الدرس في شرح الباعث الحثيث 62، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع مكانة علم الناسخ والمنسوخ كأصل من أصول الفقه، مؤكداً أن الفتوى لا تصح إلا بإتقانه، ويبين طرق معرفته كنص النبي صلى الله عليه وسلم والتأريخ والسيرة. كما ينبه إلى أن قول الصحابي في النسخ يعد اجتهاداً غير مقبول غالباً، وأن السلف استخدموا مصطلح النسخ بمعنى التخصيص والتقييد لا النسخ الاصطلاحي اللاحق.
يفرق المقطع بين اصطلاح المتقدمين والمتأخرين في الناسخ والمنسوخ، ثم يركز على ضرورة تلقي العلم شفهياً عن شيخ حافظ لضبط المتون والأسانيد. ويسوق أمثلة طريفة لأخطاء التصحيف التي وقعت عند الاعتماد على الصحف فقط، كتصحيف "النغير" إلى "البعير" و"كتاب في عليين" إلى "كناز في غلس".
يسلط المقطع الضوء على عناية أئمة الحديث كالمزي وابن خزيمة وابن قتيبة والشنقيطي بضبط الأسانيد والمتون وبراعتهم في التوفيق بين الأحاديث المختلفة. ويؤكد أن هذا الإتقان هبة إلهية لمن شاء، وأن معرفة مختلف الحديث من أغمض العلوم وأجلها.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يقول الإمام الحافظ وأبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة رحمه الله تعالى: النوع الرابع والثلاثون: معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه. ووقفنا هنا، قال: النوع الرابع والثلاثون: معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه. وهذا الفن ليس من خصائص هذا الكتاب، بل هو بأصول الفقه أشبه. هو كما قال: هذا الفن هو بعلم أصول الفقه ألصق. ولا يجوز للمفتي أن يفتي حتى يتقن ناسخ الحديث ومنسوخه. لا يجوز للمفتي أن يفتي حتى يتقن ناسخ الحديث ومنسوخه، فقد يفتي بحكم قد نسخ فيكون ممن قال على الله بغير علم. ولهذا قال العلماء: يحرم الفتوى على من لا يتقن هذا الباب، أي باب الناسخ والمنسوخ. ألفت فيه كتب في ناسخ القرآن ومنسوخه، وألفت كتب في ناسخ السنة والحديث ومنسوخه. قال: وهذا الفن ليس من خصائص هذا الكتاب، بل هو بأصول الفقه أشبه. وقد صنف الناس في ذلك كتبًا كثيرة مفيدة، من أجلها كتاب الحافظ الفقيه أبي بكر الحازمي رحمه الله: "ناسخ الحديث ومنسوخه"، مطبوع في جزء لطيف. وقد كانت للشافعي رحمه الله في ذلك اليد الطولى، كما وصفه به الإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى: "الشافعي إمام في هذه الأبواب"، رحمه الله وغفر. ثم الناسخ: قد يعرف من رسول الله. النسخ عند الأصوليين هو رفع الخطاب السابق بخطاب لاحق متأخر عنه. هذا هو النسخ عند الأصوليين: رفع الخطاب السابق بخطاب لاحق متأخر عنه. هذا هو النسخ عند الأصوليين. فعندنا خطاب سابق، وعندنا خطاب متأخر عنه، وعندنا تأخر بينهما مدة. قال رحمه الله: ثم الناسخ والناسخ... الناسخ والمنسوخ ضدان. لا يمكن الترجيح بينهما. لا يمكن الترجيح... لا يمكن الترجيح إلا إذا تعذر الجمع أو الترجيح. لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع أو الترجيح. فإذا تعذر الجمع وتعذر الترجيح يصار إلى النسخ. وإذا تعذر الجمع وإذا تعذر الترجيح صرنا إلى القول بالنسخ. عندك يا أخي: متى يصار إلى القول بالنسخ؟ إذا... إذا... إذا تعذر الجمع وتعذر الترجيح يصار إلى النسخ. ولهذا فأعلم الناس بالناسخ والمنسوخ أوسعهم دائرة في باب جمع الأدلة المتعارضة والترجيح بينهم، هؤلاء أعلم الناس. قال: ثم الناسخ قد يعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"، هذا نص في أن هناك نهيا سابقا عن زيارة القبور، وأن بعده نهي جوازا آخر لزيارة القبور. "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"، ونحو ذلك مما يدل على التقدم والتأخر في الخطاب. قال رحمه الله: وقد يعرف ذلك بالتأريخ وعلم السيرة، وهو من أكبر العون على ذلك، كما سلكه الشافعي في حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم"، وذلك قبل الفتح في شأن جعفر بن أبي طالب، وقد قتل بمؤتة قبل الفتح بأشهر. وقول ابن عباس: "احتجم وهو صائم محرم"، وإنما أسلم ابن عباس مع أبيه في الفتح. سيرة ومعرفة التاريخ مما لا ينبغي لطالب العلم إهمال معرفة حوادث الناس. ينبغي لطالب العلم أن يجعل له وقتا يطالع فيه بالسيرة. من أنفع كتب السيرة المختصرة كتاب "الفصول في سيرة الرسول" لمؤلف هذا الكتاب، وهو الحافظ بن كثير أبو الفداء رحمه الله تعالى. كتاب جميل، وتحرى فيه الصحة والثبوت، فإنه من المعلوم أن علم السيرة يحمل في طياته أحاديث منكرة. ولهذا يقول العراقي في ألفيته في السيرة: "واعلم بأن السيرة تجمع ما صح وما قد أنكرا". واعلم بأن السيرة تجمع ما صح وما قد أنكرا. وعلم التاريخ كذلك، يجعل طالب العلم له أوقات، إذا مل أو تعب أن يقرأ في التاريخ، يقرأ وينظر في عبر الناس وما جرى لهم. فإن من قرأ التاريخ عظم عقله لما يرى من نظائر حصلت فيما مضى من الزمان تتكرر معه في زمانه حذو القذة بالقذة. سبحان الله! ولهذا يقولون: التاريخ يعيد نفسه. وقديما قالوا: ما أشبه الليلة بالبارحة. يقول العرب: ما أشبه الليلة بالبارحة. وهذا يجعل طالب العلم بعيدا من الفتن. يكون له أوقات يقرأ بعض الكتب، يجردها، يكون له مواقف فيها، يكتب ما يراه من نكت وفوائد على غلاف الكتاب حتى يكمل الكتاب كاملًا، ثم يقرأ الكتاب الذي بعده. أوقات فتكون القراءة في التاريخ، في السير، في أخبار الناس، أخبار الأمم، عبارة عن نوع نزهة وتسلية في أوقات بعد أن يتعب من بعض المسائل العلمية القوية التي فيها شيء من الحزم والقوة، فيستريح قليلا. أين استراحة هذا المحارب؟ أين يستريح هذا المقاتل الذي يسمى طالب العلم، الذي يحمل سيفه وهو القلم؟ استراحته بين رياض كتب التاريخ والسيرة ونحوه. قال: وقد يعرف ذلك بالتأريخ، يجوز الهمزة والتسهيل، تقول: التأريخ، وتقول: التاريخ. وعلم السيرة، وهو من أكبر العون على ذلك، كما سلكه الشافعي في حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم"، وذلك قبل الفتح. وحديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" لا يثبت كما هو معلوم. وذلك قبل الفتح، أي أن هذا الحديث قبل فتح مكة، في شأن جعفر بن أبي طالب، وقد قتل بمؤتة. هذا موضع زمن الحديث عرف بالقرائن قبل الفتح بأشهر. وقول ابن عباس: "احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم محرم"، صائم محرم يدل على أنه في أيام الحج. لماذا؟ كيف عرفنا أنه في أيام الحج؟ كيف عرفنا أن هذا في أيام الحج؟ نعم، لأنه قال: محرم، لأنه قال: محرم. قال: وإنما أسلم ابن عباس مع أبيه في الفتح. فأما قول الصحابي: هذا ناسخ لهذا، فلم يقبله كثير من الأصوليين، لأنه يرجع إلى نوع من الاجتهاد، وقد يخطئ فيه. وقبلوا قوله: هذا كان قبل هذا، لأنه ناقل، وهو ثقة، مقبول الرواية. الصواب أن مثل قول الصحابي: هذا ناسخ لهذا، يحتمل أيضا أن يريد التخصيص. فإن السلف يطلقون باب النسخ ويشمل عندهم العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، ونحو ذلك. لا بمعنى النسخ عند الأصوليين المتأخرين. ولهذا يقول الزهري في أحاديث: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة": "نسختها أحاديث الأعمال". ليس المعنى أنها منسوخة الحكم، لا، المراد: خصصتها أحاديث الأعمال. هذا المعنى المراد في قول الزهري أو غيره من السلف: "نسختها أحاديث الأعمال"، أو كما قال رحمه الله. الشاهد: ينبغي أن يعلم ويفهم اصطلاح أهل العلم. فالناسخ والمنسوخ عند المتأخرين ليس الناسخ والمنسوخ عند استعمال المتقدمين. فالمتقدمون يجعلون تقييد المطلق وتخصيص العام ناسخا ومنسوخا، ولا يريدون به النسخ الذي يذكره المتأخرون من الأصوليين في قولهم: النسخ رفع الخطاب السابق بخطاب لاحق متأخر عنه. لا يريدون هذا. وعلى هذا، فقول الصحابي: هذا ناسخ لهذا، إن كان يريد نسخ الأصوليين المتأخرين فينبغي إعماله، وإن كان يريد التقييد للإطلاق والتخصيص للعام ونحو هذا الباب، فلا ينبغي إهماله، لأن الصحابة أعلم بالتنزيل وأفهم للتأويل. لأن الصحابة أعلم بالتنزيل وأفهم للتأويل. النوع الخامس والثلاثون: معرفة ضبط ألفاظ الحديث متنا وإسنادا، والاحتراز من التصحيف فيها قد وقع. قال رحمه الله تعالى: فقد وقع من ذلك شيء كثير لجماعة من الحفاظ وغيرهم ممن ترسم بصناعة الحديث وليس منهم. وقد صنف العسكري في ذلك مجلدا كبيرا. نعم، هذا الصواب. الصواب: والاحتراز من التصحيف. عندي كلمة "التصنيف" فيها، التصحيف فيها الصواب. قال رحمه الله تعالى: وأكثر ما يقع ذلك لمن أخذ الصحف ولم يكن له شيخ حافظ يوقفه على ذلك. يعني رحمه الله أن هذا العلم، وهو علم ضبط ألفاظ متون الأحاديث، وضبط أسانيد الرواة، وأسماء الرواة، وأساند الأحاديث، يحتاج إلى التلقي، يحتاج إلى التلقي والأخذ عن الشيوخ. فيضبط الطالب عن المشايخ، وهم يضبطون عن شيوخهم، وشيوخهم يضبطون عن شيوخهم، وهكذا. فيضبطون الألفاظ والمتون. ذكرنا قصة عبيد الله بن موسى... موسى بن عبيد الله... عبد الله بن موسى الأودي، أنه قرأ حديث ابن عباس، حديث أبي الحوراء عن ابن عباس في قيام الليل، فكتب تحته إيش؟ ماذا كتب تحت كلمة "أبي الحوراء"؟ ذكرته فيما سبق: "لا حور عين". كتب تحت كلمة "أبي الحوراء": "حور عين". لماذا كتب "حور عين"؟ عندك يا أبي الزبير، ليش كتب "حور عين"؟ ربما بعد مدة يختلط فيقول: عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، الحديث عن من؟ عن أبي الحوراء بالحاء، فكتب "حور عين" بحيث إذا طالت المدة وتطاول الزمان ينظر "حور عين" يقول: المقصود الحاء، حور عين، يعني انتبه هذا الموضع بالحاء. هذا نوع من الضبط. وأحيانا يكتبون بالحاء المهملة، المهملة يعني ليست منقوطة، ويقولون: بالشين المعجمة، وبالسين المهملة، وبالباء الموحدة التحتية، الموحدة التحتية، الموحدة يعني نقطة واحدة، التحتية يعني تحت، ليست ت، ليست تاء، وهكذا. لها بالعين المهملة، وبالغين المعجمة، بالضاد المعجمة، مشالة، مشالة يعني ذات العشر، وبالصاد ذات البطن، يعني التي هي ذات بطن، في مثل: "ولا الضالين". هذا كله من حتى لا يقع الخطأ. يقول: وأكثر ما يقع ذلك لمن أخذ الصحف. سمعت في أحد المساجد هنا يقرؤون صحيح البخاري، وبعدين يقرؤون الأسانيد ويلحنون فيها، ويقرؤون المتون ويلحنون، لأنهم ما سبقت لهم قراءة لكتاب صحيح البخاري على عالم محدث أو على شيخ يفهم الكتاب، وإنما يأخذ أحدهم الكتاب فيقرأ فيه، فيحصل الخطأ، يحصل الخطأ. تسمع من التصحيفات ما تتعجب. "حدثنا غندر، قال: حدثنا..." أشياء غريبة، أشياء غريبة، أشياء غريبة، أشياء غريبة. نحن ما نكتبها، أشياء غريبة. سبحان الله، سبحان الله. هذا الذي يذكره ابن كثير: وأكثر ما يقع ذلك لمن أخذ الصحف، أخذ الكتاب، فتح الميكروفون يقرأ. سبحان الله! ولم يكن له شيخ حافظ يوقفه على ذلك. وما ينقله كثير من الناس عن عثمان بن أبي شيبة أنه كان يصحف قراءة القرآن، فغريب جدا. مذكور في ترجمته رحمه الله، مذكور في ترجمته. ولكن ابن كثير يرد هذا، قال: فغريب جدا، لأن له كتابا في التفسير، وقد نقل عنه أشياء لا تصدر عن صبيان المكاتب، أي من التصحيف والخطأ في القراءة. سبحان الله! وينبل الإمام عن ذلك، فإنه أخذ العلم تأصيلا، وقرأ القرآن تلقينا تلاوة على الشيوخ، فهذا بعيد. وأما ما وقع لبعض المحدثين من ذلك، فمنه ما يكاد اللبيب يضحك منه، كما حكي عن بعضهم أنه جمع طرق حديث: "يا أبا عمير ما فعل النغير"، ثم أملاه في مجلسه على من حضره من الناس، فجعل يقول: "يا أبا عمير ما فعل البعير". ما هو النغير؟ الطائر الصغير. رحم الله بن كثير، يقول: ما يكاد اللبيب يضحك منه، يكاد اللبيب يضحك منه، يعني هو أتى بأشياء متناقضة، يعني: يا أبا عمير ما فعل الطير الصغير العصفور، وهو يقول: يا أبا عمير ما فعل البعير. سبحان الله، سبحان الله. رحمه الله، هذا يدل على أنه ما طلب الحديث طلبا تاما. وهذا الباب يعني القصص فيه عجيبة. قال: كما حكي، فمنهما... يكاد اللبيب يضحك منه، كما حكي عن بعضهم أنه جمع طرق حديث: "يا أبا عمير ما فعل النغير"، ثم أملاه في مجلسه على من حضره من الناس، فجعل يقول: "يا أبا عمير ما فعل البعير". فافتضح عندهم، وأرخوها عنهم، أي كتبوا التاريخ لهذا التصحيف، لأنه تصحيف غريب جدا، تصحيف غريب. صلى الله عليه. قال: وقد اتفق لبعض مدرس النظامية ببغداد، مدرسة مشهورة، أنه أول... أنه أول يوم إجلاسه، أنه أول يوم... أنه أول يوم... أول يوم إجلاسه، أي في أول يوم إجلاسه، أورد حديث: "صلاة في إثر صلاة كتاب في عليين"، فقال: "كناز في غلس، كنار عندنا كناز تعلها كنار الصواق". عندنا: "كناز في غلس"، "صلاة في إثر صلاة"، "كنار في غلس". فلم يفهم الحاضرون ما يقول، حتى أخبرهم بعضهم أنه تصحيف، تصحف عليه: "كتاب في عليين"، "كتاب" تصحفت إلى "كناز" أو "كنار"، "في عليين" تصحفت عنده إلى "في غلس". سبحان الله! وهذا كثير منه، كثير جدا. وقد أورد ابن الصلاح أشياء كثيرة رحمه الله وغفر له. وقد كان شيخنا الحافظ الكبير الجهبد أبو الحجاج المزي تغمده الله برحمته. هذا الموضع الثاني الذي يذكر فيه صهره وعمه وشيخه الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي رحمه الله. الموضع أين الأول؟ أين ذكره عندك يا أخي محمد فضل؟ لما ذكر نعم، في باب التحمل والسماع والغفل والنوم. فلما ذكر مسألة النوم قال: وقد كان شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي ينعس في السماع، فإذا غلط الطالب انتبه وقال: الصواب كذا. وكان ينعس أو يأتيه شيء من النوم. سبحان الله! وقد قال رحمه الله: وقد كان شيخنا الحافظ الكبير الجهبد أبو الحجاج المزي تغمده الله برحمته. هذا معناه أنه صنف الكتاب بعد وفاته. من أبعد الناس في الغالب، من أبعد الناس عن هذا المقام، أي التصحيف، ومن أحسن الناس أداء للإسناد والمتن. لا إله إلا الله! من أحسن الناس أداء للإسناد والمتن. هو من أعلم... هو من أعلم أهل زمانه، ومن أهل زمانه، أهل زمانه بعلم الحديث. ويكفيه كتابه "تحفة الأشراف"، كتاب يجمع الألفاظ والأسانيد والطرق، كتاب تخريج وكتاب فهارس، كتاب عجيب من عجائب الزمان: "تحفة الأشراف في معرفة الأطراف"، كتاب عظيم. سبحان الله! هذا من كرامة الله لهم. قالوا: من أحسن الناس أداء للإسناد والمتن. فيه ثناء على المشايخ وذكرهم بما هم له أهل، وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يذكر أشياخه ويشكر لهم ما أحسنوا فيه، وليس هذا من الغلو، بل هذا من أداء الأمانة. فابن كثير يذكر هذا شهادة للزمان وأداء لحق هذا الشيخ عليه، وهو من البر بالأشياخ بعد وفاتهم وفي حياتهم. ومن أحسن الناس أداء... من أبعد الناس عن هذا المقام، وأحسن الناس أداء للإسناد والمثل. بل لم يكن على وجه الأرض فيما نعلم مثله في هذا الشأن أيضا. وكان إذا غُرب عليه أحد برواية شيء مما يذكره بعض الشراح، لا إله إلا الله، على خلاف المشهور عنده، يقول: هذا من التصحيف الذي لم يقف صاحبه إلا على مجرد الصحف والأخذ منها، لسعة حفظه. سبحان الله! لسعة حفظه. وكان أيضا شيخنا العلامة الفقيه المفتي أحمد بن يحيى النجمي، له في زمانه شيء من هذا الباب. فقد سمعت من يحمده، إذ كانوا يقرؤون عليه سنن أبي داود وبعض الكتب، فكان يبين لهم الألفاظ، ويقول لهم: هذه اللفظة خطأ والصواب كذا، وهذا اللفظ صوابه كذا، وهذا اللفظ أظنه غلطا والصواب كذا. يقول: من قرأ فنبحث، فنجد الأمر كما ذكى. سبحان الله! نجد الأمر كما ذكى. وقرأت عليه "كشف الشبهات" إلى قول المصنف رحمه الله: "وهم يذكرون الله كثيرا كثيرا، ويذكرون الله كثيرا، وكانت لهم عبادات فيحجون". ذكر الشيخ رحمه الله في المتن: نسيت اللفظ، "لهم عبادات"، وكانوا يعمرون البيت. لأن قال: "ويذكرون الله كثيرا"، فأوقفني في القراءة، وقال: "كثيرا فيها نظر، كثيرا فيها نظر". فقلت للشيخ: هي موجودة في بعض المخطوطات وليست موجودة في أخرى. قال: فيها نظر. قلت للشيخ رحمه الله: ألا يحتمل أن يراد به عباد النصارى، فإنهم عرفوا بكثرة العبادة وكثرة الذكر؟ قال: لا، السياق في كفار قريش. فعلا بعد ذلك أعدت تحقيق الكتاب مرة أخرى على أصول خطية، وإذا هذه الزيادة يمكن أن يقال شاذة، يمكن أن يقال زيادة شاذة، ليست صوابا في الكتاب. قضاء وفهم، وكذلك انتباه، وكذلك معرفة بالكتاب واستظهار له، وقراءة على المشايخ الذين أدركهم. ولهذا استنكر هذه اللفظة، قال: فيها نظر. وكان كما قال رحمه الله. فيوجد من أهل العلم مثل هذا الأمر، وهي هبة من الله سبحانه وتعالى لمن شاء من عباده. هبة من الله سبحانه وتعالى لكثرة قراءتهم وتأملهم، يرتسم في ذهنه الصواب وينبه على الخطأ. ينبه، ربما يأتي الطالب يبحث فيستغرب من ضبطه. قال رحمه الله تعالى وغفر له: نقر هذا المبحث. النوع السادس والثلاثون: معرفة مختلف الحديث. وقد صنف فيه الشافعي فصلا طويلا من كتابه "الأم"، نحوا من مجلد، موجود مختلف الحديث في كتاب في ضمن مجلدات كتاب "الأم". وكذلك ابن قتيبة له فيه مجلد مفيد. ابن قتيبة من كبار أئمة السنة وأئمة اللغة. وفيه ما هو غث، وذلك بحسب ما عنده من العلم. قد ينتقد في بعضه في جمع بين الأحاديث، ولكن كتاب ابن قتيبة "مختلف الحديث" كتاب عظيم، وكذلك كتابه جليل في هذا الباب، كتابه "تأويل مختلف الحديث"، الكتاب عظيم، لا يستغني عنه طالب. قال: والتعارض بين الحديثين قد يكون بحيث لا يمكن الجمع بينهما بوجه، كالناسخ والمنسوخ، فيصار إلى الناسخ ويترك المنسوخ. وقد يكون بحيث يمكن الجمع ولكن لا يظهر لبعض المجتهدين، فيتوقف حتى يظهر له وجه الترجيح بنوع من أقسامه، أو يهجم فيفتي بواحد منهما، أو يفتي بهذا في وقت وبهذا في وقت، كما يفعل أحمد في الروايات عن بعض... عن الصحابة. وقد كان الإمام أبو بكر بن خزيمة يقول: ليس ثم حديثان متعارضان من كل وجه، ومن وجد شيئا من ذلك فليأتني لأؤلف له بينهما. ابن خزيمة، محمد بن إسحاق، الملقب بإمام الأئمة، الملقب بإمام الأئمة، صاحب كتاب "التوحيد" في إثبات صفات الرب والقدر ونحوه، كتاب عظيم، لا يستغني طالب علم عن قراءته، لا يستغني طالب علم عن قراءته، فيه من الحجج العظيمة شيء كثير. وهكذا كتابه "الصحيح"، وله كتب كثيرة، يلقب بإمام الأئمة. وكان من أعلم الناس بالجمع بين الأحاديث المختلفة، حتى كان يقول: ايتوني بحديثين أجمع لكما بينهما من وجوه كثيرة، أو كما قال رحمه الله تعالى. وهذا لا يكون إلا لسعة العلم، هذا لا يكون إلا لسعة العلم. فهذا من أغمض أنواع العلوم، الجمع بين المتعارضات من أغمض أنواع العلوم. ولهذا فقد يقف بعض المجتهدين ويقول: لا أدري ما هذا ولا ما معناه، أو هذا من غرائب العلم، كما جرى لبعض العلماء كالخطابي في حديث النذر وغيره من الأحاديث، يقول: هذا الباب من غرائب العلم، من غرائب، أي مما يستغرب، مما يستغرب. فهذا الباب فتح من الله وكرامة. وممن أجاد فيه من المتأخرين فبلغ في إجادته منزلة السابقين: العلامة الإمام محمد الأمين الجكني الشنقيطي، المتوفى سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة، في كتابه العظيم "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب"، فهو فريد في بابه، كتاب فريد في بابه، وهو من كرامة الله عز وجل، يجمع بين الآيات التي ظاهرها التعارض. فهذا العلم من أغمض العلوم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فنسأل الله أن يرحم علماءنا ويجزيهم خير الجزاء، وأن يرفع درجاتهم في المهديين، إنه جواد كريم. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر