شرح الباعث الحثيث 61

الدرس في شرح الباعث الحثيث 61، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

معرفة المشهور والفرق بين اصطلاح المحدثين والأصوليين

يشرح هذا المحور النوع الثلاثين من علوم الحديث وهو معرفة المشهور، مبيناً أن الشهرة نسبية وتعتمد على أهل الصنعة، ويفصل الفرق بين منهج المحدثين الذين يجعلون المتواتر قسماً من الآحاد ومنهج الأصوليين الذين يقسمون الخبر إلى متواتر وآحاد فقط، مع الإشارة إلى أن المشهور قد يكون صحيحاً أو حسناً أو موضوعاً.

الأحاديث الموضوعة وأنواع الغريب والعزيز والمشهور

يتناول المحور النوع الثلاثين الخاص بالأحاديث الموضوعة التي لا أصل لها كما ذكر الإمام أحمد، ثم ينتقل إلى النوع الحادي والثلاثين في تعريف الغريب والعزيز والمشهور من حيث عدد الرواة وحكم كل منهم، ويختم بالنوع الثاني والثلاثين المتعلق بغريب ألفاظ الحديث وأهميته ومؤلفاته المبكرة.

المسلسل في مصطلح الحديث: تعريفه وأقسامه وحكمه

يشرح المحور نوع المسلسل في غريب الحديث وهو تسلسل الرواة في لفظ أو حال مخصوص، مبيناً أن أغلب المسلسلات ضعيفة وقليل ما يصح منها، مع ذكر أمثلة صحيحة كالمسلسل بالأولية والمسلسل بقراءة سورة الصف، ومحذراً من المبالغة في الضعيف منها.

