الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الأولى 16، ألقاها
يتناول شرح شروط التكليف في الشريعة الإسلامية، حيث يبين الشروط المتعلقة بالمكلف والفعل المكلف به. يشمل ذلك العقل والبلوغ والعلم بالفعل وإمكانية القيام به.
يناقش تكليف فئات خاصة مثل الصبي المميز والنائم والناسى والسكران، مع اختلاف العلماء في هذه المسائل. يشمل ذلك آراء الجمهور ومالك في تكليف الصبي المميز وغيره.
يناقش تكليف المكره والكفار بفروع الإسلام، ويبين حكم الإكراه في التكليف ومخاطبة الكفار بفروع الإسلام. كما يشمل ذكر دعاء الاستغفار والتوبة والثناء على الله.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى: فصل، قال المؤلف رحمه الله تعالى: التكليف في اللغة إلزام ما فيه خلفة، أي مشقة. قالت الخنساء: يكلفه القوم ما نابهم وإن كان أصغرهم مولدا. فقد عرفنا التكليف لغة واصطلاحا فيما تقدم. وقوله: وهو في الشريعة الخطاب بأمر أو نهي، قد بينا فيما تقدم وجه إدخال الجائز في أقسام التكليف مع أنه ليس مكلفا به فعلا ولا تركا، أي هذا قد تقدم الكلام عليه. قال رحمه الله: قال المؤلف رحمه الله: وله شروط بعضها يرجع إلى المكلف، وبعضها يرجع إلى نفس الفعل المكلف به إلى آخره. أما شروط التكليف الراجعة إلى المكلف، فذكر منها العقل والبلوغ وعدم النسيان وعدم النوم، فجعل السكران الذي لا يعقل غير مكلف، ولم يجعل عدم الإكراه شرطا، فالمكره عنده مكلف. وذكر الخلاف في اشتراط الكفار بالنسبة إلى فروع الإسلام، ولذا ذكر أن الكفار اختلف في خطابهم بفروع الإسلام. وذكر ثلاثة شروط راجعة إلى نفس الفعل المكلف به، الأول: علم المكلف بما أُمر به، فلا يصح تكليفه بما لا يعلمه. الثاني: كون الفعل المأمور به معدوما، لأن التكليف بتحصيل الموجود تحصيل حاصل، وهو محال. الثالث: كونه ممكنا، فلا يصح التكليف بالمحال. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، انتقل الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى إلى الكلام على التكليف، ومن هو المكلف، ومن هو ممن، ومن هو من ليس بمكلف. وكما ذكر من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى أن الأصل في التكليف أو مناط التكليف هو العقل. قال رحمه الله: هذا حاصل ما ذكره من شروط التكليف. ودونك تحقيق المقام في الشروط المذكورة. أما اشتراط العقل في التكليف فلا خلاف فيه بين العلماء، إذ لا معنى لتكليف من لا يفهم الخطاب. وأما لزوم قيم المتلفات وأروش الجنايات لمن لا عقل له كالصبي الصغير والمجنون، فهو من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف. هذا قوله، وهو جواب عن إشكال، أو جواب لسؤال قد يعرض في هذه المسألة. قال رحمه الله: وأما الصبي المميز، فجمهور العلماء على أنه غير مكلف بشيء مطلقا، لأن القلم مرفوع عنه حتى يبلغ. وعن أحمد رواية مرجوحة بتكليف الصبي المميز. ومذهب مالك وأصحابه تكليف الصبي بالمكروه والمندوب فقط دون الواجب والحرام. قالوا: للإجماع على أنه لا إثم عليه بترك واجب، ولا بارتكاب حرام، لرفع القلم عنه. أما المكروه والمندوب، فاستدلوا لتكليفه بهما بحديث الخفمية. قال رحمه الله: وأما النائم والناس، فاختلف في تكليفهما. فقيل: غير مكلفين، كما درج عليه المؤلف. وأما النائم، قالوا: لأنه لا يفهم الخطاب، لأنه طرأ على عقله عارض، ما هو هذا الطارع العارض؟ النوم. قال رحمه الله: فقيل: غير مكلفين، كما درج عليه المؤلف، للإجماع على سقوط الإثم عنهما. ولو كانا مكلفين، كانا آثمين بترك العبادة حتى فات وقتها، لأجل النوم والنسيان. وقيل: هما مكلفان، بدليل الإجماع على وجوب القضاء عليهما. قال رحمه الله: جمع بعض محقق الأصوليين من المالكية بين القولين، بأن قال: إن عدم النوم والنسيان شرط في الأداء لا في الوجوب. فالصلاة واجبة عليهما، مع أنهما غير مكلفين بنفس أدائها. قال رحمه الله: وعلم أن ما جزم به المؤلف رحمه الله من كون الناس والنائم غير مكلفين، يشكل عليه وجوب قضاء الصلاة، والإجماع على أنها قضاء. وقد يجاب عنه بأن القضاء وجب بانعقاد سبب الوجوب، وإن منع من تمامه مانع النوم أو النسيان. قال رحمه الله: وأما السكران الذي لا يعقل، فجزم المؤلف بأنه غير مكلف. وبيّن أن لزوم الطلاق للسكران، ولزوم قيم المتلفات للنائم والناس، أن ذلك من خطاب الوضع. قال رحمه الله: وعلم أن العلماء اختلفوا فيما يلزم السكران. ومما قيل في ذلك التفصيل، لأن السكر قد يذهب جميع عقله، حتى يكون لا يعقل شيئا، وهو المعروف بالسكران الطافح. وقد يذهب بعض عقله، ويبقى معه بعضه. قال رحمه الله: فالأظهر في الطافح أنه لا يلزمه شيء من العقود، ولا العتق، ولا الطلاق، ولا الجنايات، إلا ما كان من خطاب الوضع، كغرم قيمة المتلفات. وأما الذي لم يفقد جميع عقله، فهو الذي فيه خلاف. قال رحمه الله: فإن قيل: قد دل القرآن على تكليف السكران، في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فالجواب عن هذا الإشكال من جهتين، ذكرهما المؤلف. الأولى: أن المراد بالنهي النهي عن شرب الخمر في أول الإسلام، قبل تحريمها، قرب أوقات الصلاة، بحيث يغلب على الظن أنها يدخل وقتها، وهو سكران. الثانية: أن المراد بالنهي خطاب من وجد مبادئ النشاط والطرب، قبل زوال عقله، فإنه إن ابتدأ الصلاة في ذلك الوقت، قد يتمكن منه السكر في أثنائها. قال رحمه الله: تنبيه، قد أشار تعالى إلى ما يعرف به زوال السكر، وهو أن يكون فاهما لما يتكلم به، غير طائش عنه، وذلك في قوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. قال رحمه الله: وأما المكره، فجزم المؤلف بأنه مكلف. وإطلاقه تكليفه من غير تفصيل، لا يخلو من نظر، إذ الإكراه قسمان. قسم لا يكون فيه المكره مكلفا بالإجماع، كمن حلف لا يدخل دار زيد، فقهره من هو أقوى منه، وكبله بالحديد، وحمله قهرا حتى أدخله فيها، فهذا النوع من الإكراه صاحبه غير مكلف. وقسم هو محل الخلاف، الذي ذكره المؤلف، وهو ما إذا قيل له: افعل كذا، وإلا قتلتك. وجزم المؤلف بأن المكره مكلف. وظاهر كلامه أنه لو فعل المحرم الذي أكره عليه، لكان آثما. والظاهر أن في ذلك تفصيلا. قال رحمه الله: وأما في غير حق الغير، فالظاهر أن الإكراه عذر، يسقط التكليف، بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. وفي الحديث: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». قال رحمه الله: وأما خطاب الكفار بفروع الإسلام، فاختلف فيه. فقيل: غير مخاطبين بها. واحتج من قال بأنهم غير مخاطبين، بأنهم لو فعلوها في حال كفرهم، لم تقبل منهم، ولا يجب قضاؤها عليهم بعد الإسلام. قال رحمه الله: وهذا الاحتجاج مردود، لأنهم مخاطبون بها، وبما لا تصح إلا به، وهو الإسلام. كالمحدث يخاطب بالصلاة، وبما لا تصح الصلاة إلا به، كالطهارة. قال رحمه الله: والحق أنهم مكلفون بها، لدلالة النصوص على ذلك. فمن الأدلة عليه، قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُنْ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُنْ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾. قال رحمه الله: ومن الأدلة على ذلك، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى يَضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُخْلَدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. قال رحمه الله: وعلم أن المسألة فيها ثلاثة أقوال: الأول أنهم مخاطبون بها، وهو الحق. الثاني أنهم غير مخاطبين بها مطلقا. الثالث أنهم مخاطبون بالنواهي، لصحة الكف عن الذنب منهم، دون الأوامر. قال رحمه الله: وأما الجواب عن كونها لا تقضى بعد الإسلام، فهو أن الإسلام يجب ما قبله. قال المؤلف رحمه الله: يقطع ما قبله. إلهنا سبحانك، اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.