الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الأولى 5، ألقاها
ينقسم الواجب إلى معين ومبهم، وقد اختلف المعتزلة في التخيير في الواجب، حيث زعموا أن التخيير ينافي الوجوب. يرى المعتزلة أن التخيير بين أكثر من فعل ينافي مبدأ وجوب فعل الأصلح على الله تعالى.
المعتزلة يقولون بأن الكفارة واجبة على سبيل البدل، بينما أهل السنة والجماعة يقولون بأنها واجبة على سبيل الإبهام. الفرق بين القولين له أثر في أصل الإيجاب على الله.
يناقش تقسيم الواجب إلى مخير ومعين، ويرد على اعتقاد المعتزلة، ويشرح أن الواجب قد يكون واحدًا لا بعينه، كما ينقسم الواجب باعتبار وقته إلى مضيق وموسع.
الواجب الموسع هو ما يسع وقته أكثر من فعله، مثل الصلاوات الخمس. ومثاله في غير الواجب يشمل الوتر وركعتا الفجر والعيدان والضحى.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى: الواجب ينقسم إلى معين وإلى مبهم في أقسام محصورة. اعلم أن الواجب ينقسم ثلاث تقسيمات: ينقسم باعتبار ذاته إلى واجب معين لا يقوم غيره مقامه كالصوم والصلاة، وإلى مبهم في أقسام محصورة، فهو واجب لا بعينه كواحدة من خصال الكفارة في قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية. فالواجب واحد منها لا بعينه، فأي واحد فعله الحانث أجزأه. وزعم المعتزلة أن التخيير مطلقا ينافي ذلك الوجوب، باطل؛ لأنه لم يخير بين الفعل والترك تخيرا مطلقا حتى ينافي ذلك الوجوب. قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر أن الواجب ينقسم إلى تقسيمات ثلاثة، وذكر منها أو القسم الأول واجب باعتبار ذات الفعل، وذكر أنه على قسمين: واجب معين، وواجب مبهم في أقسام محصورة. بعد أن ذكر وبيّن ذلك، ذكر رحمه الله تعالى وأشار إلى خلاف المعتزلة في هذه المسألة، فقال: وزعم المعتزلة أن التخيير مطلقا ينافي ذلك الوجوب باطل. المعتزلة لماذا قالوا بهذا؟ يرجع هذا إلى مسألة التحسين والتقبيح العقليين عند المعتزلة. فالمعتزلة من مذهبهم في هذه المسألة أنهم يقولون: يجب على الله تبارك وتعالى أن يفعل الأصلح. قالوا: والتخيير ينافي هذا المعنى. فكون الله جل وعلا يقول للمسلم: إما أن تفعل كذا أو تفعل كذا، فأي شيء فعلت فقد أتيت بالمطلوب. قالوا: هذا ينافي الأصلح. قالوا: لو كان أحدها أصلح من الآخر لوجب على الله جل وعلا أن يقول: هذا هو الواجب، وما عداه ليس بواجب. فماذا قالوا؟ يعني الآن هذا وجه قولهم. الآن نأتي مثلا عند هذا المثال المذكور: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ هل تقول المعتزلة بأن هذا ليس بواجب أم ماذا تقول؟ تقول: هو واجب، لكن ليس بمبهم. يقولون: بأن هذا كله واجب. أي: إما أن تطعم أو تكسو أو تحرير رقبة، الواجب عاد على هذه الأمور الثلاثة على سبيل البدل. ما الفرق بينهم وبين قول الجمهور أو قول أهل السنة والجماعة؟ الفرق بين القولين: بأن المعتزلة يقولون بأن هذه الخصال المذكورة كلها واجبة على سبيل البدل. بمعنى أن من فعل أحدها فقد سقط عنه الواجب، قد قام بالواجب، أدى الواجب. غيرهم يقول: هذه الأشياء أو الكفارة المذكورة كلها واجب لا على سبيل التعيين، ولكن على سبيل الإبهام. فمهما فعل أحدها فقد فعل الواجب. ما الفرق بين القولين؟ هل هناك ثمرة؟ الفرق بين القولين بعضهم ذكر أن الخلاف صوري ليس له أثر، وبعضهم ذهب إلى أنه معنوي. وهذا لعله أظهر من وجوه: أولها أن أصل قول المعتزلة مبني على أصل فاسد، وهو الإيجاب على الله. يجب على الله أن يفعل كذا، ولا يجب عليه أن يفعل كذا، هذا قول باطل. قال رحمه الله: وزعم المعتزلة أن التخيير مطلقا ينافي ذلك الوجوب باطل؛ لأنه لم يخير بين الفعل والترك تخيرا مطلقا حتى ينافي ذلك الوجوب. معنى هذا أن قول المعتزلة أن التخيير ينافي الوجوب، ما معنى هذا؟ قوله: أن الله تبارك وتعالى جعل هذا الأمر على التخيير، ولزم أن ذلك الأمر ليس بواجب؛ لأنه لو كان أحدها واجبا، وفعل المكلف الثاني، يلزم أن يكون الثاني ليس بواجب. قال رحمه الله: بل لا يجوز ترك بعضها إلا مشروطا بفعل بعض آخر منها. أي: من الكفارات إذا ترك بعضها يجب أن يفعل إحدى ما وجب عليه من الكفارات. فلو ترك جميعها لكان آثما، ولا خيار له في ترك الجميع، ولا يجب عليه فعل جميعها إجماعا. فدل على أن الواجب واحد منها لا بعينه؛ لأن كل واحد منها يفي بالمقصود الشرعي، ولا يحصل دون واحد منها. ونظير ذلك تزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفئين الخاطبين، وعقد الإمامة لأحد الرجلين الصالحين. فإن كل ذلك يجب فيه واحد لا بعينه، ولا يمكن أن يقال فيه بإيجاب الجميع، ولا بسقوط إيجاب الجميع كما ترى. وينقسم الواجب أيضا باعتبار وقته إلى مضيق وموسع. فالواجب المضيق هو ما وقته مضيق. وضابطه: ما لا يسع وقته أكثر من فعله. كصوم رمضان في الواجب، وستة من شوال عند من يقول بأنها لا بد أن تكون متتابعة تلي يوم الفطر، وهو ظاهر حديث أبي أيوب وحديث ثوبان. والواجب الموسع هو ما يسع وقته أكثر من فعله، كالصلاوات الخمس. ومثاله في غير الواجب: الوتر، وركعتا الفجر، والعيدان، والضحى. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.