دعاء بالخير وحفظ العلماء وطلبة العلم

يختم المتحدث بدعاء جامع يسأل الله فيه حسن الخلق والسلامة من الفتن والتوفيق للطاعات وحفظ العلماء وطلبة العلم في مختلف المناطق، ويختتم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم ومبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر ابن كثير: أقول: ابن كثير بالضم للاتباع على وجه القطع لشهرة هذا اللقب عليه، وهو اسم لبعض أجداده البعيدين، ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة. النوع الثلاثون: معرفة المشهور. والشهرة أمر نسبي، فقد يشتهر عند أهل الحديث أو يتواتر ما ليس عند غيرهم بالكلي. العبرة في علم الحديث بأهل الصنعة لا بآحاد، لا بغيرهم من آحاد العلماء. العبرة في علم الحديث بأهل الصنعة لا بغيرهم من آحاد العلماء، فقد يعرف أهل الصنعة في صنعتهم وصنعتهم من الأسرار والعلوم ما لا يعلمه غيرهم أو لا يطلعون عليه أصلاً. وهذا في كل الفنون، فتجد عند علماء العربية من العمور العلمية ما ربما لا يعرفه بعض علماء الأصول، وبعض علماء الحديث، وبعض علماء الفقه، وغير ذلك. وغير ذلك قد لا يطلع عليه أصلاً. إذن العبرة في كل فن بأهله، العبرة في كل فن بأهله. فإذا جاء باب من العلم فخذه عن أهله، ولا تأخذه عن غير أهله فتضل عن سواء السبيل وتخطئ في ذلك العلم أخطاء قبيحة. قال رحمه الله: والشهرة أمر نسبي، فقد يشتهر عند أهل الحديث أو يتواتر ما ليس عند غيرهم بالكلي، والعكس أيضاً قد يشتهر عند غير أهل الحديث من الأحاديث ما ليس له أصل ولا إسناد عند المحدثين، بل ربما كان كذباً محضاً. قال: ثم قد يكون المشهور متواتراً أو مستفيضاً، وهذا ما زاد نقلته على ثلاثة. هذه العبارة ملخصة من كلام ابن الصلاح، وفيها رد على الأصوليين الذين يجعلون المتواتر قسيماً للآحاد. هذا فيه رد على الأصوليين والمتكلمين الذين يجعلون المتواتر قسيماً للآحاد، فيقولون: والخبر ينقسم إلى قسمين: متواتر وآحاد. هذا موجود في كتب الأصول، وفي بعض كتب علوم مصطلح الحديث المتأخرة التي وقع فيها شيء من الغلط مثل هذا، مثل كتاب نزهة النظر شرح نخبة الفكر، نوجد هذا فيها. إذن تقسيم الأحاديث والخبر إلى قسمين: متواتر وآحاد، هذا قسم مقابل لهذا القسم يتقابلان، هذا ليس من اصطلاح المحدثين. هل فهمنا هذه المقدمة؟ هذا ليس من اصطلاح المحدثين، وإنما هو من اصطلاح الأصوليين والمتكلمين. هل فهمنا هذا؟ وأما المحدثون فالسنة كلها عندهم آحاد، ومن الآحاد: المتواتر، والمشهور، والعزيز، والغريب، الفرد. هذه طريقة المحدثين وهذا نهجهم، وهذه المسألة مهمة وعظيمة وهي خفية على كثير من أهل العلم، أهل الحديث المتأخرين، فضلاً عن غيرهم من الناس، وينبغي فهمها فهماً جيداً صحيحاً. يقول ابن كثير: ثم عن ابن الصلاح: ثم قد يكون المشهور متواتراً أو مستفيضاً، وهذا ما زاد نقلته على ثلاث. الحديث إذا رواه جماعة ثلاثة فما فوق يسمى مشهوراً، وإذا زادوا في الكثرة في الطرق وتتابعوا يسمى متواتراً، وإذا زادوا يسمى أيضاً مستفيضاً. إذن المتواتر قسم من المشهور عند علماء الحديث. قال: وهذا ما زاد نقلته على ثلاثة. وعن القاضي الماوردي أن المستفيض أقوى من المتواتر، وهذا اصطلاح منه أي خاص به في تعبيراته، فإنه أصل هذا الأصل وهو أن المستفيض أقوى من المتواتر عندهم. وقد يكون المشهور صحيحاً كحديث «الأعمال بالنيات»، وحسناً. نعم، قد يكون المشهور صحيحاً أو حسناً، وقد يكون غير ذلك. وقد يشتهر بين الناس أحاديث لا أصل لها أو هي موضوعة بالكلي، أي مكذوبة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ألفت في هذا كتب كثيرة، ككتاب العجلوني: كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، والمقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة للسخاوي. كتب كثيرة في هذا الباب. قال: وهذا كثير جداً، يعني أحاديث مشهورة بين الناس وهي لا أصل لها. قالوا: من نظر في كتاب الموضوعات لأبي الفرج بن الجوزي عرف ذلك على شدة فيه في الأحكام، فينبغي التأمل في أحكامه ودراستهم. وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: أربعة أحاديث تدور بين الناس في الأسواق لا أصل لها: «من بشرني بخروج آذر بشرته بالجنة» - وآذر في اصطلاحنا اليوم يقابل شهر مارس - «ومن آذى ذمياً فإني خصمه يوم القيامة»، و«نحشر لكم يوم صومكم»، و«للسائل حق وإن جاء على فرس». أحاديث لا خطام لها ولا زمام لها ولا إسناد لها، يتداولها الناس وكأنها عندهم اليقين التام وهي لا أصل لها، كما قال الإمام أحمد رحمهم الله: لا أصل لها، أي لا إسناد لها كما هو معلوم. النوع الثلاثون. النوع الحادي والثلاثون: معرفة الغريب والعزيز. أما الغرابة فقد تكون في المتن بأن يتفرد بروايته راوٍ واحد، أو في بعضه كما إذا زاد فيه واحد زيادة لم يقلها غيره، وقد تقدم الكلام على زيادة الثقة. وقد تكون الغرابة، وقد تكون الغرابة في الإسناد كما إذا كان أصل الحديث محفوظاً من وجه آخر أو وجوه ولكنه بهذا الإسناد غريب. فالغريب ما تفرد به واحد، وقد يكون ثقة وقد يكون ضعيفاً، ولكل حكمه. فإن اشترك ثنان أو ثلاثة في روايته عن الشيخ سمي عزيزاً، فإن رواه عنه جماعة سمي مشهوراً كما تقدم، والله أعلم. الغريب ما انفرد بروايته راوٍ واحد، وقد يكون هذا الانفراد مقبولاً فيقال: حديث غريب صحيح، أو فرد صحيح. وقد يكون خطأً أو ضعيفاً فيقال: غريب ضعيف، فرد ضعيف، أي مردود. ولهذا لفظة الغريب قد يكون بها معناها الفرد في هذا الموضع، وقد يتوسع فيها، والغرابة أوسع. قد تكون الغرابة في الإسناد، قد تكون في المتن، قد يكون غريباً أي مستغرفاً لكونه جاء بإسناد غير الإسناد المعروف في هذا المتن، أو يكون هذا الإسناد يروى به متن معين فيروى فيه متن آخر فيقال: هذا غريب. والحاصل أن الغريب والفرد في هذا الموضع ما تفرد به راوٍ، وقد يقبل وقد يرد: إن كان ثقةً قبل، وإن كان ضعيفاً رد. هذا معنى قوله: ولكل حكم. العزيز ما اعتز بغيره وقوية بغيره، ما رواه اثنان يسمى عزيزاً لأن رواية الفرد قد عززها راوٍ آخر، وقيل: ولو كان ثلاثاً. والمشهور ما كان بثلاثة فأكثر سُمّي مشهوراً، وقد يكون صحيحاً وقد يكون مكذوباً موضوعاً أو لا أصل له. قال رحمه الله تعالى: النوع الثاني والثلاثون: معرفة غريب ألفاظ الحديث، أي الألفاظ التي تستغرب ويحتاج الناظر إلى فهم معناها لغموض معناها. قال: وهو من المهمات المتعلقة بفهم الحديث والعلم والعمل، لا بمعرفة صناعة الإسناد وما يتعلق به. إذن معرفة معاني ألفاظ غريب الحديث بحث من بحوث المتن لا من بحوث الإسناد. قال الحاكم: أول من صنف في ذلك النضر بن شميل. وقال غيره: أبو عبيدة معمر بن المثنى. وأحسن شيء وضع في ذلك كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام، موجود: غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام، وهو إمام ثقة يضاهي الأئمة كأحمد والشافعي، ولم يخرج له أصحاب الكتب الستة، وله كتاب اسمه الطهور وكتاب اسمه الأموال، وهو من الأئمة المعروفين الأثبات: أبو عبيد القاسم بن سلام. وقد استدرك عليه ابن قتيبة أشياء، وابن قتيبة من أئمة أهل السنة اللغويين العارفين بأسرار اللغة، وتعقبها الخطابي: أحمد بن سليمان، له كتاب غريب الحديث، فأورد زيادات. وصنف ابن الأنباري المتقدم، لأن ابن الأنباري اثنان: متقدم ومتأخر. قال: وسليم الرازي، وغير واحد. وأجل كتاب يوجد فيه مجامع ذلك كتاب الصحاح للجوهري، الصحاح مشهور، كتاب الصحاح للجوهري من كتب معاجم اللغة، وكتاب النهاية لابن الأثير رحمهم الله. كتاب النهاية كتاب مهم من أهم