الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الأولى 26، ألقاها
يناقش حكم الاحتجاج بالقراءات القرآنية غير المتواترة، ويعرض آراء الفقهاء في جواز ذلك. يرى المؤلف جواز الاحتجاج بها كأخبار آحاد.
يناقش مسألة المجاز في القرآن، ويذكر آراء العلماء في جواز الاحتجاج بالقراءات غير المتواترة. يشترط الجمهور التواتر لثبوت القرآن.
يرد الشنقيطي على من يرى وجود المجاز في القرآن، مستدلاً على تفسير الآيات بحملها على ظاهرها. يذكر أمثلة من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ﴾.
يناقش مسألة المجاز في اللغة العربية، ويستشهد بقول القاضي حول عدم وجود ألفاظ بغير العربية في القرآن. يؤكد أن اللغة العربية تعبر عن أساليب العرب.
بسم الله الرحمن الرحيم على الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى. فصل: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فأما ما نقل نقلا غير متواتر كقراءة ابن مسعود رضي الله عنه: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" لقد قال قوم: ليس بحجة؛ لأنه خطأ قطعا إلى آخره. خلاصة ما ذكروا في هذا الفصل أن ما نقل آحادا كقراءة "متتابعات" المذكورة لا يكون قرآنا، وهذا لا خلاف فيه. وهل يجوز الاحتجاج به مع الجزم بأنه ليس قرآنا؟ قال جمع من أهل الأصول: لا يجوز الاحتجاج به؛ لأنه رواه على أنه قرآن، فلما بطل كونه قرآنا بطل الاحتجاج به من أصله. وقال قوم: يجوز الاحتجاج به كأخبار آحاد؛ لأنه لا يخرج عن كونه مسموعا من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومرويا عنه. وهذا هو اختيار المؤلف، وعليه فلا مانع من أخذ لزوم التتابع في صوم كفارة اليمين من قراءة ابن مسعود "متتابعات" وإن جزمنا أنها ليست من القرآن. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد: قوله رحمه الله تعالى: فصل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والقرآن يشتمل على الحقيقة والمجاز، وهو اللب المستعمل في غير موضعه، في غير موضعه الأصل على وجه يصح، كقوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ﴾ من الرحمة، وقوله: ﴿وَسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، وقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾، وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، وقوله: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ أي: أولياء الله. وذلك كله مجاز؛ لأنه استعمال اللفظ في غير موضعه. قال الشنقيطي رحمه الله: خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن ما نقل آحادا كقراءة "متتابعات" المذكورة لا يكون قرآنا، وهذا لا خلاف فيه؛ لأن عندهم أن القرآن أو القراءات السبع هي المعتبرة، وما عداها من قراءات يقولون: غير معتبرة. ثم انتقل إلى مسألة أخرى، وهي: هل يجوز الاحتجاج به باعتبار أنه لو لم يكن قرآنا لكن قاله النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ابن مسعود ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ ذكر الخلاف في هذه المسألة بين أهل العلم: منهم من يعتبره حجة، ومنهم من لا يعتبره حجة. قال رحمه الله: تنبيه: الأشياء التي لابد منها في ثبوت القرآن ثلاثة عند بعضهم، ونظمها ابن الجزري بقوله: "وكل ما وافق وجها نحوي وكان للرسم احتمالا يحوي وصح إسناد هو القرآن". فهذه الثلاثة الأركان. قال رحمه الله: والجمهور يشترطون فيه التواتر، فصح عدم الاشتراط في الثبوت. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والقرآن يشتمل على الحقيقة والمجاز... إلى آخره. قال الشنقيطي رحمه الله: ومن منع القول بالمجاز في القرآن: ابن قيم منداد من المالكية، وأبو الحسن الخرزي البغدادي الحنبلي، وأبو عبد الله بن حامد، وأبو الفضل التميمي، وداود بن علي، وابنه أبو بكر، ومنذر بن سعد البلوطي. وألف فيه مصنفا. قال رحمه الله: ومن أوضح الأدلة في ذلك أن جميع القائلين بالمجاز متفقون على أن من الفوارق بينه وبين الحقيقة أن المجاز يجوز نفيه باعتبار الحقيقة، دون الحقيقة فلا يجوز نفيها. فتقول لمن قال: رأيت أسدا على فرسه: هو ليس بأسد، وإنما هو رجل شجاع. قال الشنقيطي رحمه الله: وبهذا الباطل توصل المعطلون إلى أن في صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بدعوى أنها مجاز. قال رحمه الله: وقوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ﴾ ليس المراد به أن للذل جناحا، بل المراد بالآية الكريمة أنها من إضافة الموصوف إلى صفته. قال رحمه الله: ونظيره في القرآن: "مطر السوء"، و"عذاب الهون"، أي: المطر الموصوف بأنه يسوء من وقع عليه، والعذاب الموصوف بوقع الهون على من نزل به. قال رحمه الله: وكذلك قوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ لا مجاز فيه؛ إذ لا مانع من حمل الإرادة في الآية على حقيقتها؛ لأن للجمادات إرادات حقيقية. قال رحمه الله: وكذلك قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ لا مجاز فيه، بل إطلاق اسم المحل على الحال فيه وعكسه كلاهما أسلوب معروف من أساليب اللغة العربية. قال رحمه الله: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، وقوله: ﺳِفَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ لا مجاز فيه. وبذلك اعترف أكثر علماء البلاغة، حيث عدوا هذا النوع من البديع وسموه باسم "المشاكلة". قال رحمه الله: نعم، زعم قوم من علماء البلاغة أن المشاكلة من علاقات المجاز المرسل، فسموا ما استعمل في غير معناه عندهم للمشاكلة "مجازا". وليس بصحيح. قال رحمه الله: وأكثر المتأخرين على أن في الآيات التي ذكرها المؤلف مجازا، كما هو معروف. وقد بينا منع القول بالمجاز في القرآن في رسالتنا التي ألفناها في ذلك. قال رحمه الله: وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ على ظاهرها، ليس فيها حذف ولا تقدير ولا مجاز. قال رحمه الله: هو قول المؤلف في تعريف المجاز: وهو اللفظ المستعمل في غير موضعه الأصلي على وجه يصح. قال رحمه الله: والتحقيق أن اللغة العربية لا مجاز فيها، وإنما هي أساليب عربية تكلمت بها العرب. قال المؤلف رحمه الله: قال القاضي: ليس في القرآن لفظ بغير العربية... إلى آخره. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.