الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الأولى 32، ألقاها
اختلف العلماء في حكم النسخ قبل بلوغ المكلف، حيث ناقشوا ما إذا كان الحكم يثبت بمجرد ورود الناسخ أو بعد بلوغ المكلف وعلمه به، واستدلوا بأدلة من السنة النبوية. واستعرضوا آراء الفريقين في هذه المسألة.
يناقش المقطع مسألة نسخ الأحكام الشرعية، حيث يجوز نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بمثلها، والآحاد بالآحاد، كما تنسخ السنة بالقرآن، مع ذكر أمثلة على ذلك. ويبين أنواع النسخ المختلفة في الشريعة الإسلامية.
يناقش المقطع مسألة نسخ القرآن بالسنة المتواترة، حيث يطرح آراء مختلفة حول هذه المسألة ويستدل لها بأدلة من القرآن والسنة، ويحلل آراء العلماء حول هذا الموضوع. ويعرض تحليلا لأقوال أحمد بن حنبل والشافعي وابن تيمية.
المقطع يتضمن الدعاء إلى الله بالتسبيح والاستغفار والتوبة، ويعبر عن التضرع والاعتراف بالذنوب واللجوء إلى الله طلباً للمغفرة. ويشدد على أهمية هذه العبادات في حياة المسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشقيق رحمه الله تعالى: على المؤلف رحمه الله تعالى فصول. إذا نزل الناسخ، فهل يكون نسخا في حق من لم يبلغه؟ إلى آخره. حاصل هذا المبحث أن الحكم اختلف فيه: هل يثبت بمجرد وروده وإن لم يبلغ المكلف، أو لا يثبت بحق المكلف إلا بعد بلوغه له؟ قال القاضي: إنه لا يقال نسخا حتى يبلغ المكلف؛ لأن أهل قباء دلهم نسخ استقبال بيت المقدس وهم في الصلاة، فاعتدوا بما مضى من صلاتهم. ولو كان الحكم يستقر بمجرد وروده وإن لم يعلم به المكلف، لما اعتدوا بما مضى من الصلاة قبل العلم بالناسخ. قال أبو الخطاب: يتخرج أن يكون نسخا بناء على قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الوكيل: أنه ينعزل بعزل الموكل وإن لم يعلم الوكيل بالعزل. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: إذا نزل الناسخ فهل يكون نسخا في حق من لم يبلغه؟ هذه مسألة من مسائل النسخ التي تترتب عليها فروع فقهية. وهي: هل يعتبر النسخ بمجرد وروده ونزوله وإن لم يعلم به المكلف، أم لا يكون نسخا إلا بعد علم المكلف به؟ كما ذكر رحمه الله تعالى عن القاضي -وهو الباقلاني- أنه لا يكون نسخا حتى يبلغ المكلف؛ إذ أن الأحكام لا تترتب ولا تثبت إلا مع العلم والقدرة. وقد مر معنا في بداية الكلام على النسخ ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، نقلا عن مذهب أحمد رحمه الله تعالى: وهو أن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه الناسخ. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الصواب في هذا الباب كله: أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن ومع العلم، وأنه لا يقضى ما لم يعلم، وأنه لا يقضي المكلف ما لم يعلم وجوبه. واستدل على ذلك بما حصل من حوادث في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة، منها ما جاء في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه حينما نزل قول الله جل وعلا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكلون ويشربون حتى يميز أحدهم عقاله الأبيض من عقاله الأسود. ثم نزلت بعدها آية الفجر، فكان بعضهم لا يعلم بمقتضى حكمها. فلما أخبر عدي النبي صلى الله عليه وسلم بما وقع له، لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء يوم مكان اليوم؛ لأن ذلك كان باعتبار أن الورود هو العبرة، والعبرة في