الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 53، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد على عدالة جميع الصحابة عند أهل السنة والجماعة، مستندين إلى الثناء الإلهي والنبوي عليهم. كما يبين موقف أهل السنة من الفتن التي حدثت بين الصحابة.
يتناول فضل الصحابة وأفضليتهم مع التركيز على أبي بكر الصديق كأفضل الصحابة بعد الأنبياء، ويذكر بعض الأحداث التي تبرز فضله ومكانته.
ذكر أكثر الصحابة رواية للحديث النبوي وآخر من مات منهم، وتناول كيفية معرفة الصحابة، كما تطرق إلى شروط قبول رواية التابعين عن الرسول.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. وبعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فرعًا، الصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة؛ لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وفعالهم، ومن بذلوا الأموال والأرواح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل والجزاء الجميل. وأما ما شجر بينهم بعده عليه الصلاة والسلام، فمنهم من وقع منهم غير قصد، كيوم الجمل، ومنهم من كان عن اجتهاد، كيوم صفين، والاجتهاد يخطئ ويصيب، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ، ومأجور أيضًا. وأما المصيب فله أجران اثنان. وكان علي وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، رضي الله عنهم أجمعين؛ لأن عليًا كان قد بويع بالإمامة، فهو أقرب إلى الحق. ومعاوية رضي الله عنه إنما حز في أنفسهم كيف يترك قتلة عثمان ويمشون دون أن يعاقبوا. لكن علي كانت فكرته أنه أولًا يثبت الخلافة ثم ينظر في أمرهم. لكن حصل ما حصل، وهناك ناس يشعلون الفتن، يشعلون الفتن. وإلا معاوية معروف من أهدى الناس، ومن أفضل الناس محبة للصلح، وهو الذي عرض الصلح على الحسن. فلكن هناك أناس كما قلنا تعجبهم هذه الفتن، يعيشون فيها، فيؤججون مثل هذه الفتن. ولهذا، كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله، لما سئل عن هذه الفتنة التي حصلت في صفين، قال: «تلك فتنة سلم الله عز وجل منها سيوفنا - أو أيدينا - فلنسلم منها ألسنتنا». ولهذا صار مذهب أهل السنة أنهم لا يخوضون فيما شجر بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أي لا يحصل منهم ما يكون في معناه في انتقاد هؤلاء الصحابة. معنا يقال: هؤلاء أخطأوا كذا، وهؤلاء كذا، وهؤلاء كذا، هذا مرفوض. ولهذا، كما ذكر ابن الصلاح، أن بعضهم عاب على ابن عبد البر لما ذكر في كتاب «الاستيعاب» بعض هذه الأمور، وخاصة ما يكون من أسانيد فيها يذكر فيها مثالًا بالصحابة. معنا فيها يذكر فيه معنى يريد أن يعيب هؤلاء الصحابة مثلًا، سواء كان الجانب هذا أو هذا الجانب. قالوا: قول من يقول: «ما عدت الصحابة عُدولًا إلا من قاتل عليًا»، قول باطل مردود. وقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عن ابن ابنته الحسن بن علي، وكان معه على المنبر: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». قال: وظهر مصداق ذلك في نزول الحسن لمعاوية عن الأمر بعد موت أبيه علي، واجتمعت الكلمة على معاوية، وسمي عام الجماعة. ثم العام أربعين - أو واحد وأربعين - أنه واحد وأربعين، قالوا: ذلك، لكن هم يجعلونه أربعين من باب التنزل، وإلا الذي حصل هو آخر أربعين أو دخل في الواحد وأربعين. قالوا: ذلك سنة أربعين من الهجرة، فسمى الجميع مسلمين. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فسماهم مؤمنين مع الاقتتال. ومن كان من الصحابة مع معاوية، قال: لم يكن في الفريقين مئة من الصحابة، والله أعلم. وجميع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم عدول كلهم. وأما طوائف الروافض وجهلهم وقلة عقلهم ودعاويهم أن الصحابة كفروا إلا سبعة عشر صحابيًا وسموهم، فهو من الهذيان بلا دليل. بل بعضهم يقول سبعة، ومنهم من يقول أربعة، ومنهم من يقول ثلاثة. أي من الروافض، قال: فهو من الهذيان بلا دليل، إلا مجرد الرأي الفاسد عن ذهن بارد. وهو المتبع، وهو أقل من أن يرد، والبرهان على خلافه أظهر وأشهر مما علم من امتثالهم أوامره عليه الصلاة والسلام وبعده، وفتحهم العقاليم والآفاق، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس إلى طريق الجنة، ومواظبتهم على الصلوات والزكوات وأنواع القربات في سائر الأحياء والأوقات، مع الشجاعة والبراعة والكرم والإيثار والأخلاق الجميلة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة، ولا يكون أحد بعدهم مثلهم في ذلك. فرضي الله عنهم أجمعين، ولعن من يتهم الصادق ويصدق الكاذبين، آمين يا رب العالمين. هذا كلام جميل ذكره الحافظ رحمه الله في الرد على هؤلاء المبتدعة من الروافض وغيرهم. قالوا: أفضل الصحابة، بل أفضل الخلق بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أبو بكر عبد الله بن عثمان أبي قحافة. معنى عثمان: يسمى أو يكنى بأبي قحافة عثمان التيمي، وعبد الله هو اسمه. أبي بكر قال: خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمي بالصديق لمبادرته لتصديق الرسول عليه الصلاة والسلام قبل الناس كلهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما دعوت أحدًا إلى الإيمان إلا كانت له كبوة إلا أبا بكر، فإنه لم يتلعثم». ومعنى أفضل منه حديث أبي الدرداء الذي في الصحيحين. هذا حديث أبي رزين العبدري عن عبد الله بن مسعود، لكن يشهد له ما جاء في الصحيحين في حديث أبي الدرداء، أنه قال: «جئتكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق، وواساني بمالي ونفسه، فدعوا لي صاحبي». فهذا أصرح من هذا الحديث. وأيضًا ذكر ابن سحاق وموسى بن عقبة وجماعة أن أبا بكر الصديق سمي صديقًا في حادثة الإسراء أو بعد حادثة الإسراء؛ لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالإسراء، فجاء إلى أبي بكر رضي الله عنه وقال: «ألم تسمع إلى صاحبك يقول أنه ذهب إلى بيت المقدس في ليلة ثم رجع إلينا وحدثنا بهذا؟» فقال: «هو قال لكم هذا؟» قالوا: «نعم». قال: «إن قاله فقد صدق، فإني أصدقه في خبر السماء، فكيف لا أصدقه في هذا؟» فيقال: إنه سمي صديقًا رضي الله عنه في ذلك اليوم. قال: ثم بعده عمر بالخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب. هذا رأي المهاجرين والأنصار حين جعل عمر الأمر من بعده شورى بين ستة، فانحصر في عثمان وعلي، واجتهد فيه مع عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها، حتى سال النساء في خدورهن والصبيان في المكاتب، فلم يروا أحدًا يعدلون بعثمان أحدًا، وقدمه على علي. والله أعلم. ولهذا قال الدارقطني: «من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار». وصدق رضي الله عنه وأكرم مثواه وجعل الجنة الفردوس مأواه. أن عبد الرحمن بن عوف ذهب إلى مجالس الناس والأماكن التي يتجمع فيها الناس ويسألهم عن ذلك. قالوا: العجب أنه قد ذهب بعض أهل الكوفة من أهل السنة إلى تقديم علي على عثمان، ويحكى عن سفيان الثوري، لكن يقال: إنه رجع عنه. بل قال سفيان: «من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار». وهذا يدل على أنه تراجع عن قوله. قالوا: لهذا قالت «درغتني»: من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وصدق رضي الله عنه وأكرم مثواه وجعل الجنة الفردوس مأواه. وهذه العبارة كما قلنا جاءت عن سفيان الثوري. قالوا: العجب أنه قد ذهب بعض أهل الكوفة من أهل السنة إلى تقديم علي على عثمان، ويحكى عن سفيان الثوري، لكن يقال: إنه رجع. ونقل مثله عن وكيع بن الجراح. ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية. وأما السابقون الأولون فقيل: هم من صلى إلى القبلتين، وقيل: أهل بدر، وقيل: بيعة الرضوان، وقيل: غير ذلك، والله أعلم. يعني من هو السابقون الأولون؟ وقيل: من كان صلى إلى القبلتين، وقيل: من حضر بدرًا. ولم يأت شيء صريح في ذلك. قال فرعًا: قال الشعبي: «روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورآه من المسلمين نحو من ستين ألفًا». وقال أبو زرعة الرازي: «شهد معه حجة الوداع أربعون ألفًا، وكان معه بتبوك سبعون ألفًا، وقبض عليه الصلاة والسلام من مئة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة». معنى لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء العدد من عدد الصحابة. لكن الظاهر أن هذا تقدير فقط، وإلا ما سينضبط مثل هذا. معنى ما يستطيع حد أن يضبط مثل هذا الأمر؛ لأن الناس متفرقون. وكذا، لكن الظاهر من باب التقريب فقط. قال أحمد بن حنبل: «وأكثرهم رواية ستة: أنس، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وعائشة». من أكثر الصحابة رواية، وهؤلاء هم المكثرون في رواية العشر. أبو هريرة، ثم يليه ابن عمر، والحبر، والخدري، وعائشة، وأنس. والمهم أن هؤلاء هم أكثر الناس رواية عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأكثرهم أبو هريرة. أكثرهم أبو هريرة، ثم عائشة، ثم أنس، ثم عبد الله بن عباس، ثم عبد الله بن عمر، ثم جابر، ثم أبو سعيد، ثم عبد الله بن مسعود. ثم عبد الله بن عمر، مع أن أبي عبد الله بن عمر يكتب، لكنه لم يرو مثل هؤلاء، حتى ظن أبو هريرة أنه أكثر منه حديثًا. أبو هريرة أكثر منه حديثًا. أبو هريرة حديثًا من أهل الحديث. طيب ذكر الحافظ الشيخ أحمد شاكر بعض الأشياء التي طيب. قال: «قلت: عبد الله بن عمر، وأبو سعيد، وابن مسعود». ولكنه توفي قديمًا، أي ابن مسعود توفي سنة 32 قبل صفين. ولهذا لم يعده أحمد بن حنبل في العبادلة. بل قال: «العبادلة أربع: عبد الله بن زبير، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأن ابن مسعود مات قديمًا». وأما هؤلاء فقد عاشوا، وحتجوا إلى علمهم، وصاروا قيمة المجتمع. قال فرعًا: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، وقيل: إنه أول من أسلم مطلقًا. قال: ومن الولدان علي، وقيل: إنه أول من أسلم مطلقًا، ولا دليل عليه من وجه يصح. ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن الأرقاء بلال، ومن النساء خديجة، وقيل: إنها أول من أسلم مطلقًا. هذه الأقوال قيلت. قال: وهو ظاهر السياقات في أول البعثة، وهو محكي عن ابن عباس، والزهري، وقتادة، ومحمد بن سحاق بن يسار صاحب المغازي، وجماعة. ودعوى الإجماع على ذلك. قال: وإنما الخلاف من أسلم بعدهم. معنى بعد هؤلاء. قال فرعًا: وآخر الصحابة موتًا نافع بن مالك، ثم أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، وهو أخو عائشة من الرضاعة. قال علي بن المديني: «وكانت وفاته بمكة». قال: «هذا هو آخر من مات بها». ويقال: «آخر من مات بمكة ابن عمر»، وقيل: «جابر». وصحيح أن جابرًا مات بالمدينة، وكان آخر من مات بها. وقيل: «سالم بن سعد»، وقيل: «سائب بن يزيد». وبالبصرة أنس، وبالكوفة عبد الله بن أبي أوفى، وبالشام عبد الله بن بسط. قال: وقيل: «سائب بن يزيد». وبالبصرة أنس بن مالك، وبالكوفة عبد الله بن أبي أوفى، وبالشام عبد الله بن بشر بحمص، ودمشق واثلة بالأسقع، ومصر عبد الله بن الحارث بن جزء، وباليمامة الهرماس بن زياد، وبالجزيرة العرس بن عميرة. الجزيرة هذه اليمامة وما حولها. قال: وبإفريقيا رويفع بن ثابت، وبالبادية سلمة بن الأكوع، رضي الله عنهم. قال فرعًا: وتعرف صحبة الصحابة تارة بالتواتر، وتارة بأخبار مستفيضة، وتارة بشهادة غيره من الصحابة، رضي الله عنهم. طيب. طال هنا في معرفة الصحابة. يعني كيف يعرف الصحابة؟ إما بصحبة الصحابة بالتواتر، أو تارة بأخبار مستفيضة تبين أن هذا صحابي، وتارة أيضًا بشهادة غيره من الصحابة له. إذا كانوا هؤلاء الذين يخبرون العدول، فالخلاف. فأما في معرفة الصحابة، تارة يعرف بالتواتر أنه صحابي، ولو لم يرو شيئًا، لكن يذكر في الصحابة. وتارة بأخبار، معنى بأخبار مستفيضة، يستفاد أنه صحابي. وتارة بشهادة غيره من الصحابة له. والصحابة كلهم عدول. وتارة بروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم سماعًا ومشاهدة ومعاصرته. طيب. قال: فأما إذا قال المعاصر العدل: «أنا صحابي»، فقد قال ابن الحاجب في مختصره: «يُحتمَل إلى الخلاف». يعني أنه لأنه يخبر عن حكم شرعي. قال: أما إذا قال المعاصر العدل: «أنا صحابي»، فقد قال ابن الحاجب في مختصره: «يُحتمَل إلى الخلاف». يعني إذا قال هو نفسه: «أنا صحابي»، يعني لأنه يخبر عن حكم شرعي، كما لو قال: «في ناسخ وهذا ناسخ لهذا». لا، لا لإحتمال خطأي في ذلك. أما لو قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا»، أو «رأيته فعل كذا»، أو «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ونحو هذا، فهذا مقبول لا محالة إذا صح السند إليه، وهو ممن عاصره عليه الصلاة والسلام.