثرة كلام المتأخرين على حساب العلم النافع. العبرة ليست في كثرة الكلام بل في العلم والعمل به.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام ابن رجب رحمه الله في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف»: «وأما كثرة القول وتشقيق الكلام فإنه مذموم». كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم قصدا، كما في صحيح الإمام مسلم من حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه: «أن خطبة النبي عليه الصلاة والسلام كانت قصدا»، يعني مختصرة وقصيرة. «وكان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه»، يعني كلمات قليلة لو عدها العاد لأحصى كلماته عليه الصلاة والسلام. ذكر نحو ذلك ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد» في ذكر هدي النبي عليه الصلاة والسلام في كلامه، قال رحمه الله: «وكان إذا تكلم تكلم بكلام مفصل مبين، يعده العاد، ليس بهذ مُسرع ولا يُحفظ»، يعني ليس بكلام سريع لا يُحفظ، بل واضح بيّن سهل الحفظ، «ولا منقطع تخلَّ له السكتات، بل هديه فيه أكمل الهدي». قالت عائشة رضي الله عنها: «ما كان رسول الله يسرُد سردكم، ولكن كان يتكلم بكلام بيّن فصل يحفظه من جلس إليه». وهذا رواه الترمذي في «الشمائل»، وأيضا الإمام مسلم في صحيحه، لكن مختصرا في قولها: «لم يكن يسرُد الحديث كسردكم». هكذا كان كلام النبي عليه الصلاة والسلام كلاما واضحا بيّنا قليل الكلمات، يحفظه أو يسهل حفظه لمن أراد أن يحفظه. قال: «وقال: إن من البيان سحرًا»، وإنما قاله في ذم ذلك لا مدحا له كما ظن ذلك من ظنه. ومن تأمل سياق ألفاظ الحديث قطع بذلك. وهذا الحديث «إن من البيان السحرًا» رواه الإمام البخاري في صحيحه ومسلم كذلك، وبعض أهل السنن. قاله النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في بعض ألفاظ الحديث حين قدم رجلان من المشرق خطيبان، فتكلما ثم قعدا، وقام ثابت بن قيس خطيب النبي عليه الصلاة والسلام فتكلّم، فعجب الناس من كلامهما، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: «يا أيها الناس قولوا قولكم، إنما تشقيق الكلام من الشيطان»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان سحرًا». وسياق هذا الحديث ذكره الإمام البخاري رحمه الله في «الأدب المفرد». والإمام ابن رجب رحمه الله يقول: إن قول النبي عليه الصلاة والسلام «إن من البيان سحرًا» قاله في ذم ذلك لا مدحا له. ووجه الذم كما قال الإمام الخطابي رحمه الله في «معالم السنن»: أنه ذم التصنع في الكلام والتكلف لتحسينه وتزويقه ليروق السامعين، قوله: «ويستميل به قلوبهم فيحيل الشيء عن ظاهره ويزيله عن موضوعه إرادة التلبيس عليهم، فيصير ذلك بمنزلة السحر الذي هو نوع منه تخيل لا حقيقة له». هذا وجه الذم: أنه ببيانه وفصاحته وحسن تعبيره يستميل قلوب السامعين، ويزيّل لهم كلامه وموضوعه حتى يقبلوه وإن كان على خلاف الصواب. ومثله الرجل الذي يكون عليه الحق وهو ألحن بحجته من صاحبه، فبحسن تعبيره وبيانه يجُر القوم ويظن أنه هو صاحب الحق فيذهب بالحق. وهذا هو وجه الذم: البيان على مثل هذا الوجه الذي يصرف الحق ويبعده ويظهر الباطل وينصره، هذا مذموم. فالإمام ابن رجب رحمه الله يرى أن هذا القول من النبي عليه الصلاة والسلام قاله على وجه الذم لا المدح. وأكثر أهل العلم يفصلون، يقولون: إذا قيل هذا الكلام -يعني إذا جاء التعبير والبلاغة والفصاحة والبيان الذي يسحر السامعين- إن كان لنصرة الحق وإظهاره فهذا ممدوح، وإن كان لنصرة الباطل وإبعاد الحق فهذا مذموم، كما ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله والنووي وغيرهم من أهل العلم. والإمام مالك رحمه الله ذهب إلى ما ذهب إليه ابن رجب من كون لفظ الحديث أريد به الذم. ولهذا رواه مالك رحمه الله في «الموطأ» قال: «باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله»، وذكر فيه هذا الحديث. لكن كما ذكر أهل العلم أن الحديث محتمل للذم ومحتمل للمدح على حسب مراد المتكلم. إن كان بيانه نصرة للحق وإظهار للحق ودفع للباطل فهذا ممدوح، وإن كان لنصرة الباطل ودفع الحق فهذا مذموم. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «اتفق العلماء على مدح الإيجاز والإتيان بالمعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة، وعلى مدح الإطناب -يعني التطويل- في مقام الخطابة بحسب المقام». وهذا كله من البيان. نعم، الإفراط في كل شيء مذموم، وخير الأمور أوسطها. فهو يقول رحمه الله: الإيجاز والإتيان بالعبارات القليلة اليسيرة التي تحمل المعاني الكثيرة هذا أمر مطلوب وممدوح. وفي باب الخطابة، فالإطناب فيها والإطالة أمر كذلك ممدوح على حسب الحال. قد يقضي الحال الإطالة شيئا ما في الخطبة لأجل توضيح الموضوع وحصول البيان والإيضاح فيه. وقد يكون في موضوع آخر لا يحتاج فيه تلك الإطالة، بل يحتاج إلى الاقتصار والاختصار. فكل شيء فيه تفريط، وكذلك أيضا زيادة عن حده، فهو مذموم وخير الأمور أوسطها. قال: «وفي الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمر مرفوعا: إن الله ليبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تخلل البقرة بلسانها». والحديث رواه أبو داود وهو حديث صحيح. وقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليبغض البليغ من الرجال»، يعني المبالغ في فصاحة الكلام الذي يتخلل بلسانه كما تخلل البقرة بلسانها. «يتخلل بلسانه» قال ابن الأثير رحمه الله في «النهاية»: الذي يتشدق في الكلام ويلفه بلسانه يحرك لسانه عند النطق بالكلمات، قال: كما تلف البقرة الكل بلسانها لفا. شبه النبي عليه الصلاة والسلام بتخلل البقرة. قال أهل العلم: وذلك أن البهائم تأخذ النبات بأسنانها، وأما البقرة فإنها تحش النبات بلسانها، فلذلك ناسب تشبيه من بالغ في الكلام وإظهار الفصاحة بكثرة تحريك لسانه كحال البقرة التي تحرك لسانها عند أكلها. وهذا لا شك أنه على جهة الذم: أن هذا مذموم أن يبالغ الإنسان في الكلام فيخرج الكلمات بقوة وشدة، فهذا أمر مذموم. قال: «وفي المعنى أحاديث كثيرة مرفوعة وموقوفة على عمر وسعد وابن مسعود وعائشة وغيرهم من الصحابة». أثر عمر ذكره الإمام البخاري رحمه الله في «الأدب المفرد»: عن أنس رضي الله عنه قال: «خطب رجل عند عمر فأكثر الكلام، فقال عمر: إن كثرة الكلام في الخطب من شقاشق الشيطان». وأثر ابن مسعود في صحيح الإمام مسلم في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون». فالمبالغة في الكلام هذا من التنطع الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «فيجب أن يعتقد أنه ليس كل من كثر بسطه للقول وكلامه في العلم كان أعلم ممن ليس كذلك». وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أفضل ممن تقدم. فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله. ومنهم من يقول: هو أعلم من الفقهاء المشهورين السبعة المتبوعين -أي فقهاء المدينة- الفقهاء السبعة، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسعيد بن المسيب المخزومي، وأبو بكر بن عبد الرحمن المخزومي، وسليمان بن يسار المدني، وخارجة بن زيد بن ثابت. هؤلاء الفقهاء السبعة اشتهروا بهذا اللقب. وقد جمعهم بعض العلماء في قوله: إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن الحق خارجة، فقلهم: عبيد الله، عروة، قاسم، سعيد، أبو بكر، سليمان، خارجة. قالوا: هذا يلزم منه قبوله -يعني أن يكون أعلم ممن قبلهم- قال: لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثروا قولا ممن كان قبلهم، فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله، كان أعلم ممن كان أقل منهم قولا بطريق الأولى. يعني: إذا كان من بعدهم أعلم من هؤلاء السبعة، فهو من باب أولى أعلم ممن قبلهم؛ لأن هؤلاء السبعة كلامهم أكثر ممن كان قبلهم. ومن قبلهم أعلم منهم، فإذا كان من جاء بعدهم أعلم من هؤلاء السبعة، فهو أعلم كذلك ممن قبلهم. قال: كالثوري والأوزاعي والليث -أي ابن سعد- وابن المبارك وطبقتهم، ومن قبلهم من التابعين والصحابة أيضا. فإن هؤلاء كلهم أدل كلاما ممن جاء بعدهم. وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح وإساءة الظن بهم ونسب لهم إلى الجهل وقصور العلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فيتنبه المسلم وطالب العلم أن يغتر بالمتأخرين بكثرة كلامهم وكثرة فصاحتهم، فليظن أنه بذلك صار أعلم ممن قبله من السلف. قال: «ولقد صدق ابن مسعود في الصحابة: أنهم أبر الأمة قلوبا وأعمقها علوما وأقلها تكلفا». هذا الأثر ذكره ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله». قال ابن مسعود رضي الله عنه: «من كان منكم متأسيا فليتأسى بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا. قوما اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم». فالصحابة رضي الله عنهم كانوا أكثر الأمة علما وأقلها تكلفا. قال: «وروي نحوه أيضا عن ابن عمر». وفي هذا إشارة إلى أن من بعدهم أقل علوما وأكثر تكلفا. قال ابن مسعود أيضا: «إنكم في زمان كثير علماؤه وقليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه». فمن كثر علمه وقل قوله فهو الممدوح، ومن كان بالعكس فهو المذموم. قال المحقق في «العلم لأبي خيثمة» -يعني ذكره صاحب كتاب «العلم» أبو خيثمة في كتاب العلم-: وهذا الأثر كما نرى يذكر ابن مسعود رضي الله عنه أنه في زمانه رضي الله عنه كان العلماء فيه كثير والخطباء قليل، وأخبر أنه سيأتي بعدهم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه. وهذا موجود في هذا الزمان؛ فالخطباء كثر والعلماء قلة. ومع ذلك قد يغتر الكثير من الناس بكثير من هؤلاء الخطباء، فيظن أنهم هم العلماء الذين يؤخذ عنهم العلم والذين يلتف حولهم. ثم ذكر رحمه الله أن من كثر علمه وقل قوله فهو الممدوح، وإذا كان العكس: كثير الكلام قليل العلم، فهذا مذموم. قال: «وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن بالإيمان والفقه»، كما في الصحيح بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان يمان والحكمة يمانية». وأهل اليمن أقل الناس كلاما وتوسعا في العلوم، لكن هذا كما أشار المحقق أيضا ليس على إطلاقه؛ فهناك من أهل اليمن من هو كثير الكلام ومنهم من هو قليل الكلام، لكن ربما يكون على جهة الغالب أنهم كذلك. قال: «لكن علمهم علم نافع في قلوبهم، ويعبرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك». وهذا هو الفقه والعلم النافع. نعم، العلم النافع والفقه هو بفهم نصوص الكتاب والسنة والعمل بها، وليس بكثرة الكلام وكثرة المنطق. فبهذا نعلم خلاصة هذا المبحث: أن السلف رضوان الله تعالى عليهم هم أعلم الأمة، من الصحابة ومن بعدهم. فالصحابة أعلم الأمة، ثم التابعون، وهكذا من كان بعدهم. وكان السلف رضوان الله عليهم كلامهم قليل وعلمهم كثير، فليس العبرة بكثرة الكلام والمنطق، ولكن العبرة بفهم النصوص وكثرة العلم والعمل بما علم. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على