الورود بمعرفة المكلف. فدل هذا الحديث وغيره من الأدلة -إذ ساقها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في مجموع الفتاوى التاسع عشر- على أن القول الصواب في هذه المسألة هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ إذ هو الذي دلت عليه الأدلة، ومنها قصة أهل قباء. فقد كانوا يصلون، وجاءهم الآتي وأخبرهم بتحويل القبلة، وأن القبلة الأولى نسخت. وما أمروا بإعادة الصلاة، بل تحولوا من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة. وفعلهم ذلك يدل على أن النسخ لا يعتبر إلا بعد معرفة المكلف له والتمكن من العمل. فهذا هو الصواب في هذه المسألة، والله أعلى وأعلم. ويتفرع على هذا الخلاف نسخ خمسين صلاة ليلة الإسراء. فعلى أن الحكم يثبت بمجرد الورود، فهي منسوخة في حق الأمة. وعلى عكسه فلا. ومن الفروع: أنها منسوخة باعتبار أن أول ما فرضت كانت خمسين، ثم نسخت إلى خمس. فهي منسوخة في حق من لم يعلموا بها، لكن باعتبار الورود. وعلى القول الثاني: أنه لا يكون نسخا إلا بعد التمكن والعلم، لا يكون نسخا. قال رحمه الله: ومن الفروع المبني عليه عزل الوكيل بموت موكله أو عزله له قبل العلم. وهل تصرفه بعد موت موكله أو بعد عزله له قبل علمه بذلك ماض أو لا؟ الخلاف في ذلك مبني على الخلاف في هذه المسألة. وهذه المسألة يتجاذبها أصلان: الأصل الأول والأصل الثاني أن الأصل في الأموال الحرمة، والأصل في التصرف بحق الغير الحرمة. فلما تجاذب الأصلان وقع الخلاف بين العلماء. فمن نظر إلى أصل حرمة الأموال في الوكالات ونحوها، قال: بمجرد أن ينهي الموكل الوكالة عن الوكيل، يثبت ذلك، فلا يصير الوكيل وكيلا شرعيا، وتصرفاته بعد ذلك تكون غير معتبرة باعتبار تغليب حرمة المال أو حرمة التصرفات في حق الغير. كأن يكون يزوج امرأة، يوكله بأن يزوج ابنته أو أخته، ثم يتراجع، يقول: لا، تراجعت عن توكيل فلان أن يكون وكيلا عني في كذا. فأقول: من هذا أن الناظر في هذه الأصول وتغليب هذه الأصول قال: بانتهاء الوكالة بمجرد أن ينهي الموكل الوكالة. ومن نظر إلى هذه المسألة باعتبار آخر -أي باعتبار التمكنت والعلم للوكيل- يقول: يسري حق الوكيل وتصرفات الوكيل حتى يبلغه ذلك الخبر. قال رحمه الله: وينبني على الخلاف في هذه المسألة أيضا: من أسلم في دار الكفر ولم يجد من يعلمه أمر دينه -كالصلاة والصوم- ومن نشأ على شاهق جبال وهو على الفطرة، ولم يجد من يعلمه. ثم بعد ذلك حصل العلم بأمور الدين لكل منهما. فعلى أن الحكم يثبت بالورود، فعليهما قضاء ما فاتهما من الصلاة والصوم. وعلى أنه لا يستقل إلا ببلوغه للمكلف، فلا قضاء عليهما. واحتج من قال: لا يستقل إلا ببلوغه للمكلف -فلا قضاء عليهما- وهو الراجح؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، إلى غير ذلك من أدلة دالة على أن العبرة بالاستطاعة، وكذلك العبرة بالعلم. والحكم الشرعي قال الله جل وعلا: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. وكذلك فرع عن هذه المسألة: من مات والحالة كذلك. من مات والحالة كذلك يكون مات وليس بآثم؛ لأنه فعل ما وصله من العلم. مثلا: ما علم من الإسلام إلا لا إله إلا الله، محمد رسول الله. ما علم أن هناك صلاة، صيام، زكاة. مات على هذا. تنفعه أو لا تنفعه؟ الدليل: حديث حذيفة رضي الله عنه وأرضاه في قوله: «لا تقوم الساعة حتى يأتي زمان الناس لا يعلمون إلا أن يقولوا: لا إله إلا الله». فقال له صلته: «ما تنفعه هذه الكلمة؟» قال: «تنجيه من النار». لماذا تنجيه من النار؟ لأنه ما يعلم من دين الله إلا هذه الكلمة، وفعل بمقتضى علمه، لا سيما إذا لم يكن مفرطا في طلب العلم ولا معرضا عنه. قال رحمه الله: وحجة من قال: لا يستقل إلا ببلوغه للمكلف؛ لأن الناس مخاطبون، والخطاب يشترط فيه علم المخاطب به، فلا يكون خطابا في حق من لم يبلغه. ورد القائلون بثبوته بالورود وإن لم يبلغ المكلف: بالاحتجاج بقصة أهل قباء: بأن الخطأ في القبلة يؤذن فيه، كمن صلى إلى غير القبلة يظن أنها القبلة. وكما يدل له قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ على أحد التفسيرات، وعليه أكثر أهل العلم. وإلى هذه المسألة أشار المراقي بقوله: «هل يستقل الحكم بالورود أو ببلوغه؟» إلى آخره. فالعزل بالموت أو العزل، كذا قضاء جاهل، كذا قضاء جاهل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل: يجوز نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بمثلها، والآحاد بالآحاد، إلى آخره. اعلم أن هذه الصور الثلاث لا خلاف فيها بين العلماء، يعتد به. كما حكى غير واحد الإجماع عليها، وخلاف من خالف في ذلك لا يعتد به، ولا وجه له. فنسخ القرآن بالقرآن كنسخ اعتداد الحول بالاعتداد بأربعة أشهر وعشر. ونسخ السنة بالسنة المساوية لها سندا -كقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور»- في رواية الحديث، وقوله: «زوروا القبور؛ فإنها تذكر الموت». سندا: أي نسخ المتواتر بالمتواتر، والآحاد بالآحاد. قال رحمه الله: ويفهم مما ذكرنا: أن نسخ الآحاد بالمتواتر جائز من باب أولى؛ إذ أنه إذا صح نسخ الآحاد بالآحاد، فنسخه بالمتواتر من باب أولى. والأمر واضح كما ذكر رحمه الله تعالى. والأدلة الشرعية تدل على وقوع هذا النوع من النسخ. قال رحمه الله: قال المؤلف رحمه الله تعالى: والسنة بالقرآن -يعني أن السنة تنسخ بالقرآن- سواء كانت متواترة أو آحادا. وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لوقوع هذا الأمر. وما وقع لا ينبغي أن يخالف فيه مخالف. ولكن روي عن الشافعي منع نسخ السنة بالقرآن، قائلا: إن النسخ للسنة إنما هو بسنة موافقة للقرآن. قال رحمه الله: ومثال نسخ السنة المتواترة بالقرآن: نسخ استقبال بيت المقدس بالسنة المتواترة، بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. يعني: هذه الآية نسخت استقبال بيت المقدس في الصلاة. هل ثبت استقبال بيت المقدس بالقرآن؟ ثبت بالسنة المتواترة؛ لأن الصحابة كلهم كانوا يصلون إلى بيت المقدس. فلما نزلت الآية ذهب منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر الناس بأن القبلة قد تحولت. فهذا نسخ للسنة متواترة بالقرآن، فهو واقع. وما كان واقعا فلا ينبغي أن يحصل فيه خلاف. قال رحمه الله: ومثال نسخ السنة الثابتة بالآحاد بالقرآن: نسخ رد المسلمات إلى الكفار الذي وقع عليه الصلح في صلح الحديبية، في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾. وهذا كذلك حينما جاء نساء الصحابة -النساء المسلمات- بعد صلح الحديبية. وكان من صلح الحديبية: من جاءهم -يعني من جاء المسلمين- من الكفار ردوه، ومن جاء من المسلمين إلى الكفار لا يردوه. لكن لما جاء النساء نزلت هذه الآية، نسخت الحكم الأول. فنسخت الآية القرآنية السنة التي هي آحاد. قال رحمه الله: ومن أمثلته: تحريم المباشرة في ليالي رمضان الذي كان ثابتا بالسنة، فإنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾، وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. هكذا