الكتب في معرفة الغريب، ينبغي لطالب العلم أن يأتي به عند استشكال لفظة أو إرادة معنى فيها. قال رحمه الله: النوع الثالث والثلاثون: معرفة المسلسل. وقد يكون في صفة الرواية كما إذا قال كل منهم: «سمعت، سمعت، سمعت»، أو «حدثنا»، أو «أخبرنا»، ونحو ذلك. أو في صفة الراوي بأن يقول: حالة الرواية قولاً قد قاله شيخ له، قد قاله شيخه له قولاً أو حالاً، أو يفعل فعلاً فعلاً فعلاً شيخه مثله. وقد يتسلسل. ثم قد يتسلسل الحديث من أوله إلى آخره، وقد ينقطع بعضه من أوله إلى آخره. ماذا يقول البيقوني في المسلسل؟ عندك يا أخانا عبد الملك: «مسلسل: قل ما على وصف أتى، مثل: أما والله أنبأني الفتى، كذاك قد حدثني قائماً، أو بعد أن حدثني تبسم». صفة تلازم، يقول الشيخ: حدثني فلان وتبسم، قال: حدثنا فلان وتبسم، قال: حدثنا فلان وتبسم، قال: حدثنا فلان وتبسم، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبسم. هذه «وتبسم» تسلسلت. أو: حدثنا فلان وكان قائماً فقعد، قال: حدثنا فلان وكان قائماً فقعد، قال: حدثنا فلان وكان قائماً فقعد، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قائماً فقعد. هذا مسلسل بالفعل. والمسلسلات: الغالب الأغلب فيها الضعف، المسلسلات: الغالب الأغلب فيها الضعف، وما صح منها قليل. ما صح من الأحاديث المسلسلة قليل، وأكثر المسلسلات لا تثبت، أكثر المسلسلات لا تثبت. من الثابت: المسلسل بالأولية، وهو موجود إلى زماننا، إلا أن تسلسله ينتهي إلى سفيان بن عيينة، فيقول المشايخ: حدثني فلان من مشايخي وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثنا فلان وهو أول حديث سمعته منه، إلى أن يصل الإسناد إلى سفيان بن عيينة، قال الراوي عنه: حدثنا سفيان بن عيينة وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثنا قابس أبو ظبيان، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». هذا من السنن عند المحدثين المتأخرين خاصة، بعناية بهذا المسلسل يسمى المسلسل بالأولية. مما صح أيضاً: المسلسل بقراءة سورة الصف، أيضاً ثابت. أما المسلسل بالتمر، والمسلسل بالماء، والمسلسل بالمصافحة، ونحو ذلك فأكثرها... فهي لا تثبت، أسانيدها فيها علل قادحة تردها. بالغ المتأخرون في العناية بها، ولا ينبغي المبالغة. يكفي أن يأخذ طالب العلم حديث الأولية بسماعه عن أشياخهم إلى سفيان بن عيينة، وعنده ينتهي التسلسل. وأخطأ من جعله مسلسلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك بسورة الصف مثلاً: هذا ثابت. فالمسلسلات الثابتة قليلة. قال: وفائدة التسلسل: بعده من التدليس والانقطاع. ومع هذا: قل ما يصح حديث بطريق مسلسل، والله أعلم. هذا الذي ذكرناه فيما سبق: قل ما يصح حديث بطريق مسلسل، قل ما يصح أي من أوله إلى آخره. أما التسلسل الجزئي فموجود، ومنه أحاديث مثل حديث: صفة ما جاء في صحيح مسلم في حديث: «من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بنى الله له بيتاً في الجنة». ترويه حفصة قالت: «فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ويرويه عن حفصة علقمة قالت: «فما تركتهن منذ سمعتهن من حفصة»، ويرويه عن علقمة مالك بن فلان نسيته قال: «فما تركتهن منذ سمعتهن من علقمة»، وهكذا من بعده. ساقه الإمام مسلم في صحيحه. هذا موجود، الجزء لكنه في قطع وطبقات معينة من الإسناد. هذا ونسأل الله جل جلاله أن يوفقنا ويهدينا لأحسن الأخلاق، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يعيننا على الخيرات ويجنبنا مساوئ المنكرات، ويحفظنا جميعاً بحفظه، ويحفظ علماءنا ويسلمهم، ويحفظ طلبة العلم في دور الحديث في معبر وفي مفرق حبيش وفي تهاما وفي جميع البلاد، إنه جواد كريم. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.