شرح المذكرة - مقرر السنة الأولى 15

الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الأولى 15، ألقاها

مسألة الأمر بالشيء ونهي عن ضده وتفاصيلها

يناقش هذا الفصل مسألة فقهية حول الأمر بالشيء وعلاقته بالنهي عن ضده، ويستعرض آراء الفقهاء والأصوليين في هذا الشأن. يبين الشروط التي يجب توافرها لكي يكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده ويشرح الآثار المترتبة على كل رأي.

آراء الفقهاء في مسألة الأمر والنهي

يستعرض هذا الفصل آراء الفقهاء المختلفة حول مسألة الأمر بالشيء ونهي عن ضده، ويشرح المذاهب الثلاثة في هذه المسألة كما بينها ابن القيم رحمه الله. يبين استدلالات كل مذهب والآثار المترتبة عليها.

دعاء وذكر وتوبة

يتضمن هذا الفصل ذكر الله تعالى والاستغفار والتوبة إليه، حيث يتم تسبيح الله وتمجيده والاعتراف بتوحيده، ثم يطلب المغفرة والتوبة. يعبر عن التضرع إلى الله والاعتراف بذنوب الإنسان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى: فصل، قال المؤلف رحمه الله: الأمر بالشيء نهي عن ضده من حيث المعنى، فأما الصيغة فلا. فإن قوله: قم، غير قوله: لا تقعد. وإنما النظر في المعنى، وهو أن طلب القيام هل هو بعينه طلب ترك القعود؟ إلى آخره. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا العبد ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، بعد أن ذكر رحمه الله تعالى ما ذكر من المسألة السابقة، وهي أن الحرام ضد الواجب، ثم ذكر ما تطرق عن ذلك، ذكرها هنا مسألة، وهي كما ترون متعلقة بالمسألة التي قبلها، وهي: هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ فلما قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: «من حيث المعنى، فأما الصيغة فلا»، من حيث المعنى يقول: نعم؛ لأن الإنسان إذا قال مثلا السيد قال لغلامه: قم، من حيث المعنى: ما معنى أنك لا تقعد؟ واضح. لكن من حيث اللفظ: هل معنى «قم» هي معنى «أقعد»؟ الجواب: لا، واضح، فرق. طيب، قد يقول قائل: يعني قبل أن ننتقل إلى كلام الشنقيطي الذي سيوضح مسألة هذه: ما ثمرة هذه المسألة؟ واضح، ما ثمرة هذه المسألة باعتبار الثواب والعقاب؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى: من حيث ما ترتب عليها من اعتقاد، واضح. أما المسألة الأولى، وهي: ما ترتب عليها من ثواب أو عقاب، فإن القائل بأن الأمر بالشيء هو عينه النهي عن ضده، معنى ذلك أن من ترك المأمور به، أنه يعاقب عقوبتين: يعاقب بماذا؟ يعاقب عقوبتين: الأولى تركه المأمور، والثانية فعله المحظور، واضح، جماعة، وهذا لازم قول من يقول بهذه المقالة. ومن قال بالعكس يقول: لا، واضح، جماعة. ومن قال بالتفصيل، الذي هو الصحيح في المسألة -سيأتي بيانه- يقول: كذلك لا يلزم، واضح، جماعة، إنما يعاقب على الأمر إن تركه، أو يستحق العقوبة على الأمر إن تركه، ولا يلزم من ذلك أنه يستحق العقوبة كذلك على ماذا؟ على فعل خلاف الأمر، واضح، جماعة. هذه ثمرة المسألة من حيث ماذا؟ من حيث ما يترتب عليها من ثواب أو عقاب، ومن حيث ما يترتب عليها من اعتقاد، هذه المسألة متعلقة بمسألة عقدية، سيأتي الكلام عليه والإشارة إليه من كلام العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: «اعلم أن كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده فيه ثلاثة مذاهب: الأول: أن الأمر بالشيء هو عين نهي عن ضده، وهذا قول جمهور المتكلمين، وذهب إليه ذلك بعض الشافعية والحنفية». ماذا قال رحمه الله؟ قالوا: «أسكن» مثلا، السكون المأمور به هو عين ترك الحركة، فهو إذا عين نهي عن الحركة أيضا، فالأمر بالسكون هو نهي عن الحركة. قالوا: «وشغل الجسم فراغا هو عين تفريغه للفراغ الذي انتقل عنه، والبعد من المغرب هو عين القرب من المشرق، وهو بالإضافة إلى المشرق قرب، وإلى المغرب بعد». قالوا: «ومثل ذلك طلب السكون، فهو بالنسبة إليه أمر، وإلى الحركة نهي». والذين قالوا بهذا القول اشترطوا في الأمر كون المأمور به معينا، وكون وقته مضيقا. كون المأمور به معينا يعني: اشترطوا في الأمر كون المأمور به معينا، وكون وقته مضيقا، لماذا؟ معينا؛ لأن غير المعين -غير المعين- أي: إذا كان مثلا على سبيل ماذا؟ التخيير، يقول: لا يلزم منه ماذا؟ لا يلزم منه أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، لماذا؟ لأنه قد يترك شيئا ويعمل بماذا؟ بالآخر، كما في خصال كفارة، كما سيأتي بيان ذلك. قال رحمه الله: «أما إذا كان غير محين كالأمر بواحد من خصال الكفارة، فلا يكون نهيا عن ضده، فلا يكون في آية الكفارة نهي عن ضد الاعتاق مثلا عند هؤلاء». لماذا؟ سيأتي التعليم. قال: «لجواز ترك الاعتاق من أصله والتلبس بضده والتكفير بالإطعام مثلا». طيب، مثاله يقول: في مسألة الكفارة: هل من ترك الاعتاق في الكفارة -الكفارة على سبيل ماذا؟ التخيير، واضح: إما العتق، وإما الإطعام، وإما الكسوة- لو أن إنسانا ترك الاعتاق، ما فعل الاعتاق، أو هل الأمر بالاعتاق نهي عن ضده الذي هو ترك الاعتاق؟ الجواب ماذا؟ الجواب: لا عند هؤلاء، لماذا؟ لاحتمال أن يفعل غير ذلك المأمور، مثل ماذا؟ ترك الاعتاق، وفعل ماذا؟ الإطعام، واضح. قال رحمه الله: «فإن الأمر حينئذ نهي عن ضد الأحد الدائر وضده هو ما عدا تلك الأشياء المخير بينها». وكذلك الوقت الموسع، فلا يكون الأمر بالصلاة في أول الوقت نهيا عن التلبس بضدها في ذلك الوقت. معنى هذا: أن إنسانا مثلا لو ترك الصلاة في أول الوقت، هل الأمر بالشيء هنا نهي عن ضده؟ يقول: لا، لماذا؟ احتمال أن يفعله في الوقت الأوسط، في الوقت ماذا؟ الآخر. قال رحمه الله: «بل يجوز التلبس بضدها في أول الوقت وتأخيرها إلى وسطه أو آخره بحكم توسيع الوقت». والخلاصة عندهم: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده بشرطين: الأول: أن يكون الأمر ماذا؟ معينا، وأن يكون الوقت مضيقا، هذان الشرطان. قال مقيده -عفا الله عنه-: «الذي يظهر والله أعلم أن قول المتكلمين ومن وافقهم من الأصوليين: أن الأمر بالشيء هو عين نهي عن ضده، مبني على زعمهم الفاسد: أن الأمر قسمان: نفسي ولفظي، وأن الأمر النفسي هو المعنى القائم بالذات المجرد عن الصيغة». وبقطعهم النظر عن الصيغة واعتبارهم الكلام النفسي، زعموا أن الأمر هو عين نهي عن الضد. قال الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى: رد المسألة كما يقال إلى بابها وإلى أصلها، فيقول: بأن القائلين بهذا القول سبب قولهم مبنى على ماذا؟ على مسألة عقدية، ما هي المسألة العقدية؟ قولهم بأن الكلام ينقسم إلى قسمين: كلام نفساني وكلام ماذا؟ لفظي. قال رحمه الله: «المذهب الثاني: أن الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده، لكنه يستلزمه». يستلزم يعني: مثلا إذا قال إنسان: إذا قال السيد لغلامه: قم يا غلام، يلزم منه أنه ماذا؟ أنه لا يقعد، واضح، يقول له: كل يا غلام، أو اشرب، معناه ماذا؟ يلزم منه أنه لا يترك هذا الأمر، فهو باللفظ لم يأمره بالترك باللفظ، لكن يلزم من الأمر الترك، واضح، وإن لم يتفطن ولم يبدل في ذهنه الأمر بالترك، واضح. قال رحمه الله: «لأن قولك: اسكن مثلا، يستلزم نهيك عن الحركة». يستلزم يعني: تأمل إلى الاستلزام؛ لأن لفظ الاستلزام دلالة عقلية، واضح، دلالة عقلية، ليس دلالة ماذا؟ لفظية. قال رحمه الله: «لأن المأمور به لا يمكن وجوده مع التلبس بضده، استحالة اجتماع الضدين لاستحالة عقلا». هذه دلالة ماذا؟ عقلية، ولا دلالة لفظية؟ عقلية. قال رحمه الله: «وما لا يتم الواجب إلا به واجب كما تقدم». وعلى هذا القول أكثر أصحاب مالك، وإليه رجع الباقلاني في آخر مصنفاته، وكان يقول بالأول. وهذا هو الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام التيمية رحمه الله تعالى، وكذلك تلميذه ابن القيم. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «تنازع الناس في الأمر بشيء: هل يكون أمرا بلوازمه؟ هل يكون نهيا عن ضده؟» يقول: «مع اتفاقهم على أن فعل المأمور لا يكون إلا مع فعل لوازمه وترك ضده»، واضح. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «كذلك موضحا هذه المسألة ومجليها». قال: «إن الأمر بالشيء نهي عن ضده عن طريق اللزوم العقلي، لا القصد الطلب». فإن الآمر إنما مقصوده فعل المأمور، فإذا كان من لوازمه تركه الضد، صار تركه مقصودا لغيره، واضح. قال رحمه الله: «المذهب الثالث: أنه ليس عينه ولا يتضمنه، وهو قول المعتزلة والإذخار والأذخاريين من المالكية، وإمام الحرمين والغزالي من الشافعية». واستدل من قال بهذا: بأن الأمر يجوز أن يكون وقت الأمر ذاهلا أن الآمر بأن الآمر يجوز أن يكون وقت الأمر ذاهلا عن ضده، وإذا كان ذاهلا عنه، فليس ناهيا عنه؛ إذ لا يتصور أنه عن الشيء مع عدم قصوره بالبال أصلا. قال رحمه الله: «ويجاب عن هذا بأن الكف عن الضد لازم لأمره لزوما لا ينفك؛ إذ لا يصح امتثال الأمر بحال إلا مع الكف عن ضده، فالأمر مستلزم ضرورة للنهي عن ضده لاستحالة اجتماع الضدين». قالوا: «ولا تشترطوا إرادة الآمر كما أشار إليه المؤلف رحمه الله». هذا كان ينبغي أن يكون مسألة لوحده، لكن أدرج إدراجا هنا. قال رحمه الله: «قولهم هنا: ولا تشترطوا إرادة الآمر في هذا المبحث غلط؛ لأن المراد بعدم اشتراط الإرادة في الأمر إرادة الأمر وقوع المأمور به». أما إرادته لنفس اقتضاء الطلب المعبر عنه بالآمر، فلابد منها على كل حال، وهي محل النزاع هنا. الثانية: وهي كما قال: محل النزاع، ما هي محل النزاع؟ الآمر إذا أمر من أمر بأمر: هل بذلك الأمر أراد ذلك الأمر أم ما أراده؟ أي: جماعة، أراده ما أو ما أراده؟ إذا قال الله جل وعلا: وأقيموا الصلاة، هل أراد ذلك أم ما أراده؟ هل أراده شرعا؟ أراده ماذا؟ شرعا. إذا قال السيد لغلامه: قم، هل أراد منه القيام أم لا؟ هذا كما يقال: لا يتصور هذه المسألة إلا من ماذا؟ يعني إذا ما قلنا بأنه أراد الأمر، الأمر إذا لا فرق بين العاقل والمجنون، واضح، إذا لم يرد الأمر، الأمر في أمره، إذا لا فرق بين العاقل والمجنون، لماذا؟ لأن المجنون لا إرادة له، مجنون قد يقول لك: قم، وما يريد قائل القيام، مجنون، هذا مجنون، تركه ليش؟ لأن ما عنده إرادة، ما يريد. لكن العاقل إذا قال لك: قم، يريد منك القيام أم لا؟ يريد منك القيام، إذن إذا صح هذا في المخلوق، فالخالق من باب أولى. فصل المسألة وفصل النزاع في هذه المسألة: أن الأمر يكون مرادا باعتبار، ولا يكون مرادا باعتبار، واضح، الأمر يكون مرادا باعتبار ماذا؟ باعتبار الإرادة الشرعية، ولا يكون مرادا باعتبار أي: باعتبار الإرادة ماذا؟ الكونية، واضح. قال رحمه الله: «ومن المسائل التي تنبني على الاختلاف في هذه المسألة: قول الرجل لمرأته: إن خالفت نهي فأنت طالق، ثم قال: قومي، فقعدت». فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فقوله: قومي، هو عين النهي عن القعود، فيكون قعودها مخالفة لنهيه المعبر عنه بصيغة الأمر، فتطلق. قال رحمه الله: «وعلى أنه ليس عين نهي عن الضد ولا مستلزما له، فإنها لا تطلق». إذن المذاهب الثلاثة: على قول المتكلمين من الأشاعرة تطلق، على قول أهل السنة والجماعة -تأتي مسألة ماذا؟- لازم القول: هل هو قول أم لا؟ على ماذا؟ بالمعتزلة لا تطلق. قال رحمه الله: «تنبيه: تكلم المؤلف رحمه الله على الأمر بالشيء الذي له ضد، ولم يذكر حكم الشيء الذي له أضداد متعددة». وحكمهما واحد، فالأمر بالشيء نهي عن الضد الواحد، أو مستلزم له، إلى آخره. ونهي عن جميع الأضداد المتعددة، أو مستلزم لها، إلى آخره. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على