ذكر المؤلف هذا المثال لنسخ السنة بالقرآن، تبعا للغزالي في المستصفى. مع أن بعض العلماء جعل هذا المثال من نسخ القرآن بالقرآن، قائلا: إنه مقتضى التشبيه في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: أي وكان من قبلنا لا تحل لهم المباشرة في ليالي رمضان بعد النوم أو صلاة العشاء. فعلى هذا، فالآية ناسخة لما دل عليه التشبيه لنا بمن قبلنا. والله أعلم. والظاهر -والله أعلى وأعلم- ما ذهب إليه الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في هذه المسألة؛ إذ أن الصواب في كلام العلماء رحمهم الله تعالى في تفسير الآية في قول الله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: المراد أصل الصيام، وليس المراد بأوصافه؛ إذ أن أوصافا كثيرة مما كتب علينا في الصيام تخالف أوصاف التي كان عليها من قبلنا. منها أولا: أن صيامنا في شهر رمضان كاملا. ومن سوانا كانوا يصومون أياما كما جاء في أهل الكتاب: من يهود كانوا يصومون عاشورا. الأمر الثاني من أحكام الصيام كذلك: أننا نحن نصوم إلى غروب الشمس، واستحب تعجيل الفطر. بخلاف اليهود ومن شاكلهم، فإنهم لا يفطرون حتى يسود الليل. أيضا: السحور -أكلة السحور- كما قال نبي صلى الله عليه وسلم: «فارق ما بيننا وبين أهل الكتاب: أكلة السحور». هذا كذلك من المفارقة، إلى غيرها من الأشياء. فالأظهر -والله أعلى وأعلم- أن ذلك الحكم ثبت بالسنة، ثم نسخ بالقرآن. والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله: ومنه نسخ جواز تأخير الصلاة حالة الخوف الثابت بفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة الأحزاب، بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية؛ لأن في غزوة الأحزاب -كما تعلمون- النبي صلى الله عليه وسلم، ليس مرة، أكثر من مرة، كانت ربما ما أدركوا الصلاة إلا قبل غروب الشمس، وأحيانا بعد غروب الشمس -كما جاء في الوقائع- على الصحيح من أقوال أهل العلم في غزوة الأحزاب. ثم بعد ذلك شرع الله صلاة الخوف، فكان نسخة لما كان قبله. قال رحمه الله: قال المؤلف: يعني شرعها بالقرآن، فكان ناسخة لما ثبت بالسنة. فيكون من باب نسخ القرآن للسنة. قال رحمه الله: فأما نسخ القرآن بالسنة المتواترة، فقال أحمد رحمه الله: لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده، إلى آخره. حاصل هذا القول: منع نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وأحرى الآحاد؛ لأن الله يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. والسنة لا تكون خيرا من القرآن ولا مثله. وقد مدح تعالى نفسه بأن ذلك لا يقدر عليه غيره، بقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وهذا القول هو قول أحمد، كما ذكره. وهو كذلك قول الشافعي، كما في الرسالة. وهو اختيار ابن قدامة، وكذلك ابن تيمية رحم الله الجميع. قال رحمه الله: قال مقيده -عفا الله عنه-: التحقيق جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة هو وقوعه. ومثاله: نسخ آية خمس رضاعات بالسنة المتواترة. ها هنا وقع تصحيف. والله أعلى وأعلم: الصواب ومثاله نسخ آية عشر رضاعات بالسنة المتواترة. ما هي السنة المتواترة؟ الخمس رضاعات. العشر رضاعات نسخت بالسنة -أي بالخمس رضاعات- لحديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها. وحديث عائشة مختلف فيه: هل هو سنة أم أنه من القرآن؟ فمن قال: بأنه من القرآن، رد هذا الاستدلال، وقال: هذا من نسخ القرآن بالقرآن. وهو الذي ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى وغيره كما مر معنا. قال رحمه الله: ونسخ سورة الخلع وسورة الحب بالسنة المتواترة. هذه السور ذكروا أنها كانت في مصحف أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه، وأنها كانت في ترتيبها في مصحف أبي تقرأ بعد سورة العصر. وهذا يحتاج إلى دليل على نسخها، بما ذكره رحمه الله. قال رحمه الله: والجواب عن الاستدلال بالآية الكريمة: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. العلماء القائلون بأن القرآن لا ينسخ إلا بالقرآن استدلوا -كما مر معنا- بقول الله جل وعلا: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾: يدل على أن النص لا ينسخ آية بآية -أي قرآن بقرآن-؛ لأن ما سوى القرآن من السنة -ولو كانت متواترة- ليست مثل القرآن، فلا تكون خيرا منه. ثم ما ذكر من أمثلة استدل بها أصحاب القول الآخر على أن من باب نسخ القرآن بالسنة المتواترة، قالوا: هذا لا يسلم، بل هو من نسخ القرآن بالقرآن الذي دلت عليه السنة. فحقيقة الناسخ ما هو قرآن بقرآن. حقيقة الناسخ قرآن بماذا؟ بقرآن. وهذا هو الأقرب، والله أعلى وأعلم. قال رحمه الله: والجواب عن الاستدلال بالآية الكريمة: هو أن كل من الناسخ والمنسوخ من عند الله تعالى، فهو الناسخ للحقيقة، ولا يقدر على ذلك غيره. وهذا: هل هو محل النزاع؟ ليس هذا محل النزاع. محل النزاع في الناسخ الذي هو دليل النسخ أو علامة النسخ. علامة النسخ أو دليل النسخ الذي هو ماذا؟ الذي جعله الله ناسخا. وإلا الناسخ -كما مر معنا- من هو؟ هو الله تبارك وتعالى. لكن جعل النسخ بماذا؟ دلالات: آيات قرآنية، أو أحاديث نبوية. قال رحمه الله: كما بينه بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ قُلْ إِنَّمَا أُنْزِلَ مِنَ اللَّهِ﴾، ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. ولكنه يظهر النسخ على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم أتى بآية أخرى مثلها، كان حقق وعده. فلم يشترط في الآية المذكورة أن تكون الآية هي ناسخة بعينها. ثم أتى بآية أخرى مثلها، كان حقق وعده. فلم يشترط في الآية المذكورة أن تكون الآية هي ناسخة بعينها. فيجوز أن ينسخ الأولى على لسان نبيه بوحي غير القرآن، ثم بعد نسخها بآية، ثم بعد نسخها يأتي بآية أخرى مثلها. ولا تنافي بين هذا وبين ظاهر الآية الكريمة كما ترى. قال رحمه الله تعالى: وقد قال بعض العلماء: ليس المراد الإتيان بنفس آية أخرى خير منها، بل المراد: نأتي بعمل خير من العمل الذي دلت عليه الأولى، أو مثله. والله تعالى أعلم. وهذا أبعد. أو هذا أقرب؟ كل هذه التكلفات لأجل ماذا؟ لأجل أن يثبت القول بأنه يجوز نسخ القرآن بالسنة. وهذا يدلنا على أن الحق يكون أبلج، وأن من خالف أصاب، تظهر عليه علامات المخالفة. لكن العالم يكون مجتهدا، العالم مجتهد، يقول بحسب علمه وبحسب ما فتح الله تبارك وتعالى عليه من العلم، فهو مأجور -بين الأجر والأجرين-. قال رحمه الله: والحديث الذي أورد عن جابر رضي الله عنه مرفوعا: «القرآن ينسخ حديثي، وحديثي لا ينسخ القرآن». الظاهر أنه غير صحيح، وتفيد نقيضه السنة الثابتة مما يدل على عدم صحته. بل هو حديث موضوع، ذكره الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في الميزان. إلهنا سبحانك الله وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.